أقرأ أيضاً
التاريخ: 2025-01-21
52
التاريخ: 2025-01-22
29
التاريخ: 2025-01-22
33
التاريخ: 2025-01-21
47
|
إنّ أهمّ معطيات الأمانة على المستوى الاجتماعي هي مسألة الاعتماد وكسب ثقة الناس ، ونعلم أنّ الحياة الاجتماعية مبتنيّة على أساس التعاون والتكاتف بين أفراد المجتمع لحل المشاكل والتخفيف من تحدّيات الواقع والظروف القاهرة والاستفادة الأفضل من مواهب الحياة والطبيعة ، ولهذا فإنّ مسألة الثقة والاعتماد لها دور أساس في تأصيل هذا المفهوم الاجتماعي لأنّه لو لا وجود الاعتماد المقابل فإنّ المجتمع سيتحوّل إلى جهنّم لا يطاق ، ويتعامل الأفراد بينهم من موقع التوحّش والأنانية ، ويسود قانون الغاب في مثل هذا المجتمع ، وبدلاً من أن تتكاتف القوى والطاقات على مستوى بناء المجتمع والتصدي لتحدّيات الظروف القاهرة فإنّ هذه القوى سوف تتحرّك بالجهة المقابلة لتعميق التوحّش والتنفّر في المجتمع.
وبعبارة اخرى : إنّ المجتمع البشري سيفقد كل شيء بدون وجود حالة الاعتماد المتقابل بالرغم من توفّر كافة الأمانات والمواهب الطبيعية الاخرى ، وبعكس ذلك إنّ المجتمع الذي تتوفّر فيه حالة الاعتماد المتقابل سيحصل على كل شيء بالرغم من فقدانه للإمكانات والموارد الطبيعية.
وهذا الاعتماد الاجتماعي يرتكز على ركنين :
1 ـ الأمانة.
2 ـ الصدق.
وما ورد في الروايات المذكورة آنفاً أنّ الأمانة تورث الغنى وعدم الحاجة والخيانة تورث الفقر فإنّ ذلك إنّما يشير إلى هذا الدليل.
وأمّا ما ورد في الروايات الشريفة أنّ جميع الأنبياء الإلهيين جعلوا من الأمانة وصدق الحديث محوراً لتعليماتهم فهو أيضاً ناظر إلى هذا المعنى.
ويذكر الكليني في (الكافي) قصّة جميلة في هذا الصدد ويقول : عن الحسين بن محمد ، عن محمد بن أحمد النهدي ، عن كثير بن يونس ، عن عبد الرحمن بن سيّابة قال : لما هلك أبي سيّابة ، جاء رجل من إخوانه إليَّ فضرب الباب عليَّ ، فخرجت إليه فعزّاني ، وقال لي : هل ترك أبوك شيئاً فقلت له : لا ، فدفع إليَّ كيساً فيه ألف درهم وقال لي : أحسن حفظها وكُلْ فضلها ، فدخلت إلى امّي وأنا فرح ، فأخبرتها ، فلمّا كان بالعشيّ ، أتيت صديقاً كان لأبي فاشترى لي بضائع سابري ، وجلت في حانوت فرزق الله جلّ وعزّ فيها خيراً كثيراً ، وحضر الحج ، فوقع في قلبي ، فجئت إلى امّي وقلت لها : إنّه قد وقع في قلبي أن أخرج إلى مكّة؟
فقالت لي : فردّ دارهم فلان عليه فهاتها ، وجئت بها إليه فدفعتها إليه فكأني وهبتها له ، فقال : لعلّك استقللتها فأزيدك؟
قلت : لا ، ولكن قد وقع في قلبي الحج فأحببت أن يكون شيئك عندك ، ثم خرجت فقضيت نسكي ، ثمّ رجعت إلى المدينة فدخلت مع الناس على أبي عبد الله (عليه السلام) ـ وكان يأذن إذناً عاماً ـ فجلست في مواخير الناس وكنت حدثاً ، فأخذ الناس يسألونه ويجيبهم ، فلما خفّ الناس عنه ، أشار إليَّ فدنوت إليه ، فقال لي : ألك حاجة؟ فقلت : جُعلتُ فداك أنا عبد الرحمن بن سيّابة ، فقال لي : ما فعل أبوك؟ قلت : هلك ، قال : فتوجّع وترحّم ، ثم قال : قال لي : أفترك شيئاً قلت : لا ، قال : فمن أين حججت؟ قال : فابتدأت وحدثته بقصّة الرجل ، قال فما تركني أفرغ منها حتّى قال لي : فما فعلت في الألف؟ قال : قلت : رددتها على صاحبها ، قال : فقال لي : قد أحسنت ، قال لي : ألا اوصيك؟ قلت : بلى جُعلت فداك.
