في السنوات التي أعقبَت المعركة التي خاضها شلمنصر الثالث في قرقور عام 853 قبل الميلاد، عَبرَ نهر الفرات عدة مرات إضافية وقاتَلَ في سوريا أثناء عدة حملات أخرى، من بينها حملاته على التشكيلات الإضافية المختلفة لمَا يسمَّى تحالُف دمشق، والذي ذكرتُ أنه كان في الأصل بقيادة هَدَد-عزر، ملك دمشق. وقد وقعَت هذه الحملات في السنوات السادسة والعاشرة والحادية عشرة والرابعة عشرة والثامنة عشرة والحادية والعشرين والثانية والعشرين من حُكمه. وخلال الحملات الأخيرة، تذكُر السجلَّات ملكًا آراميًّا جديدًا لدمشق، ليس هَدَد-عزر، بل حَزائِيل، الذي وُصِف بأنه «ابن لا أحد»؛ أي أنه كان مغتصِبًا للعرش (1).
حتى الآن، لم أخصِّص مساحةً كافية للآراميين في هذه الصفحات كما كان ينبغي أن أفعل. وبوجهٍ عام، لم يتوحَّدوا قَطُّ ويبدو أنهم كانوا يُعرَفون في المقام الأول بممالكهم الصغيرة الفردية أو دويلات مدنهم. ومع ذلك، يبدو أن هذا الحاكم الجديد لآرام-دمشق، حَزائِيل، كان يُخطِّط في ذهنه لأشياء أخرى. لقد ذكرتُه بالفعل أعلاه، فيما يتعلَّق بنصب تل دان، الذي ربما أقامه بعد حملةٍ في المنطقة في أواخر أربعينيات القرن التاسع قبل الميلاد. ويُعتقَد الآن أيضًا أنه هاجم عددًا من المواقع الإضافية في مملكة إسرائيل الشمالية في الوقت نفسه تقريبًا، ومن المُحتمَل جدًّا أن ذلك كان يشمل مَجِدُّو وحاصور (2).
ومن المُثير للاهتمام على نحوٍ خاص، إضافةً إلى ذِكر بيت داود، أنَّ نقش حَزَائِيل في تلِّ دان يذكر ملكَين محدَّدَين، هما: يهورام ملك إسرائيل، وأخزيا ملك يهوذا، اللذَين كانا يحكمان في زمن حَزَائِيل واللذَين وقعا ضحية لحملاته على ما يبدو؛ لأنه يقول إنه قتَلَ كليهما. ومن المُثير للاهتمام أن هذا النقش يتشابَه مع مناقشة في الكتاب المُقدس العبري؛ حيث قُتِل المَلِكان أنفسهما (يهورام وأخزيا) ليس على يدِ حَزَائِيل، وإنما على يد ضابطِ جيش غير مُخلِص يُدعى يَاهُو؛ وهو يَاهُو نفسه الذي ذُكر اسمُه سابقًا في مناقشة المنحل في موقع تل الصارم (تل رحوف) والذي ذكرتُه للتوِّ مرةً أخرى أعلاه.
وفقًا للرواية التوراتية، وقعَت اغتيالات يَاهُو في أعقاب معركةٍ جرَت في راموت جلعاد، والتي اغتصب بعدَها على الفور العرش في إسرائيل، وتولَّى منصب الملك بعد ذلك مباشرةً. كما قُتِلَت والدة يهورام، إيزابِل السيئة السمعة، أرملة الملك أخاب وابنة إيثبعل، الملك الفينيقي لصور، أثناء هذا التمرُّد (انظر سِفر الملوك الثاني، الإصحاح 9: الآيات 14–16، و22–28، و32–37، والإصحاح 10: الآيات 1–17؛ وسِفر أخبار الأيام الثاني، الإصحاح 22: الآيات 5–9).
وليس واضحًا لماذا تحتوي قصة يَاهُو في الكتاب المقدس العبري، وفي النقش الموجود في تلِّ دان الذي أقامَه حَزَائِيل، على العديد من العناصر المُتشابهة، ومع ذلك تَحدَّدت هوية قاتلَين مُختلفَين للملكَين. وقد قيل إن يَاهُو ربما كان يتصرَّف نيابةً عن حَزَائِيل، ولكنَّ هذا لا يزال موضعَ خلافٍ علمي، وخاصة أن الرواية التوراتية لا تذكُر حَزَائِيلَ ولا يذكُر نقش حَزَائِيل يَاهُو (3).
ومع ذلك، يُصبح شلمنصر الثالث ذا صلةٍ هنا مرةً أخرى؛ لأنه يبدو أنه تغلَّب على حَزَائِيل بعد ذلك مباشرة تقريبًا، في عام 841 قبل الميلاد. فأثناء حملةِ عامِه الثامن عشر في الحُكم، يقول شلمنصر: «لإنقاذ حياته، هرب [حَزَائِيل] (لكنني) طاردتُه. وسجنتُه في دمشق، مدينته الملكية، (و) قطَّعتُ حدائقه.» ويقول أيضًا إنه قتَلَ 16 ألفًا من رجال حَزَائِيل المُقاتلين وأسَرَ 1121 من عرباته الحربية و470 من سلاح الفرسان في ذلك العام، ولكنْ بعد ذلك اضطرَّ إلى محاربته مرةً أخرى بعد ثلاث سنوات، في عام 838 قبل الميلاد (4).
•••
يُقتَرَح الآن أن حَزَائِيلَ تعافى من هزيمته (هزائمه) على يد شلمنصر الثالث، وربما أحدث دمارًا في مملكة يهوذا الجنوبية خلال العقود التالية، ومن ذلك موقع تل الصافي (جت التوراتية)، إحدى المدن الفلستية الخمس الأصلية، حيث اكتشف الأثريون خندقًا ضخمًا محفورًا في الصخر يبلُغ طوله حوالَي كيلومترَين ونصف. وقد أُثبِت غزو جت على يد حَزَائِيل في (سِفر الملوك الثاني، الإصحاح 12: الآية 17): «حينئذٍ صَعِدَ حَزَائِيلُ مَلِكُ أَرَامَ وَحَارَبَ جَت وَأَخَذَهَا»، قبل أن يُقال لنا إنه زحف أيضًا نحو أورشليم، ولم ينسحب إلا بعد أن رشاه الملك يَهُوآش ملك يهوذا (سفر الملوك الثاني، الإصحاح 12: الآية 18) (5).
كما حُدِّد زمن دمارٍ هائل في هذا الوقت نفسه، مما أدى إلى نهاية الطبقة الرابعة في تل الصارم، مسقط رأس يَاهُو المحتمَل. وقد قيل إن هذا كان أيضًا على يد حَزائِيل وقواته الغازية. كان الضرَر الذي حدث كبيرًا لدرجة أن التلة السفلية في الموقع لم تُشغل مرةً أخرى أبدًا؛ ولم يستمر السكن في التلَّة العُليا إلا مدةَ قرنٍ آخر، حتى دُمِّرَت هي الأخرى، هذه المرة على يد تِغلث-فلاسر الثالث والآشوريين الجُدد في عام 732 قبل الميلاد (6).
وقد قيل أيضًا إن حملة حَزَائِيل في الجنوب ربما كانت تهدف إلى السيطرة على تجارة النحاس، وخاصة المصادر في أدوم. صحيح أن أنشطة تعدين النحاس في وادي عربة ووادي فينان توقفَت فجأةً في هذا الوقت، ولكنَّ عودة النشاط في المناجم في قبرص ربما كان لها تأثير، إضافةً إلى أنشطة حَزائِيل؛ اقتُرِح مؤخرًا أيضًا أن نقص الوقود المتاح للأفران ربما كان السببَ الحقيقي وراء إغلاق المناجم في هذا الوقت (7).
في مرحلةٍ ما، يبدو أن حَزَائِيلَ خرج أيضًا في حملات إما إلى الشمال وإما إلى الشرق، ويُعتقَد أنه بعد ذلك نَقشَ أشياءَ مختلفة وأهداها إلى معبد هَدَد في دمشق. وقد استُخِرج العديد من هذه الأشياء حاليًّا في سياقات أثرية، ولكنها بعيدة جدًّا عن دمشق. أول ما عُثِر عليه، منذ حوالي قرنٍ من الزمان، هو غِمامة حصان برونزية عُثرَ عليها داخل معبد أبولو في إريتريا على البر الرئيسي لليونان، دون باقي الأماكن. كانت القطعة توضع في الأصل بجوار عين الحصان وتُستَخدَم لتركيز نظرِه إلى الأمام مباشرةً أثناء المعركة، ومن المُرجَّح أن يكون أحد المُتعبِّدين قد أهدى القطعةَ إلى المعبد في مرحلةٍ ما خلال أواخر القرن الثامن قبل الميلاد. ترك شخصٌ مختلف قطعةً مُثلثة من البرونز تُعرَف باسم «واقي الجبهة»، والتي تحمي جبهة الحصان، في هيرايون (معبد هيرا) على جزيرة ساموس، في سياقٍ يرجع تاريخه إلى أوائل القرن السادس قبل الميلاد. الأرجح أن القطعتَين من مجموعة زخارف الحصان نفسها؛ حيث إنه منقوش عليهما بشكلٍ مُتطابق باللغة الآرامية: «ما أعطاه هَدَد لسيدنا حَزائِيل من عُمقي [أو عَمقي] في العام الذي عبَرَ فيه سيدنا النهر.» ليس من الواضح كيف وصلَت أيٌّ من هاتَين القطعتَين إلى بحر إيجه بعد فترةٍ طويلة من تصنيعهما الأَوَّلي، ولكن اقتُرِح أنهما ربما نُهِبَتا من معبد هَدَد عندما غزا تِغلث-فلاسر الثالث دمشقَ في عام 732 قبل الميلاد (8).
أيضًا ذكرَت نوتا كورو، من جامعة أثينا، أن هناك «مبخرة برونزية غير منشورة من معبد أبولو في دلفي» قد يكون عليها نقشٌ مُماثل. وهناك أيضًا غِمامة حصان برونزية ثانية، عثَرَ عليها الأثريون في المنطقة نفسها في إريتريا، وفي سياق يعود إلى القرن الثامن قبل الميلاد، وإن كانت غير منقوشة، وربما تكون من مجموعةٍ مُنفصلة، حيث يُقال إن كلتا الغمامتَين للعين اليُمنى (9).
ومع ذلك، هناك أيضًا اختلافات في الرأي بشأن كيفية تفسير النقش على بعض هذه القطع: أيهما جاء من عُمقي/عَمقي، حَزائِيل أم عُدة الخيول؟ وإذا كانت العُدة هي التي جاءت من عُمقي، يمكن للمرء أن يفترِض أن حَزائِيلَ خرج بحملةٍ إلى شمال سوريا؛ لأن منطقة تل الطعينات كان الآشوريون الجُدد في هذه المرحلة يسمُّونها أحيانًا أونقي/عُمقي. ومع ذلك، فإن عَمقي هو أيضًا اسم كان يُستخدَم لمنطقةِ البقاع في لبنان خلال العصر البرونزي، ولذلك من المُمكن أن يكون هذا مجرد وصفٍ لأصول حَزائِيل؛ «حَزَائِيل من عَمقي». وهذا يعني أنه ببساطة خرَجَ بحملةٍ عامة عبْرَ نهر الفرات بدلًا من المُضي أبعد شمالًا (10). في الوقت الحالي، من المُستحيل الاختيار بين أحد هذَين الاحتمالَين.
.........................................
(1) These various campaigns are listed in a large number of Shalmaneser III’s inscriptions; one is depicted on Band XIII of the Balawat gates, with graphic scenes of the capturing of cities. See, e.g., Grayson 1996: 5-6 and passim, esp. 48-49 (A.0.102.9), 50–56 (A.0.102.10), esp. 54, as well as 58–61 (A.0.102.12), esp. 60, and 62–71 (A.0.102.14 = the Black Obelisk), esp. 67. See also King 1915: 34, pls. 72–77; Na’aman 1995; Grayson 2005; Miller and Hayes 2006: 292; Bryce 2012: 175–77, 237-38, 2014: 126-27, 236-37; Schneider 2014: 101; Frahm 2023: 110.
(2) See my previous discussion of this matter, and the biblical parallels, in Cline 2000: 82–88. See also Biran and Naveh 1993, 1995; Schniedewind 1996; Na’aman 2000, 2006; Sergi 2017; Richelle 2018: 31-32; Schipper 2019: 42; Younger 2020. Note that Arie (2008: 34–38) suggests that Hazael set up the inscription when he (re)built the city, rather than simply conquering it; this suggestion has been contested by Thareani (2016b, 2019a, 2019b). On Hazael and the Aramaeans in the southern Levant in general, see now Finkelstein 1999, 2013: 119–26; Kleiman 2016; Sergi 2017; Sergi and Kleiman 2018; Younger 2020.
(3) See, e.g., discussions in Schniedewind 1996; Na’aman 2006, with references; Finkelstein 2013: 85.
(4) On imprisoning Hazael, killing his men, and capturing chariots and cavalry, see Grayson 1996: 58–61 (A.0.102.12), esp. 60; see also, on simply the killing and capturing, but without the imprisoning, 62–71 (A.0.102.14 = the Black Obelisk), esp. 67; also Frahm 2017: 171.
(5) On the siege trench and Hazael’s destruction at Gath, see now Maeir and Gur-Arieh 2011, with many previous references; Kleiman 2016: 63, 67–69; Maeir 2017a, 2017b, 2022d: 230-31; Ben-Yosef and Sergi 2018; Gur-Arieh and Maeir 2020; Chadwick 2022. On his destruction at Gath in general, as reported by the biblical account, see, e.g., Ehrlich 1996: 72–74; Levin 2017.
(6) Mazar 2022a: 86, 2022b: 110-11, 122-23; Mazar and Mullins 2022: 146; Panitz-Cohen and Mazar 2022: 144-45.
(7) On Hazael and the ending of copper production in Wadi Faynan and the Arabah Valley, see, e.g., Fantalkin and Finkelstein 2006: 30–32; Finkelstein 2013: 126, 2020: 21-22; Ben-Yosef and Sergi 2018; Crowell 2021: 42; Maeir 2021. These activities, and the cessation of the copper route from Faynan, may have affected sites as far away as Tel Dor, on the coast; see Arkin Shalev et al. 2021: 146. On the possibility of a sudden lack of available fuel for the furnaces, see now Cavanagh, Ben-Yosef, and Langgut 2022.
(8) On the translation(s), see Bron and Lemaire 1989; Eph’al and Naveh 1989; Na’aman 1995, all with earlier references. On the topic as a whole, see most recently Bourogiannis 2018a: 57-58, 2020: 171-72, 2021: 103, with earlier references; López-Ruiz 2021: 185-86; J. F. Osborne and Hall 2022: 6-7. See also previously S. P. Morris 1992a: 147; Kourou 2004: 17-18, 2008b: 367.
(9) See again Kourou 2004: 17-18, 2008b: 367 and the other references cited above.
(10) On the interpretation, see again Bron and Lemaire 1989; Eph’al and Naveh 1989; Na’aman 1995.