0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين

اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة

العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات

الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور

العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون

احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام

مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة

التاريخ الاسلامي

السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام

الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان

علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)

الدولة الاموية

الدولة الاموية *

الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد

الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية

الدولة العباسية

الدولة العباسية *

خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل

خلفاء بني العباس المرحلة الثانية

عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله

عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله

عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية

التاريخ الحديث والمعاصر

التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا

تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر

تاريخ حضارات شرق اسيا

تاريخ الحضارة الصينية

تاريخ الحضارة اليابانية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

فاتح كل الأراضي، المُنتقِم لآشور

المؤلف:  إرﻳﻚ إﺗﺶ ﻛﻼﻳﻦ

المصدر:  ما بعد 1177ق.م، نجاة الحضارات

الجزء والصفحة:  ص 87-92

2026-09-17

37

+

-

20

«قاتلُ جحافل الأخلامو المنتشرة على نطاق واسع، ومشتِّت قوَّاتهم … فاتحُ كل الأراضي، المُنتقم لآشور!» هكذا وصَفَ آشور-ريش-إيشي الأول، ملك آشور من 1133 إلى 1116 قبل الميلاد، نفْسَه بفخرٍ على العديد من شظايا المخاريط الطينية التي عُثر عليها في موقع نينوى في بلاد الرافدين القديمة.1 وبفضله وبفضل تفاخُره، نمتلك أولَ سجلاتٍ ملكية مكتوبة في آشور بعد انهيار العصر البرونزي.

«الأخلامو» الذين يُشير إليهم معروفون اليوم على نطاقٍ واسع باسم الآراميين. ولعلَّ أكثر ما اشتهروا به هو ذِكرهم في الكتاب المقدَّس العبري، حيث أعلن إبراهيم في جملته الشهيرة: «آراميًّا تَائِهًا كَانَ أَبِي» (سِفر التثنية، الإصحاح 26: الآية 5). وفي نهاية المطاف أصبحَت لُغتهم، الآرامية، هي اللغة المشتركة في مختلف أنحاء الشرق الأدنى، ولكنَّ هذا لم يحدث إلا بعد عدَّة قرون في المستقبل.2

ويُعتقَد أنَّ هؤلاء الآراميين الرُّحَّل أو شبه الرُّحَّل تأثروا إلى حدٍّ كبير بالظروف المناخية والبيئية الجديدة في المنطقة؛ على سبيل المثال، توقُّف هطول الأمطار في بلاد الرافدين فضلًا عن تغيُّر المجرى الرئيسي لنهر الفرات، الذي تحول إلى الغرب في هذا الوقت تقريبًا. وقد أدَّى هذا إلى انخفاضٍ في الأراضي المتاحة للري وزيادة ملوحة التربة في شمال بلاد الرافدين.3 ونتيجةً لذلك، بدءوا في شنِّ غاراتٍ ومهاجمة المدن والبلدات في المناطق التي يسيطر عليها الآشوريون، والتي تأثرت أيضًا بالتحول نفسه، في الظروف الخاصة بالأراضي الصالحة للزراعة، وكانت بالمِثل أكثر فقرًا من ذي قبل.

وعلى الرغم من تفاخُره، على ما يبدو، فلم تكن هزيمة آشور-ريش-إيشي للآراميين حاسمة؛ حيث اضطُرَّ ابنه، تِغلث-فلاسر الأول، إلى مُحاربتهم أيضًا في وقتٍ لاحق. ظلَّ الآراميون يشكلون مشكلة للآشوريين منذ القرن الثاني عشر فصاعدًا، وفي نهاية المطاف، بحلول القرن التاسع قبل الميلاد، تمكنوا، كما قال نيكولاس بوستجيت من جامعة كامبريدج، من تأسيس «سلالات حاكمة صغيرة» في جميع أنحاء المنطقة.4

•••

 

بدأ حُكم آشور-ريش-إيشي ببساطةٍ كبيرة بأنشطة البناء في مواقع آشور (شمال تكريت المعاصرة مباشرةً) ونينوى (الآن تحت سيطرة المَوصل المعاصرة، على الضفة الشرقية لنهر دجلة). وهناك بَنى المعابد والقصور، إضافةً إلى ترسانة مُحتمَلة.5