قال (عليه السلام) : «عَلَيكَ بِصدقِ الحَديثِ ، وَأَداءِ الأمانَةِ تُشرك النّاسَ فِي أَموالِهِم هكذا وجمع بين أصابعه » ، فحفظت ذلك عنه ، فزكيّت ثلاثمائة ألف درهم ([1]).
ونحن أيضاً رأينا في حياتنا أشخاصاً مثل هؤلاء الأشخاص فقد كان هناك تاجر متدّين في النجف الأشرف يعرفه الكثير من المعاصرين أيضاً وبسبب اشتهاره بالأمانة فإنّ الناس كانوا يودعون عنده أموالهم وودائعهم مطمئنون إلى حد أنّ الكثير من العلماء والفضلاء وطلّاب العلوم الدينية كانوا يسجّلون سندات بيوتهم باسمه لأنّه كان يمتلك الجنسية العراقية ولعلّه كان عند وفاته قد بلغ عدد البيوت المسجّلة باسمه ما يربو على الخمسمائة بيت لهؤلاء العلماء والطلّاب ولم يواجه أي واحد منهم مشكلة في هذا المورد.
ومن جهة اخرى عند ما تسود الأمانة في المجتمع وفي العائلة فإنّها ستكون سبباً لمزيد من الهدوء والسكينة الفكرية والروحية ، لأنّ مجرّد احتمال الخيانة فإنّ ذلك يسبب القلق والخوف للأفراد بحيث يعيشون حالة من الارتباك في علاقاتهم مع الآخرين ومن الخطر المحتمل الذي ينتظر أموالهم أو أنفسهم أو أغراضهم أو مكانتهم الاجتماعية ، ومن المعلوم أنّ الاستمرار في مثل هذه الحياة المربكة والموحشة عسير جدّاً وقد يورثهم الكثير من الأمراض الجسمية والروحية أيضاً.
ومن جهة ثالثة فإنّ الأمانة تقلل كثيراً من نفقات المعيشة ومصاريف الحياة وتسبب في الاقتصاد في الوقت والعمر والمال ، لأنّ الخيانة إذا فتحت طريقها إلى المجتمع فانّ المسؤولين وأصحاب المواقع الاجتماعية يضطرون إلى تخصيص نفقات باهظة لإيجاد سجّلات خاصة ومحاسبين ومفتشين لدرء احتمال الخيانة في حساباتهم ، وأحياناً يضطرون إلى إيجاد مفتشين على المفتشين الأوائل لضبط أعمالهم ويشرفوا على حساباتهم ، ومع ذلك فانّ مثل هذه الامور لا تستطيع أن تحلّ المشاكل الناشئة من الخيانة تماماً ، ولكن على أي حال يقتضي الواقع المفروض تخصيص هذه النفقات للتصدّي إلى هذه المشكلة ، ونشاهد في مجتمعنا الحالي أيضاً مثل هذه الامور الأليمة بالنسبة إلى الامور المالية وعدم الأمن الاقتصادي وكثرة من يلقى في السجن بسبب زوال الثقة وعدم الاعتماد المتقابل بين الناس ، ولو أنّ أفراد المجتمع تحلّوا بقليل من الصدق والأمانة بدلاً من هذه النفقات والمصروفات والجهود المهدورة ، فإننا سوف لا نبتلى بمثل هذا الاسراف الفظيع وإتلاف الثروات الاجتماعية الكبيرة.
