1. شأن النزول: قيل لما نزلت: (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ... حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 236]، قال بعضهم: إن أحببت فعلت وإن لم أرد ذلك لم أفعل فأنزل الله هذه الآية[1].
تنويه: تفيد هذه الرواية أن مضمون الاية 236 من سورة البقرة هو استحباب التمتيع وأن مضمون هذه الاية التي هي مورد البحث هو وجوبه[2]، لكن الذي يستظهر من بعض الروايات الأخرى هو أن (حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) يشعر بالاستحباب[3].
والذي يجب الالتفات اليه هو أن التقوى اذا كانت شرطا في التمتيع فبما أن المقدمة تحصيلية لا حصولية والشرط هو الوجود لا الوجوب فيكون تحصيلها واجبا على الجميع مما يؤول الى وجوب التمتيع أما اذا كانت وصفا للممتثل لا شرطا للامتثال فعند ذلك لا يمكن استظهار وجوب التمتيع بسهولة.
2. روايات وجوب التمتيع: عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: لكل مؤمنة طلقت -حرة أو أمة- متعة وقرأ: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة: 241][4].
عن جابر بن عبد الله قال لما طلق حفص بن المغيرة امرأته فاطمة أتت النبي (صلى الله عليه وآله) فقال لزوجها متعها قال: لا أجد ما أمتعها قال: فإنه لابد من المتاع متعها ولو نصف صاع من تمر[5].
عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة: 241] ما أدنى ذلك المتاع اذا كان الرجل معسرا لا يجد؟ قال: الخمار وشبهه[6].
عن الحسن بن زياد عن أبي عبد الله عليه السلام {أي سألته } عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها؟ قال فقال إن كان سمى لها مهرا فلما نصف المهر ولا عدة عليها وإن لم يكن سمى لها مهرا فلا مهر لها ولكن يمتعها فإن الله يقول في كتابه: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة: 241][7].
عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن الرجل يطلق امرأته؟ قال: يمتعها قبل أن يطلق فإن الله تعالى يقول: (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ) [البقرة: 236][8].
عن أبي عبد الله عليه السلام قال إن متعة المطلقة فريضة[9].
قلت لأبي الحسن عليه السلام: أخبرني عن المطلقة التي تجب لها عى زوجها المتعة أيهن هي؟ فإن بعض مواليك يزعم أنها تجب المتعة للمطلقة التي قد بانت وليس لزوجها عليها رجعة فأما التي عليها رجعة فلا متعة لها؟ فكتب عليه السلام البائنة[10].
عن حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يطلق امرأته أيمتعها؟ قال: نعم أما يحب أن يكون من المحسنين أما يحب أن يكون من المتقين؟[11].
عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام إنما تجب المتعة للتي لم يسم لها صداق خاصة[12].
عن أبي جعفر عليه السلام قال متعة النساء واجبة دخل بها أولم يدخل بها ويمتع قبل أن يطلق[13].
عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة: 241]؟ قال: متاعها بعدما تنقضي عدتها على الموسع قدره وعلى المقتر قدره وكيف لا يمتعها وهي في عدتها ترجوه ويرجوها ويحدث الله عز وجل بينهما ما يشاء[14].
عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: (فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا) [الأحزاب: 49] قال: متعوهم جملوهم مما قدرتم عليه من معروف فإنهن يرجعن بكآبة وخشية وهم عظيم وشماتة من أعدائهن فإن الله كريم يستحي ويجب أهل الحياء إن أكرمكم أشدكم إكراما لحلائلهم[15].
تنويه: أ. تفيد الروايات الأربع الأولى لزوم تمتيع النساء المطلقات ولو بالشيء القليل كنصف صاع من التمر أو الخمار وما شبههما.
ب. إن الفعل المضارع (يمتعها) في الرواية الخامسة ظاهر في الوجوب وإطلاقه يفيد شمول التمتيع لجميع النساء المطلقات.
ويجب الالتفات الى أن التمتيع ودفع المتاع الى المرأة المطلقة يفيدان معنى واحدا حيثما جاءا في جميع الموارد التي تشير اليها الآية أو الرواية.
ج. تدل الرواية السادسة على وجوب تمتيع جميع النساء المطلقات إلا أنها مرسلة.
د. طبقا للرواية السابعة يجب التمتيع في الطلاق البائن لا في الرجعي لأن الواجب على الرجل في الطلاق الرجعي للمرأة المباشرة أن يدفع جميع المهر المسمى أو مهر المثل فلا يشمل التمتيع الواجب جميع النساء المطلقات لكن طبقا لما مر من الأدلة المعتبرة فقد تم تثبيت حكم مهر المسمى أو مهر المثل في الطلاق البائن فلا يبقى مجال للحديث عن التمتيع إلا ف فرض عدم تعيين المهر والطلاق قبل المباشرة ولا دخل لنوع الطلاق في ذلك.
