1. شأن النزول: نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف ألا يدخل على ختنه ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين امرأته فكان يقول: إني حلفت بهذا فلا يحل لي أن أفعله فنزلت الاية[1].
تنويه: أقسم عبد الله بن رواحة على أن يمتنع من التدخل في المسائل العائلية لختنه أي صهره مثلا وكان يتذرع بهذا القسم على عدم تدخله.
وقد ذكرت بعض الموارد بعنوان شأن النزول للآية المذكورة أوردها الآلوسي[2] والبروسوي[3].
2. الترغيب بترك القسم: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أدعي عليك مال ولم يكن له عليك فأراد أن يحلفك فإن بلغ مقدار ثلاثين درهما فأعطه ولا تحلف وإن كان أكثر من ذلك فاحلف ولا تعطه[4].
تنويه: إن مقدار ثلاثين درهما ليس نصابا للقسم وربما كان هذا المقدار لمانسبة حال الشخص المخاطب أي إن هذا المخاطب كان يتحمل خسارة ثلاثين درهما لا أكثر من ذلك وهذل يعني أنه مادامت الادعاءات الباطلة قابلة للتحمل فلا ينبغي اللجوء الى القسم.
وهنا يطرح السؤال التالي نفسه: إذا ورد المنع عن اليمين الصحيحة لإبطال الباطل وإحقاق الحقوق المالية والشخصية رغم كونها مشروعة فكيف سيكون الحال مع جعل الله عرضة للإيمان المبتذلة؟
وهنا لا بد من التذكير بحتمية جبران الخسارة المالية الناتجة من تعظيم اسم الله كما سنشير اليه في ما يلي من هذا البحث الروائي.
3. معنى إكثار اليمين. وقوله: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا) [البقرة: 224] قال: هو قول الرجل في كل حالة: لا والله وبلى والله[5].
تنويه: في بعض الاحيان تتكاثر الموارد الضرورية من عدة جهات حيث تنهال الادعاءات الكاذبة للعصاة من أهل الباطل من كل ناحية فتكثر دعاويهم الباطلة وفي مثل هذه الموارد طبقا للتنويه السابق حول المقدار غير القابل للتحمل لا ضير في القسم مهما كان كثيرا لكن الاعتياد على القسم لكل شيء في الحالة العادية يبقى مشمولا بالمنع الوارد في الآية التي هي مورد البحث.
4. المراد من ترك البر: عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ) [البقرة: 224] قال: يعني الرجل يحلف ألا يكلم أخاه وما أشبه ذلك أو لا يكلم أمه[6].
عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عزوجل: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) [البقرة: 224] قال: إذا دعيت لصلح بين اثنين فلا تقل علي يمين ألا أفعل[7].
تنويه: بناء على هاتين الروايتين فإن النهي في الآية موجه الى أولئك الاشخاص الذين يقسمون على أن يتركوا أعمال البر مثل الكلام مع الاخ والأم أو الاصلاح بين الناس.
وهاتان الروايتان تؤيدان ما ورد في الوجه الاول.
5. النهي عن كل أنواع القسم: عن أبي أيوب الخزاز قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين فإنه عز وجل يقول: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ) [البقرة: 224][8].
عن أبي سلام المتعبد أنه سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول لسدير: ياسدير من حلف بالله كاذبا كفر ومن حلف بالله صادقا أثم إن الله عزوجل يقول: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ) [البقرة: 224][9].
تنويه: أ. إن مراعاة حرمة اسم الله أهم من أن يقسم الانسان باسم الله صادقا كان أم كاذبا والله سبحانه يعوض من يحافظ على حرمة اسمه اذا كان قد خسر بعض المنافع نتيجة لامتناعه عن القسم أحيانا فيعطيه هدية أفضل مما خسره وذلك كما قال الرسول (صلى الله عليه وآله) من أجل الله أن يحلف به أعطاه الله خيرا مما ذهب منه[10].
ب. يحمل (الاثم) في الحديث الثاني على الكراهة وإلا فاليمين الصادقة ليست ذنبا. ورغم إمكانية أن يصير بعض الامور المباحة في ظروف خاصة حراما مثل بعض الامور المحللة التي تصير حراما في حال الاحرام لكن مسألة اليمين الصادقة ليست هكذا.
كما أن المراد من (الكفر) هو القسم العملي منه لا الاعتقادي ويعبر عن الذنوب الكبيرة بالكفر مثل ترك الحج الواجب: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) [آل عمران: 97].
6. الحلف على ترك الخيرات: عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا حلف الرجل على شيء والذي حلف عليه إتيانه خير من تركه فليأت الذي هو خير ولا كفارة عليه وإنما ذلك من خطوات الشيطان[11].
تنويه: لا ذنب في نقض اليمين اذا كان اليمين على ترك شيء في حين أن إتيانه أفضل من تركه وهذه اليمين من نتائج وسوسة الشيطان.
ومنشأ ذلك هو لزوم رجحان متعلق اليمين وعلى هذا الاساس اذا كان متعلق اليمين مرجوحا لا راجحا فإن مثل هذه اليمين لا يمكن أن تنعقد ولا محذور في العمل على خلافها وان كان متعلق اليمين في حالة تساوي الطرفين لا يخلو انعقادها من وجه خصوصا اذا كان المتعلق راجحا بالنسبة الى الشخص الحالف.
[1] مجمع البيان ج1-2 ص566.
[3] تفسير روح البيان ج1 ص 349
[6] تفسير نور الثقلين ج1 ص 218