ومن جهة رابعة فإنّ الأمانة قد تسبب في كسب المحبّة وتعميق أواصر الصداقة بين الأفراد ، في حين أنّ الخيانة تعتبر عاملاً للكثير من الجرائم والحوادث السلبية وأشكال الخلل الاجتماعي ، وإذا طالعنا وثائق المحاكم والسجون لرأينا أنّ الكثير من هذه الجرائم معلولة لحالة الخيانة ، وعند ما ندرس ظاهرة كثرة الطلاق وحالة انحلال الأُسر وتلاشي العوائل نرى أنّ الكثير من هذه الحالات يعود إلى خيانة أحد الزوجين بالنسبة للآخر.
وفي بعض الروايات إشارة لطيفة إلى هذا المعنى حيث يقول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) : «لا تَزَالُ امتِي بِخَيرٍ ما تَحابُوا وَتَهادُّوا وَأَدُّوا الأَمانَةَ وَاجتَنبُوا الحَرامَ وَوَقَّرُوا الضَّيفَ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتوا الزَّكاةَ فَاذا لَم يَفَعَلُوا ذَلِكَ إبتَلَوا بِالقَحطِ وَالسِّنِينَ» ([2]).
ومن جهة خامسة فإنّ مفهوم الأمانة يمتد ويتسع ليشمل الموارد والمسائل العلمية ، فإنّ تطور العلوم والمعارف البشرية كان بسبب وجود العلماء الذين كانوا يتحرّكون من موقع الأمانة والصدق في تحقيقاتهم ومطالعاتهم وتجاربهم العلمية فكانوا يقدّمون للآخرين ما اكتسبوه من تجارب ثمينة وعلوم جديدة بأمانة وصدق ، وهذا هو الذي أدّى إلى التطور الحضاري والعلمي في عالمنا المعاصر في حين أنّه لو لم يكن أصل الأمانة في المطالعات العلمية فإنّ ذلك قد يفضي إلى التيه العلمي ويتسبب في اضلال الناس ووقوعهم في التخبط الثقافي والعلمي.
ونقرأ في هذا الصدد حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) يقول : «كُلُّ ذِي صَناعَهٍ مُضطَرٌّ إِلى ثَلاثِ خِلالٍ يَجتَلِبُ بِها المَكسَبَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حاذِقاً بِعَمَلِهِ مُؤَدِّياً لِلأَمانَةِ فَيهِ ، مُستَمِيلاً لَمَنْ إِستَعمَلَهُ» ([3]).
والجدير بالذكر أنّ الأمانة تدعو الإنسان إلى صدق الحديث أيضاً كما أنّ صدق الحديث يدعو الإنسان إلى الأمانة في الجهة المقابلة ، لأنّ صدق الحديث نوع من الأمانة في القول ، والأمانة نوع من الصدق في العمل ، وعلى هذا الأساس فإنّ هاتين الصفتين يرتبطان بجذر مشترك ويعبّران عن وجهين لعملةٍ واحدة ، ولذلك ورد في الأحاديث الإسلامية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال : «الأمانَةُ تُؤدِّي إِلى الصُّدقِ» ([4]).
وفي حديث آخر عن هذا الإمام (عليه السلام) أيضاً أنّه قال : «إذا قَويَتْ الأَمانَةُ كَثُرَ الصّدقُ» ([5]).
|
|
دون أهمية غذائية.. هذا ما تفعله المشروبات السكرية بالصحة
|
|
|
|
|
المنظمة العربية للطاقة تحذر من خطر.. وهذه الدولة تتميز بجودة نفطها
|
|
|
|
|
وفد أكاديمي يشيد بجهود مؤسسة الوافي في مجال التوثيق وحفظ التراث
|
|
|