تاريخ التقصي بعد الوترجيت:
في المقابل ثمة من يربط دخول الصحافة الاستقصائية بمنحى جديد بعد التقرير الاستقصائي الذي فجره الصحفيان الأمريكيان "بوب وودوارد و کارل برنشتاین Bob Woodward & Cary Bernstein" في جريدة الواشنطن بوست The Washington Post تحت عنوان (كل رجال الرئيس)، والمتمثل بفضيحة "ووترغيت"، حيث لعب المراسلان أدواراً حاسمة في كشف ما يُعرف بأخطر فضيحة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية بعدما توصلا عبر تحرياتهم إلى قرائن خلفتها سرقة في مبنى للمكاتب في "ووترغيت"، وقد دفعت التقارير الإخبارية الخاصة بالسرقة الكونغرس الأمريكي إلى بدء تحقيقات أدت في نهاية الأمر إلى إجبار الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون على الاستقالة من منصبه تحت تهديد عدم أهليته للحكم بعد إدانته هو وكبار معاونيه عام 1974، على خلفية فضيحة التجسس على مكاتب الحزب الديمقراطي المنافس، وبذلك تركت "الفضيحة" تأثيراً عميقاً على مهنة الصحافة، ودفع الشباب الذين تأثروا بأسلوبها المعتمد على المصادر الداخلية إلى الالتحاق بأقسام الصحافة الاستقصائية بالمؤسسات التي يعملون بها، وكذلك لقي التخصص في الجامعات إقبالاً، وهذا أسس لظهور ما سُمي بكتابة التقرير من الداخل ما ثبت أن الحقائق أقوى من الرأي على الرغم من محاولات تكذيبه، وبالتالي يعد البعض أن تاريخ الصحافة الاستقصائية دخل بعد هذا التاريخ مرحلة نوعية حيث أضحى يقسم منذ ذلك الحين إلى قسمين:
- التقصي (قبل) "الووترغيت".
- و(بعد) "الووترغيت".
صنع هذا التقسيم صورة ذهنية مختلفة للصحفي الاستقصائي، وأعاد تشكيل جوانب أساسية في مهنة التقصي على الرغم من الأساطير التي تختلف عن الواقع والمنقولة عن القضية، وبالتالي تفاوتت معدلات الاستقصاء (التحقيقات الصحفية) على مدى القرنين الماضيين بصورة واضحة حتى تاريخ الفضيحة الكاشفة عن أوراق البنتاغون.
وفي عام 1980 شكل بدء رواج استخدام تقنيات الحاسب الآلي لجمع المعلومات نقلة جديدة للصحافة الاستقصائية بعدما وجد الصحفيون أنفسهم أمام نظام تكنولوجي جديد، ومهام ومسؤوليات أخرى، وبالرغم من تفاوت استعداد تبني هذه الوسائل إلا أن الاهتمام بدأ يتزايد برؤية "ماير" وزملائه، حتى أصبح مفهوم التغطية الاستقصائية باستخدام الكمبيوتر يشتمل على جمع وتحليل المادة الصحفية عن طريق وسائل وقواعد البيانات الإلكترونية، وتحليل السجلات الإلكترونية العامة، وبناء قواعد معلومات نموذجية موثقة.
وصاحب هذا التطور للصحافة الاستقصائية نمواً متزايداً في توظيف الحاسبات الإلكترونية لأغراض تصنيف المعلومات والبيانات الكثيرة التي يحصل المحررون الاستقصائيون عليها، وتحليلها بشكل يساعدهم على الوصول إلى خلاصات كمية دقيقة، وقد ساعد على ذلك انتشار استخدام المؤسسات الحكومية والمؤسسات الخاصة للحاسبات الإلكترونية في تخزين المعلومات وتصنيفها واسترجاعها، ما أتاح إمكانية الحصول عليها بنفقات قليلة أو من دون نفقات على الإطلاق.
وبحلول عقد التسعينيات من القرن الماضي أصبحت الصحافة الاستقصائية نمطاً متميزاً، وقدمت كليات الصحافة والإعلام وأقسامها المتخصصة مناهج دراسية تتناول هذه الصحافة ومبادئها.
وخلال السنوات العشر الأخيرة من القرن العشرين أدت شبكة الإنترنت إلى تغيير كيفية تقديم القصص الاستقصائية حيث تظهر الدراسات أنه على الرغم من أن حجم ومضمون القصص الاستقصائية على الشبكة العنكبوتية لم يرتفع بصورة ثابتة خلال تلك السنوات إلا أن القدرة على القص تطورت أي القدرة على عرض المعلومات بصورة مترابطة ومشوقة (تحسن صياغة تقاريرها)، فضلاً عن إتاحة المجال لاستخدام المعلومات، وروابط الوثائق، واللقطات المصورة، وكذلك الخرائط والرسوم، وبحلول العقدين الأخيرين حددت الأدوات الرقمية كيفية قيام المحررين بجمع المعلومات من خلال دوائر المعارف، وكذلك قدمت الإنترنت أدوات جديدة ومؤثرة، وبخاصة فيما يتعلق بالتواصل وتوفير الرسوم والخرائط والوثائق وقواعد البيانات.