سلسلة مفاهيم في الفيزياء
الجزء التاسع والثمانون: المخروط الضوئي في زمكان مينكوفسكي: الفاصل الصفري وتقييد الاتجاهات
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
6/1/2026
من الحقائق الرياضية الأساسية في دراسة الزمكان أن أي فضاء يقبل نظامًا واحدًا من إحداثيات لورنتز، لا بد أن يقبل عددًا لا نهائيًا من مثل هذه الأنظمة. قد يبدو هذا مجرد نتيجة رياضية، ولكنه يحمل معنى فيزيائي عميق: أي حدث في الزمكان يمكن وصفه من عدة منظورات مختلفة، وكل منظور يعتمد على نظام إحداثيات لورنتزي مختلف.
يمكننا تشبيه هذا بالفضاء الإقليدي المألوف: في أي غرفة أو سطح مستوٍ، يمكن رسم شبكة إحداثيات كارتيزية بعدد لا حصر له من الطرق. يمكننا اختيار نقطة الأصل في أي مكان، وتدوير المحاور كما نشاء، أو حتى تغيير وحدة القياس. كل هذه الاختلافات لا تؤثر على حقيقة موقع النقاط أو طول الأجسام، فهي مجرد طرق مختلفة لوصف نفس الواقع. في الزمكان، الوضع مشابه ولكنه أكثر تعقيدًا، لأن هناك قيودًا على كيفية اختيار هذه الأنظمة، وهي مرتبطة بشكل وثيق بقوانين الطبيعة، خاصة بسرعة الضوء والثوابت الفيزيائية الأخرى.
بالنسبة لأي زوج من أنظمة لورنتز، توجد دائمًا مجموعة محددة من المعادلات تُحدد كيفية تحويل إحداثيات حدث معين من النظام الأول إلى النظام الثاني. إذا افترضنا أن الأصل والمقياس متطابقان، تُعرف هذه المعادلات باسم تحويلات لورنتز (Lorentz Transformations). هذه التحويلات ليست مجرد رياضيات جامدة، بل هي التي تضمن توافق قوانين الفيزياء مع جميع المراقبين الذين يتحركون بسرعة ثابتة نسبية لبعضهم البعض. أما إذا سمحنا بتغيير المقياس أو الإزاحة في المكان والزمن، فإننا ننتقل إلى المجموعة الأوسع المعروفة باسم تحويلات بوانكاريه (Poincaré Transformations)، التي تشمل تحولات المكان والزمن معًا.
ولكن، وعلى عكس ما هو مألوف في الفضاء الإقليدي، فإن حرية اختيار محاور الإحداثيات في نظام لورنتز ليست مطلقة. ففي الفضاء الإقليدي يمكن اختيار أي خط مستقيم كمحور إحداثي، دون أي قيود. أما في زمكان مينكوفسكي، فهناك قيود بنيوية تحدد أي الخطوط يمكن أن تُستخدم كمحاور إحداثيات ضمن إطار لورنتز. هذا الاختلاف يعكس حقيقة أساسية: زمكان مينكوفسكي ليس متماثلًا في جميع الاتجاهات كما هو الحال في الهندسة الإقليدية. في الفضاء الإقليدي، كل الاتجاهات متساوية هندسيًا؛ لكن في الزمكان، يمكن أن تمتلك الاتجاهات المختلفة خصائص هندسية وفيزيائية مختلفة تمامًا.
هذا التفاوت البنيوي بين الاتجاهات هو ما يسمح للنظرية النسبية الخاصة بتفسير سلوك الضوء، وتحديد أنواع المسارات التي يمكن أن تتبعها الأحداث أو الجسيمات. فبعض المسارات مسموح بها فيزيائيًا (مثل مسار الضوء أو جسيم يتحرك بسرعة أقل من الضوء)، في حين أن مسارات أخرى لا يمكن أن تكون ممكنة. ونتيجة لذلك، لا يمكن اختيار أي منحنى أو أي اتجاه بشكل اعتباطي لبناء إطار لورنتز، كما نفعل في الهندسة الإقليدية.
واحدة من النتائج الجوهرية لهذه البنية هي أن الفاصل الزمني بين الأحداث، الذي يُعرف بالدالة التي تقيس "المسافة الزمنية" بين حدثين، ليست دائمًا موجبة. في بعض الحالات الخاصة، يمكن أن يكون هذا الفاصل صفرًا، كما هو الحال للأحداث التي تفصل بينها مسارات الضوء. لهذا السبب، لا يمكن اعتبار الفاصل الزمني مقياسًا مباشرًا للمسافة كما نفعل في الهندسة التقليدية، إذ أن كل زوج من النقاط المتميزة يجب أن يكون له فاصل محدد يعكس إمكانية التفاعل السببي بينهما.
لتصور هذه البنية، يمكن تخيل مخطط زمكان مينكوفسكي ثلاثي الأبعاد بعد إسقاط أحد الأبعاد المكانية، مثل z. عندها يصبح لدينا بعدان مكانيان xوy، وبُعد زمني t، حيث يُرسم البُعد الزمني عموديًا على الصفحة، بينما يكون المحوران المكانيان بزوايا قائمة. هذا المخطط يساعدنا على تصور العلاقات بين الأحداث المختلفة.
لنأخذ نقطة الأصل كمثال، وهي الحدث الذي جميع إحداثياته صفر. لكي يكون الفاصل الزمني بين حدث آخر يقع عند النقطة pونقطة الأصل مساويًا للصفر، يجب أن تتحقق المعادلة الأساسية للفاصل الزمني كما عرّفناها في النسبية الخاصة. إذا رسمنا جميع الأحداث التي تحقق هذا الشرط، فإنها تشكّل مخروطًا مزدوجًا (Double Cone) رأسه عند نقطة الأصل.
هذه المخاريط ليست مجرد أشكال هندسية، بل تمثل بنية الزمكان السببية. الأحداث التي تقع على سطح المخروط الموجب تمثل مسارات الضوء التي تتحرك في المستقبل بالنسبة لنقطة الأصل، أما المخروط السالب فيمثل المسارات التي يمكن أن تؤثر على نقطة الأصل، أي أحداث الماضي الممكنة. لذلك، يُطلق على هذه المخاريط اسم المخاريط الضوئية (Light Cones)، وهي أداة مركزية لفهم الحركة، السبب والنتيجة، وحدود التأثير في الزمكان.
بمعنى آخر، كل مخروط ضوئي يحدد ما يمكن أن يحدث أو ما يمكن أن يتأثر بنقطة معينة في الزمكان، ما يجعل المفهوم أساسيًا لفهم الديناميكيات النسبية والقيود الطبيعية التي تفرضها سرعة الضوء على انتقال المعلومات والطاقة. هذه المخاريط تعكس كيف أن الزمكان لا يُعامَل ببساطة كمجرد ساحة للأحداث، بل ككيان هندسي معقد يحدد احتمالات الحركة والتفاعل في الكون.
يتبع في الجزء 90...







د.فاضل حسن شريف
منذ 5 ايام
الهدي الفطري الداخلي للإنسان
في ذكرى سقوطه
هل كذب الفرزدق؟
EN