الفضيلة باعتبارها كمال الوجود الحقيقي
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القران الكريم
الجزء والصفحة:
ج12، ص37-39
2026-11-05
21
ليس المراد بـ(الفضيلة) هي المقامات الاعتبارية كترأس دائرة حكومية أو غيرها فرغم عدم وجود مقام أو منزلة في الإسلام أرقى وأعظم من الخلافة وقيادة المجتمع الإسلامي بعد مقام النبوّة والرسالة بالطبع، وإن خلافة المسلمين وإدارة شؤونهم هي مقام عظيم ومنزلة ما بعدها من منزلة، لكن رغم ذلك فإنّ أمير المؤمنين علياً عليه السلام لم يأبه حتى لهذا المقام ولم يحرصعلى الحصول عليـه بـل صرح مراراً وتكراراً قائلاً عنها: (واللهِ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلا[1]) وذلك أنّ تلك النعل التي أشار إليها أمير المؤمنين عليه السلام تمتلك وجوداً تكوينياً حقيقياً وواقعياً ويمكن لكل فرد أن يستفيد منها، بينما تعجز التسميات الاعتبارية والألقاب غير الحقيقية التي لا تخرجمن إطار الإنشاء والكلمات ولا تنهض على القيام بما تقوم به تلك النّعل وتقديم خدمة كالتي تقدمها النعل.
و(الاعتبار) غير (الذهن) و(الوجود الاعتباري) يختلف عن (الوجود الذهني) الذي يُسمّى وجوداً حقيقياً والذي يُقابل الوجود العيني، فالوجود الاعتباري الذي يتم بحثه في علم الفقه والحقوق هو نوع من العقد الذي يظهر اعتبار المعتبر ويذهب ويتلاشى معه أيضاً وهو بذلك لا يمتلك أي واقع يُذكر، وعليه فإن ما قاله أمير المؤمنين عليه السلام مطابق تماماً للبرهان العقلي.
بالإضافة إلى ذلك فإن المقصود بـ(الفضيلة) لا يعني التفضيل المادي لأنّ الله سبحانه أشار في العبارات التالية في الآية الشريفة المذكورة إلى التكليم الإلهي والترفيع في الدرجات، ثمّ إن قوله تعالى: (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) [مريم: 57] حول منزلة سيدنا إدريس عليه السلام ومكانته العالية يشير إلى أن محاور التفضيل والترجيح تكمن في أمور غير مادية؛ إذاً فالمراد بالفضيلة في هذه الآية الكريمـة هـو الدرجة أو المنزلة الوجودية والذي جاء ذكرها كذلك في قوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13] حيث يُعتبر مقام الولاية بشكل عام سنداً لذلك. وعلى هذا الأساس فإن أي موجود يتمتع بدرجة وجودية أعلى فهو بلا شك أفـضـل مــن الآخرين، وبعبارة أخرى، أن المقصود بكلمة (أفضل) هو المعنى المذكور في الحكمة النظرية والإيديولوجية وليس المعنى المذكور في الحكمة العملية والبحوث القيمية التي لا تقبل أي برهان.
إن الأمر الوجودي والكمالات الحقيقية هي معيار الفضيلة فعندما تتكامل روح الإنسان يرتقي صاحبها إلى المقام الأعلى ويكون ظهوره يوم القيامة أوضح وأكثر جلاء لأنّ الفضائل في ذلك اليوم ليست سوى فضائل حقيقية ووجودهـا ليس سوى وجود محض وعارٍ من أي صفة اعتبارية وذلك خلافاً لما نراه في الحياة الدنيا (وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) [الإسراء: 21] وإن كانت الفضائل الدنيوية تنضوي تحت لواء احترام وتقدير الاعتباريات المعقولة فهي بذلك مقبولة ومشروعة.
[1] قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسِ: دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام بِذِي قَارٍ وَهُوَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ فَقَالَ لِي: مَا قِيمَةُ هَذَا النَّعْلِ؟ فَقُلْتُ لَا قِيمَةَ لَهَا، فَقَالَ عليه السلام: والله هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ إِمْرَتِكُمْ إِلَّا أَنْ أُقِيمَ حَقًّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلًا ثُمَّ خَرَج فَخَطَبَ النَّاسَ... (نهج البلاغة، الخطبة 33).
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مصطلحات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة