أقرأ أيضاً
التاريخ: 2024-07-06
![]()
التاريخ: 18-11-2014
![]()
التاريخ: 27-09-2015
![]()
التاريخ: 11-10-2014
![]() |
إذا كانت قصة المولد البشري المتمثّلة في آدم (عليه السلام) قد وردت في سياق الإشارة إلى العلم ، فإنّ القصة التي نعرض لها الآن ترد في سياق خاص ، هو السلوك الإسرائيلي بعامّة ، حيث يلاحظ بوضوح أنّ سورة «البقرة» وهي أكبر سور القرآن الكريم قد خُصص ثلثها تقريباً للحديث عن مجتمع اليهود وانحرافاته طوال التاريخ ، وهذا يكشف عن الأهمية التي يهبها القرآن الكريم لهذا الموضوع ، بحيث سنجد في السورة المشار إليها أكثر من قصة وموقف وحدث يتناول السلوك المذكور . . .
وهذا من حيث أحد السياقات التي ترد فيها القصة المذكورة . . . ولكن إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنّ غالبية السور القرآنية تتضمن سياقات متنوعة ، أي : تطرح موضوعات مختلفة ، ولكنها تنتظم عبر خيوط متلاحمة من حيث البناء الهندسي للسورة ، حينئذ نجد أنّ أحد الموضوعات الرئيسة التي تنتظم سورة «البقرة» هو موضوع الإحياء والإماتة عند اللّه تعالى ، أي : ظاهرة إماتة الحيّ وإحيائه من جديد بصفتها واحدة من ظواهر القدرة الإلهية ، وواحدة من الظواهر الإعجازية التي تستهدف السورة الكريمة إبرازها إلى المتلقّي . . .
من هنا ، فإنّ السياق الآخر الذي ترد فيه قصة إحياء القتيل هو ظاهرة الإماتة والإحياء ، حيث تضطلع السورة الكريمة بعرض جملة قصص تحوم بأكملها على الظاهرة المذكورة ، كقصص إبراهيم (عليه السلام) في تقطيعه للطيور الأربعة وإحيائها ، وإماتة أحدهم مائة سنة وإحيائه ، و . . . إلى آخره .
المهم أن نعرض لقصة إحياء القتيل بعد أن ألممنا عابراً بسياقها الذي وردت فيه . ولنقرأ أولا نص القصة :
﴿وإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ : إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾
﴿ قالُوا : أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً ؟﴾
﴿قالَ : أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾
﴿قالُوا : ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ؟﴾
﴿قالَ : إِنَّهُ يَقُولُ﴾
﴿إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ﴾
﴿قالُوا : ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها؟﴾
﴿قالَ : إِنَّهُ يَقُولُ﴾
﴿إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾
﴿قالُوا : ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾
﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإِنّا إِنْ شاءَ اللّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾
﴿قالَ : إِنَّهُ يَقُولُ﴾
﴿إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الاْرْضَ ولا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها﴾
﴿قالُوا : الاْنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾
﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيها واللّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾
﴿فَقُلْنا : اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾
﴿كَذلِكَ يُحْيِ اللّهُ الْمَوْتى ويُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
إنّ هذه الآية الأخيرة :
﴿كَذلِكَ يُحْيِ اللّهُ الْمَوْتى . . .﴾
هي العصب الفكري الذي تحوم عليه القصة ، فيما تجيء الحوادث والمواقف والشخوص أدوات فنّية لإنارة هذا الهدف الفكري .
من حيث السمة الفنّية في هذه القصة ، فإنّ أهم ما يلفت انتباهنا ، هو طريقة البناء الهندسي لها أولا ، ثم السمات أو الملامح الخارجية للبقرة من حيث التفصيلات المتنوّعة للحجم واللون والحركة .
وسنقف عند هذين الملحظين للقصة :
من حيث البناء الهندسي للقصة فمن الواضح أنّ القصة مطلقاً ، إمّا أن تُسرد حوادثها من البداية ، فالوسط ، فالنهاية حسب التسلسل الزمني لها ، وإمّا أن تُسرد من وسط الحوادث وترتدّ إلى البداية ، أو تسرد من النهاية مرتدّة إلى ما قبل ذلك .