هـ. في الرواية الثامنة يسأل حفص بن البختري وكان فقيها عن وجوب التمتيع لا عن جوازه لأن جواز التمتيع من الأمور الواضحة وقد استشهد الامام عليه السلام بالآيتين (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) [البقرة: 236] و(وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) [البقرة: 241] فيكون ظاهر الرواية المذكورة هو وجوب التمتيع لجميع النساء المطلقات إلا اذا قيل بأن العنصر المحوري لسؤال حفص بن البختري هو استحباب التمتيع لا الجواز ولا الوجوب فيكون جوابه استحباب التمتيع بقرينة (الاحسان) و(التقوى).
و. إن كلمة (إنما) في الرواية التاسعة تفيد الحصر فيكون التمتيع الواجب خاصا بالمرأة المطلقة التي لم يتم تسمية مهر معين لها في نص العقد لكنه مطلق من جهة قيد المباشرة أو عدمها وطبقا لأدلة أخرى فالمرأة التي لا مهر لها والتي تمت مباشرتها تكون مالكة لكامل مهر المثل ولا (متعة) لها ومن هنا واستنادا الى أدلة اخرى تتقيد المتعة بحالة عدم حصول المباشرة اذن فروايات هذا القسم الموافقة لاستظهار وجوب التمتيع من آية (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: 241] تكون موافقة لتخصيص عموم (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ) [البقرة: 241] في الآية المذكورة واذا كانت احدى الروايات غير قابلة للحمل على عدم تعيين المهر مع عدم المباشرة فيجب حملها على الاستحباب مع التصرف في الهيئة.
ز. إن تصريح الرواية العاشرة بعدم الفرق بين حصول الدخول وعدمه يجعل منها نصا في وجوب التمتيع ولهذا لا تقبل التخصيص ولكنت لما كان الواجب دفع كامل المهر المسمى أو مهر المثل للنساء المدخول بهن فيجب حمل الرواية على التمتيع الاستحبابي.
ويجب القول إن كلمة (الوجوب) تعني مطلق (الثبوت) الذي يتناسب أيضا مع الاستحباب أو الاستحباب الاكيد بقرينة احدى الشواهد الداخلية أو الخارجية وعلى هذا فيستحب للرجال – بعد اعطاء المهر المسمى أو مهر المثل أو المتاع الواجب الى نسائهم المطلقات أن يدفعوا مالا آخر إضافيا أيضا.
ح. إن موضوع الرواية الحادية عشر هو المرأة المدخول بها وإلا فغيرها ال عدة لها ولما كانت هذه المرأة تستلم جميع المهر المسمى أو مهر المثل فالتمتيع في هذه الرواية يحمل على التمتيع المصطلح الاستحبابي أو المتاع المطلق.
ط. إن التعابير العاطفية الواردة في الرواية الثانية عشر تعليلا لإعطاء المتاع للمرأة المطلقة تشير الى أن التمتيع المذكور هو تمتيع استحبابي أو أوسع من المتاع المصطلح.
نتيجة: تنسجم روايات هذا القسم مع استظهار التمتيع الاستحبابي – اضافة الى المهر من هذه الاية (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: 241] ومع اثبات جواز واستحباب التمتيع يثبت أيضا جواز شرط التمتيع في ضمن عقد الزواج وعدم مخالفة ذلك الشرط للكتاب والسنة وعلى هذا ورغم أن ظاهر بعض هذه الروايات يدل على وجوب تمتيع جميع النساء المطلقات فالمحصل من مجموع هذه الروايات هو استحباب دفع المتعة بصورة مطلقة وعدم شمول التمتيع الواجب لجميع النساء المطلقات.
تنبيه: 1. خلص البعض من ذلك الى نتيجة نهائية مفادها: أن أحوط الاقوال وأوسطها هو قول من قال بأن المتعة غير المهر وأنها تجب للمرأة التي لا تستحق المهر أما المرأة التي تستحق المهر فالمتعة مستحبة لها[16].
2. حمل البعض صحيحة الحلبي وصحيحية عبد الله بن سنان وحديث سماعة على الاستحباب[17]، كما أشرنا اليه في اثناء الحديث.
[1] مجمع البيان ج1-2 ص603
[2] راجع: التفسير الكبير مج3 ج6 ص161
[3] الميزان في تفسير القرآن ج2 ص247 آلاء الرحمن ج1 ص407
[6] تفسير العياشي ج1 ص129
[8] سورة البقرة الاية 236 تهذيب الاحكام ج8 ص142 وسائل الشيعة ج21 ص305
[9] تهذيب الاحكام ج8 ص141 وسائل الشيعة ج21 ص306.
[10] تهذيب الاحكام ج8 ص141-142 وسائل الشيعة ج21 ص306
[11] الكافي ج6 ص104-105 وسائل الشيعة ج21 ص306
[12] مجمع البيان ج1-2 ص595
[13] من لايحضره الفقيه ج3 ص507 وسائل الشيعة ج21 ص312
[14] الكافي ج6 ص105 وسائل الشيعة ج21 ص312
[15] تهذيب الاحكام ج8 ص141 وسائل الشيعة ج21 ص310-311
[16] تفسير المنار ج2 ص453