ربما استُخدِمَت الترسانة على الفور، حيث يدَّعي من بين إنجازاته أنه قاوم بنجاحٍ الهجماتِ التي شنَّها ملكٌ بابلي يُدعى نبوخذ نصر الأول، الذي حكَمَ من 1125 إلى 1104 قبل الميلاد. ومع أن نبوخذ نصر هو الذي بدأ الأعمال العدائية، فإنه خسر أمام آشور-ريش-إيشي والآشوريين ليس في مناسبةٍ واحدة فحسب، بل في مناسبتَين منفصلتَين. ففي المرة الأولى، اضطر نبوخذ نصر إلى حرق آلات الحصار التابعة له أثناء انسحابه، حتى لا تقع في أيدي الآشوريين. وفي المرة الثانية نُقِش أن آشور-ريش-إيشي «قاتلَ نبوخذ نصر، وألحقَ به هزيمةً كاملة، وذَبَحَ قواته واستولى على مُعسكَره. كما استولى على أربعين من عرباته ومعدَّاته، وأُسِر كاراشتو (؟)، قائد نبوخذ نصر الميداني».6

ونحن نعلَم هذا مما يُسمَّى «التاريخ المتزامِن»، وهو جزء من سلسلةٍ من النصوص المعروفة باسم «أخبار الأيام الآشورية والبابلية» أو ببساطة «أخبار أيام بلاد الرافدين». هذه هي السجلَّات التي تسرد الأحداث التي وقعَت في كلٍّ من آشور وبلاد بابل، مع تحديد تواريخ للأحداث المُرتبطة بكلٍّ منهما. وقد كُتبَت بضمير الغائب، أي كملاحظاتٍ مُحايدة، وكانت جزءًا من جهدٍ من جانبِ مؤرِّخين مُعاصرين، أو مُعاصرين نسبيًّا، لمزامنة سجلَّات المنطقتَين. واليوم يضع المؤرخون القدماء، الذين يدرسون الألفية الثانية والألفية الأُولى قبل الميلاد في هذه المنطقة، جهودَهم موضعَ تقديرٍ كبير.7

إضافةً إلى ذلك، تأتي بعض أهم المعلومات لدَينا من الروايات التي تصِف إنجازات كل ملك، غالبًا، سنةً بسنة. إنها تُعرَف الآن باسم «الحوليَّات الملَكية الآشورية»، وقد كُتبَت كما لو كان الملك نفسه هو المؤلف (على الرغم من أن الكتبة هم في الواقع من قاموا بالعمل الفعلي)، وسجلوا حملاته وإنجازاته الأخرى، وروايات البناء، وما إلى ذلك. ومن هذه النصوص نستطيع أن نستنتج تفاصيلَ مهمَّة، مثل عدد القوات المشارِكة في إحدى المعارك وعدد الأشخاص الذين قُتِلوا أو أُسِروا، وإن كان لا بدَّ من التعامُل مع هذه النصوص بحذرٍ شديد، لأنها مليئةٌ بالمبالغة، وقد تكون الأرقام مُبالغًا فيها. كما قد تختلف التفاصيل الخاصة بكلِّ عامٍ حسب النقش؛ لأن النُّسَخ لم تكن دائمًا نُسخًا مُطابِقة، ولكنَّ هناك شيئًا واحدًا ثابتًا ومُتسقًا دائمًا؛ وهو أنه من الواضح أن الملوك الآشوريين لم يُهزَموا قَط، وهو ما يبدو صعبَ التصديق.8 ومن الواضح أن النصوص كانت دعايةً بقدْر ما كانت تسجيلاتٍ لأحداثٍ تاريخية.

وتتضمَّن السجلات الملكية الأخرى في نهاية المطاف نقوشًا ضخمة تُصوِّر مشاهد المعارك ورحلات الصيد والملك وهو يتلقَّى الجزية. وكثيرًا ما كانت هذه النقوش توضَع على جدران قصورهم، ولكن كان من المُمكن أيضًا أن تُنقَش على أي شيء، من قواعد العرش والشواهد الضخمة إلى واجهات المنحدرات الطبيعية على ضفاف الأنهار المختلفة. وكانت هناك أيضًا وثائقُ إداريةٌ مكتوبة على ألواحٍ طينية، تضمَّنَت رسائلَ ومعاهداتٍ دبلوماسيةً وإيصالاتٍ وتقارير تُنذر بالسوء وما شابه ذلك.9