والمهم ، أنّ المسوّغ الفنّي لأيّة بداية قصصية ، سواءاً سُردت الحوادث من أولها أو وسطها أو خاتمتها ، هو أنّ مبدع القصة يستهدف لفت الانتباه إلى أهمية هذا الاستهلال للقصة بما ينطوي عليه من دلالة خاصة تفوق ما سواها من الدلالات الثانوية .
والآن حين نقف عند قصة إحياء القتيل ، نجد أنّها تبدأ من وسط الحوادث ، وليس من أولها أو آخرها . وهذا يعني أنّ هناك هدفاً خاصاً وراء هذا الاستهلال للقصة من وسطها .
فالقصة ـ كما لحظناها ـ تتلخص في حادثة قتل لأحد الاشخاص ، حيث كان القاتل مجهولا . ثمّ حدَثَ اختلاف بين الناس في معرفة القاتل ، فاتجهوا إلى موسى (عليه السلام)للكشف عن هويته . فأمرهم حينئذ بذبح بقرة ذات سمات خاصة ، وأن يُضرِبَ القتيلُ ببعض أجزاء البقرة ، حيث أُحيي القتيل وكشف عن هوية القاتل .
إذن أوّلُ الحوادث هو : حادثة قتل لأحد الأشخاص ، ووسط الحوادث هو :
الاختلاف في معرفته واللجوء إلى موسى (عليه السلام) للكشف عن ذلك ، وذبح البقرة .
وأمّا آخر الحوادث فهو : إحياء القتيل .
بيد أنّ القصة بدأت في عرض المواقف من وسطها ، وهو : ذبح بقرة ما . ثمّ ارتدّت إلى البداية ، وبعد ذلك عبرت الوسط ، فتحدّثت عن النهاية ، بهذا النحو :
﴿وإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً﴾
﴿فَادّارَأْتُمْ فِيها واللّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾
﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾
فالقتل يمثل بداية الحوادث ، وضربُ القتيل ببعض البقرة يمثل نهاية الحوادث ، لكنّ النص القصصي وصل بينهما فنياً على النحو الذي لحظناه ، بعد أن بدأ من وسط الحوادث ، متمثلا في الأمر بذبح البقرة .
والسؤال هو : ما المسوّغ الفني لأن تبدأ القصة من الأمر بذبح البقرة بدلا من أن تبدأ من أول الحوادث حسب تسلسلها الطبيعي ؟
إنّ اوّل ما يسوّغ ذلك ، هو أننا حيال أمر من السماء :
﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾
ومجرّد كونه أمراً من اللّه كاف باستشعار الأهمية . بيد أنّ الأهم من ذلك كلّه هو أنّ القصة تستهدف لفت الانظار إلى الذبح الذي يشكل بؤرة تتجمّع عندها ظاهرة الاحياء للميت . أي أنّ ظاهرة الإحياء التي خُتِمت القصةُ بها ، ولفتت انتباهنا إليها عبر التعقيب القائل :
﴿كَذلِكَ يُحْيِ اللّهُ الْمَوْتى ويُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
هذه الظاهرة هي الهدف الرئيسي للقصة . وحينئذ عندما تبدأ القصة من حادثة ذات صلة بعملية الإحياء للميت ، فإنّما تعني أنّ هذه الظاهرة ذات دلالة كبيرة تستهدف القصة التركيز عليها ، ولفت الانتباه حيالها .
مضافاً لذلك ، أنّ القصة جاءت في سياق الحديث عن تمرّد الاسرائيليين ، ونِعَم اللّه عليهم ، فيما يظل استهلال القصة بحادثة تكشف عن مواقفهم التي بدأوها حتى في قضية الذبح ، ثمّ نعمة السماء عليهم بالرغم من ذلك ، يظلّ مثل هذا الاستهلال متساوقاً مع سياق السورة التي تتحدّث عن الاسرائيليين . فهؤلاء قد اعترضوا على موسى (عليه السلام) قائلين : ﴿أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً﴾ ثمّ ترقّعوا في طلباتهم بأن سألوا عن سنّها ، وعندما أجابهم بذلك سألوه عن لونها . وعندما أجابهم ، سألوه عن حركتها . . . فأجابهم ، ومع ذلك فإنّهم ﴿ما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ .
إذن نستكشف بوضوح ، أنّ المسوّغ الفنّي لأن تبدأ القصة من وسط الحوادث ، المتمثل في الأمر بذبح بقرة ، هو أنّ القصة جاءت في سياق عرض المواقف الإسرائيلية التي يطبعها التمرّد ، ونعم اللّه عليهم ، فيما كشفت هذه البداية عن نفس الطابع الذي وَسَمهم سابقاً ، ولكن بطريقة اُخرى من السلوك الملتوي ، متمثلة في تلك الذهنية البليدة التي تترقّع في طلباتها . وتتردّد في تنفيذ ما عُهد إليها ، وتُشكّك في صدق ما أمرها به موسى (عليه السلام) فضلا عن أنّ هذه الحادثة تستتلي عملية إحياء للميت ، فيما تشكل هذه العملية ـ كما قلنا ـ عصب القصص التي سنواجهها لاحقاً في سورة البقرة .
وانطلاقاً من هذه المسوّغات الفنية التي حدّدت لنا دلالة بدء القصة من وسط الحوادث ، . . . يمكننا أيضاً أن نفسّر الأسرار الكامنة وراء هذا الرسم التفصيلي لملامح البقرة ، وهي السمة الفنية الاُخرى التي طبعت هذه القصة .
* * *
إنّ نمط التعامل الإسرائيلي مع موسى (عليه السلام) في مطالبتهم بمعرفة القاتل ، يفسّر لنا
سبب ذلك الوصف الممتع للبقرة والدخول في تفصيلات لافتة للانتباه إلى حدٍّ كبير ، حتى أنّ التفصيلات قد انتظمتها أربع طوابق من الوصف :
جاء التفصيل الأوّل متصلا بثلاثة مظاهر :
السن : ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ .
اللون : ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها﴾ .
الهيكل : ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ .
وجاء التفصيل الثاني جواباً للأول :
السن : وسط «عوان»
اللون : أصفر «بقرة صفراء»
الهيكل : حيويّ «مُسلّمَة»
وجاء التفصيل الثالث متفرعاً من الثاني ، حيث لم تكتف الاجابة باعتدال السن ، وصفرة اللون ، وحيويّة الهيكل ، بل فصّلت في جزئيات كلّ من السن واللون والهيكل :
السن : «لا فارض . . .» إلى آخره .
اللون : «فاقع لونها . . .» إلى آخره .
الهيكل : «لا ذلول تثير الأرض . . .» إلى آخره .
وجاء التفصيل الرابع :
السن : « . . . ولا بكر»
اللون : « . . . تسر الناظرين»
الهيكل : « . . . ولا تسقي الحرث»
مضافاً لذلك ، فإنّ وصف الهيكل اُضيفت إليه سمات متنوعة ، منها :
الهيكل : «لاشية فيها» .
إنّ هذه التفصيلات التي تناولت الملمح الخارجي للبقرة ، تظل فضلا عمّا تنطوي عليه من جمالية ممتعة ، ذات صلة بالسياق الذي استتلى الأمر بذبح البقرة ، وما واكبه من الطلب الإسرائيلي الذي يطبعه تمرّدٌ ، وتشكيكٌ ، وتحفّظ بليد . ثم ما يقابله من النِعَم التي لا حدود لها ، ومنها : إجابة طلباتهم بالنحو الذي انتهى بمعرفة القاتل فعلا .
المهم ، أنّ قصة إحياء الميت وما واكبها من التفصيلات ، تظل من جانب مرتبطة بأحد المحاور الفكرية للسورة وهو محور السلوك الإسرائيلي المنحرف ، ومن جانب آخر تظل مرتبطة بمحور آخر من السورة وهو محور الإماتة والإحياء حيث ختمت القصة بقوله تعالى :
﴿كَذلِكَ يُحْييِ اللّهُ الْمَوتى﴾
وسنرى جملة قصص في مختلف مواقع السورة تتناول ظاهرة الإماتة والإحياء ، مثل قصة إبراهيم مع طاغية عصره ، وإحياء الطير الأربعة ، والمارّ على القرية . . . إلى آخره .
|
|
"إنقاص الوزن".. مشروب تقليدي قد يتفوق على حقن "أوزيمبيك"
|
|
|
|
|
الصين تحقق اختراقا بطائرة مسيرة مزودة بالذكاء الاصطناعي
|
|
|
|
|
قسم شؤون المعارف ووفد من جامعة البصرة يبحثان سبل تعزيز التعاون المشترك
|
|
|