ممّا يُروى أنَّ بعض الأشخاص دخلوا على معاوية وخرجوا، وفي الطّريق بدأ كلّ من يتحدّث عن المبلغ الذي أخذه من معاوية: فالأوّل قال: حصلت على مئة ألف دينار، والثاني: على مئة ألف، والثالث: على سبعين ألفًا وهو زعيم عشيرة. فرجع إلى معاوية وعاتبه أنَّك قلّلت من شأني أمام قومي، كلّ واحد تعطيه مئة وأنا سبعين، قال: لأنَّي اشتريت منهم دينهم، فقال: أنا أيضاً أبيع ديني، فقال: إذًا هذه ثلاثون، فباع دينه مقابل ثلاثين، وهكذا النّاس لا يتحمّل كلّهم إغراء المال (1).
ومثال آخر عبيد الله بن عباس؛ فبعد استشهاد أمير المؤمنين (عليه السلام) جاء الإمام الحسن (عليه السلام) وتسلم الإمامة واستمرّ حكمه عشرة أشهر، وهذه العشرة أشهر قد حذفت من التاريخ المدرسيّ؛ لأنَّ القلّة القليلة من يلتفت إلى أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) كان هو السلطان والحاكم الفعليّ لمدّة عشرة أشهر.
ومن جملة جيش الإمام الحسن (عليه السلام) ابن عمّه عبيد الله بن عباس، وكان في عشرة آلاف مقاتل على مدينة (المسكن) والتي تقع الآن خلف (الطارمية)؛ في حدود هذه المناطق. وبعد أن كاتبه معاوية وأن يعطيه مليون درهمٍ؛ وتكون خمسمائة معجّلة وأخرى مؤجّلة في مقابل أن تتخلّى عن الإمام الحسن (عليه السلام)، فقبل بالعرض، وبعد أن كان العدد عشرة آلاف مقاتل، ولكن عند الصباح وإذا بالباقي قد ترك معسكر الإمام الحسن (عليه السلام)، وذهب بهم عبيد الله بن عباس إلى معسكر معاوية.
فهذا الشخص سقط أمام اختبار في مسألة ابتلاء ماليّة؛ لأنَّ التّمسّك بالحق في بعض الحالات يحتاج إلى رجال ولذلك يقول الحديث الشريف: ((اعْرِفِ الحَقَّ تَعْرِفْ أَهْلَه)) (2)، ومن لا يعرف الحقّ ويريد أن يأخذه من الناس سيقع في شِباك تضله وتحرفه عن الحق، وهذا خطأ، لذلك المطلوب منَّا أن نعرف الحقّ، وأن نكون في حالة الدّوران حوله، وأن نتمسّك به، ولو كان في ذلك الهلاك والموت.
إنَّ قبول الإنسان برضا الله تعالى يحتاج إلى قدرة كبيرة، ولاحظوا الآن لو نعمل استقراءً على كلّ واحدٍ منّا، وتُعطى له ورقة، ويُكتَب له هذا السؤال: كم مرّة كنت تعتقد أنَّ هذا الأمر فيه مصلحة، وأنت عملته؛ لأنّ فيه مصلحة ثم اكتشفت بعد فترة أنَّك كنت مخطئاً، فكثير منّا يعتقد بذلك، وبالعكس كم مرّة كُنّا نعتقد أنَّ هذا العمل ليس فيه مصلحة ثم بعد ذلك اكتشفنا أنَّ هذا العمل فيه مصلحة الإنسان عندما يرضى بقضاء الله تعالى.
الرضا بقضاء الله تعالى خُلُقٌ يدلّ على العبوديّة الحقّة الصالحة لله تعالى؛ لأنَّ الله تعالى لا يُريد بالعبد سوءًا إطلاقًا، ولكن في الوقت نفسه الرضا بقضاء الله تعالى يحتاج إلى قوّة إيمان، والإمام (عليه السلام) في هذا الموضع وفي غيرها من المواضع يطلبها؛ لأنَّ هذه المسألة يتنافس فيها المتنافسون.
إنَّ الإنسان في وقت الرّخاء لا يجرَّب، فهو يحمد الله ويأكل ويشرب، ولكن في وقت الشّدّة يصمد أو لا يصمد؟ فهذا لا يمكن أن نجزم به.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لمن أراد الموضوع كاملًا فليراجع الكامل في التاريخ لابن الأثير: 3 / 468.
(2) روضة الواعظين وبصيرة المتعظين، فتال النيشابوري (ت: 508 هـ)، منشورات الرضي، إيران؛ قم 1417هـ، الأولى: 1 / 31.