ويمكن الحصول على معلوماتٍ إضافية من الإصدارات المختلفة لمَا يُعرف ﺑ «قائمة الملوك الآشوريين». وتزعم هذه القائمة الأخيرة، التي تبدو غير معقولة في الأقسام الخاصة بتاريخ آشور المُبكِّر، ولكنها أكثر مصداقيةً في الأجزاء اللاحقة؛ أنها تذكُر أسماء جميع الملوك الآشوريين من أول مَن «عاشوا في خيام» حتى نهاية عهد شلمنصر الخامس في عام 722 قبل الميلاد. إضافةً إلى ذلك، هناك أيضًا ما يُسمَّى ﺑ «سجلات الأسماء»، وهي سجلاتٌ تتضمَّن إشاراتٍ مُوجَزة إلى الأحداث التي وقعَت في عامٍ تقويمي مُعين (كلُّ عام مرتبط باسمِ مسئولٍ آشوري مُعيَّن يُعرَف باسم «ليمو»، بحيث يعرف الجميع أيَّ عام كان) وقد تكون أكثرَ موثوقيةً من أيٍّ ممَّا سبق.10

بعض هذه الأنواع من السجلات لا تبدأ إلا في وقتٍ لاحق، مثل النقوش الضخمة على جدران القصور الآشورية، والتي لم تبدأ في الظهور بانتظامٍ إلا في القرن التاسع قبل الميلاد، لكنَّ البعض الآخَر يبدأ في وقتٍ سابق، من ذلك ما كان خلال القرن الثاني عشر قبل الميلاد. كل هذا يزوِّدنا بوفرةٍ من المعلومات التاريخية، ولكنْ مرةً أخرى، يجب أن نكون حَذِرين بشأن قَبول التفاصيل دون تمحيص. ما مِقدار ما يمكن أن نُصدِّقه؟ وما مقدار ما يُعتبر مبالغةً من جانب الملك وكتَبَته؟ وما مقدار ما هو صحيح وما مقدار ما هو «صحيح ولكنْ مُبالَغٌ فيه»؟

 

ما برحنا نحصل على هذه الأنواع من الأدلة المادية منذ أكثر من قرنٍ من الزمان حتى الآن، منذ الأيام الأولى للتنقيب الأثري في بلاد الرافدَين الذي أجراه رُوَّاد مثل أوستن هنري لايارد، وبول إميل بوتا، وهرمز رسام. لم تكن أساليبهم مقبولة دائمًا، من تقنياتهم في التنقيب إلى التوجُّهات الاستعمارية للأثريين غير المَحليين، لكنَّهم كشفوا عن المدن المدفونة في آشور وبلاد بابل، والتي لم تكن معروفةً إلا من الكتاب المقدَّس العبري في ذلك الوقت، وأخرجوا قصصَها إلى النور.11

ومع ذلك، وكما هو الحال دائمًا في التعامُل مع مثل هذه العصور القديمة، وخاصة تلك التي نحصل على آثارها عن طريق التنقيب الأثري والأثريين، فإننا نواجِه مشكلاتٍ مع تبايُن المصادر. إن طبيعة الحفظ تعني أن مصادرنا غالبًا ما تقتصر على السجلات الحكومية، أو الأرشيفات التي يحتفظ بها التجار أو الحكام من أعلى مستويات المُجتمع، مع أننا نحصل أحيانًا على بياناتٍ دقيقة، مثل غلة المحاصيل في عامٍ مُعين. في أغلب الأحيان، إذا كنا نمتلك معلوماتٍ حقيقية عن الظروف الاقتصادية أو الاجتماعية، فإنها تكون في إطار الأزمات أو الانتصارات التي حقَّقها الملك. ومع ذلك، فإن هذا يُزوِّدنا ببعض المعلومات عن الحياة اليومية في ذلك الوقت، ولكن فقط في بعض الأحيان.12

ولذلك، فإننا عادة لا نستطيع مناقشة مثل هذه الأمور إلا على مستوى الدولة، وليس على أدنى مستويات المجتمع؛ وذلك لأننا ببساطة لا نملك السجلات المكتوبة عن هذه المستويات، وحتى البقايا الأثرية لا تقدِّم دائمًا بياناتٍ واضحة عن الشعوب الأكثر فقرًا. ولكنْ، باستثناء الظروف غير العادية، فإننا عادةً لا نمتلك أيضًا سجلاتٍ تُوضِّح كيف تفاعَلَ الملوك أو رؤساء البلديات أو غيرهم من الحكَّام مع الكوارث. ورغم أن لدَينا أدلةً على بضع حالات محدَّدة حيث طلَبَ الملك الحيثي أو الأوغاريتي المساعدةَ أثناء مجاعةٍ أو ذَكرَ رؤية سفن أو قوَّاتٍ معادية؛ فإننا كثيرًا لا نستطيع أن نرى إلا النتيجة النهائية، والتي مِن الواضح أنها حدثت بسبب كيفية تفاعُلهم (أو عدم تفاعُلهم)، وإن كان تفاعُلهم ناجحًا أم لا.

 

على أي حال، ربما يكون نبوخذ نصر الأول قد تعلَّم شيئًا من هزيمتَيه الأُولَيين على يد آشور-ريش-إيشي والآشوريين؛ لأنه قام بعد ذلك بحملاتٍ ناجحة على العيلاميين المُجاورين، الذين كانوا قد هاجموا بابل وسرقوا نسخةً من قانون حمورابي وتمثالًا لمردوخ قبل عدَّة عقود. لكنَّ النصر لم يكُن سهلَ المَنال. فقد كان لا بد من إيقاف حملةٍ مبدئية عندما اجتاح وباء الطاعون القوات البابلية أثناء توجُّهها إلى عيلام. تروي قصيدةٌ لاحقة القصةَ من وِجهة نظر نبوخذ نصر. يقول نبوخذ نصر: «لقد أهلك إيرا، أعظم الآلهة، مُحاربِيَّ. لقد أضعف فِرَق خيلي … كان شيطان يقتُل خيولي الجميلة … فأصبحتُ خائفًا من الموت، ولم أتقدَّم إلى المعركة، بل عدتُ أدراجي.»13

كانت الحملة الثانية أكثر نجاحًا. فقد سجَّل نقش تُركَ على حجر «كودورو»، وهو نوع معروف من علامات الحدود الحجرية (الرمزية) التي توجَد غالبًا في سياقات المعابد، هبةً عبارة عن أرضٍ وإعفاءات مختلفة، منحَها نبوخذ نصر الأول لشخصٍ يُدعى شِتي مردوخ، أحد الضباط المشاركين في هذه المحاولة الثانية ضد عيلام. ويتضمَّن النقش وصفًا مُفصَّلًا للزحف إلى عيلام ثم المعركة التي قاتل فيها شِتي مردوخ ببسالة من مركبته على ميمنة الملك.14

وقع الهجوم المفاجئ في شهر يوليو، عندما لم يكن العيلاميون يتوقَّعونه على الإطلاق. وكانوا مُحقِّين في ذلك؛ لأن الزحف إلى عيلام كان أشبهَ بالزحف إلى بوابات الجحيم. فقد قيل لنا إن وهَج الشمس «كان يحرق كالنار»، وإن المسارات التي كانت القوات البابلية تسير فيها «كانت تحترق كنيران مكشوفة!» ولم يكن هناك ماء في الآبار ولا أيُّ أماكن أخرى يُمكنهم منها إرواء عطشهم. «لقد تخاذلَت أروع الخيول العظيمة، وترنَّحَت أرجُل الرجال الأقوياء»، هكذا جاء في النقش، ولكن نبوخذ نصر وجيشه واصلوا مسيرتهم. «وهكذا سارَعَ الملك الجبار، ووصل إلى ضفةِ نهر أولاي. وتواجَهَ الملِكان هناك وخاضا معركةً. واندلعَت بينهما معركةٌ حامية، وأظلَمَ وجه الشمس بسبب غبارهما المتصاعد، وهبَّت زوابع، وثارت العاصفة! وفي عاصفةِ معركتهما لم يكن المحارب في المركبة يستطيع أن يرى المحارب الآخَر الذي إلى جانبه.» وفي النهاية، هُزمَ جيش العيلاميين، و«اختفى» مَلِكهم، و«هكذا انتصر الملك نبوخذ نصر، واستولى على عيلام، ونهب مُمتلكاتها.»15

ومع أن نبوخذ نصر الأول لم يَستَعِد لوحة حمورابي؛ فإنه أعاد تمثال مردوخ الذي سُرِقَ. وبسبب هذا الفعل، ظلَّ يُذكَر في سجلَّات البابليين لأجيال. في الواقع، وجَّه نبوخذ نصر ضربةً قاسية للعيلاميين لدرجة أنه لم يعُد هناك أيُّ سجلات مكتوبة أو أدلةٍ أثرية تُذكَر عن العيلاميين لعدَّة مئات من السنين التالية. لقد أظهروا قدْرًا من المرونة في المراحل الأولية من انهيار أواخر العصر البرونزي، لكنهم سقطوا بقوة بعد هذه الهزيمة العسكرية. ولم يلعبوا دورًا رئيسيًّا في السياسة الدولية مرةً أخرى حتى أواخر القرن الثامن قبل الميلاد.16

•••

بوجهٍ عام، أثبت الآشوريون والبابليون أنهم من بين المجتمعات المتضرِّرة الأكثر مرونةً ونجاحًا في تحمُّل عواقب الانهيار. لقد تمكَّنوا من الاحتفاظ بمعرفتهم بالكتابة، وإنجاز مشاريعِ بناءٍ ضخمة، وإبقاء أنظمة حُكمهم في مكانها. ومع ذلك، حتى همْ لم ينجوا من الأذى. على سبيل المثال، تُشير الأدلة الأثرية — التي حصلنا عليها من عمليات المسح الأثري في منطقة بابل القديمة — إلى أنه ربما كان هناك انخفاضٌ في عدد السكان بنسبةٍ تصِل إلى 75 في المائة خلال الثلاثمائة عام التي بين الانهيار، في نهاية العصر البرونزي، وبداية النهضة البابلية بعد عام 900 قبل الميلاد.17

إضافةً إلى ذلك، وفقًا لإيه كيرك جريسون — وهو باحث مشهور في جامعة تورنتو، كان مسئولًا عن نشر جميع النقوش الملكية الآشورية المعروفة في سلسلة من المُجلدات التي ظهرَت من أواخر ثمانينيات القرن العشرين فصاعدًا — لا توجد تقريبًا أيَّ نقوشٍ ملكية ترجع إلى فترة الخمسة والسبعين عامًا من نهاية حُكم توكولتي-نينورتا الأول في عام 1208 قبل الميلاد حتى عهد آشور-ريش-إيشي الأول. ومن المُدهش جدًّا أنه لا توجَد مثل هذه النقوش الملكية التي تركها لنا ملكٌ يُدعى آشور-دان الأول، الذي حكَمَ خمسين عامًا تقريبًا خلال هذه الفترة، من 1179 إلى 1133 قبل الميلاد.18

قد يكون من الواجب علينا أن ننظر إلى هذا الافتقار إلى السجلات الملكية خلال هذه الفترة كعلامةٍ على أنَّ الآشوريين تأثروا بالانهيار في نهاية العصر البرونزي أكثر ممَّا كنَّا نظنُّ. ومع ذلك، لا يُمكننا أن نعرف هذا على وجه اليقين، خاصة وأنهم ربما كانوا يكتبون على موادَّ قابلةٍ للتلفِ مثل الجِلد أو الخشب أو شرائح الرصاص، حتى لو كانوا قد توقَّفوا مؤقتًا لسببٍ ما عن تسجيل النقوش الملكية على الحجر. من ناحيةٍ أخرى، يُشير إيكارت فرام، عالِم الآشوريات في جامعة ييل، إلى أنَّ النقوش الملكية كانت تُكتب عادةً على الحجَر أو الطين؛ لذا فقد تكون الفجوة ذات مغزًى بالفعل.19

لحُسن الحظ، كما ذكرنا، تبدأ السجلَّات الملكية الآشورية مرةً أخرى مع حُكم آشور-ريش-إيشي الأول، في وقتٍ ربما كان فترةَ هُدنة، مدةَ خمسين عامًا، للجفاف الذي كان يؤثِّر على منطقتَي شرق البحر الأبيض المتوسط وبحر إيجه بالكامل؛ وسأناقش هذا الأمر بمزيدٍ من التفصيل أدناه.20 وإذا كان الأمر كذلك، فسيكون آشور-ريش-إيشي الأول قد استفاد من هذه الهدنة المناخية المؤقَّتة.

.........................................

 

(1) Grayson 1987: 309–11 (A.0.86.1); Neumann and Parpola 1987: 178, app. A, no. 1 (citing Borger 1964: 103, no. 6); Kuhrt 1995: 358. Note that Grayson prefers to translate it as “the extensive army of the Ahlamu” rather than “the widespread hordes” as per Borger; regardless, the general idea is the same; also I have followed Eckart Frahm (pers. comm.) in translating the first word as “slayer” rather than “murderer” as per Grayson. Note also that “š” is to be pronounced as a “sh” sound in the pages below, but that I have also been deliberately inconsistent and when “Š” begins a word, I have rendered it as “Sh” (as in Shalmaneser III), for ease of reading and pronunciation in English.

(2) Oates 1979: 106; Postgate 1992: 249; Kirleis and Herles 2007: 7–10; Younger 2016: 100, 2017: 198; J. F. Osborne 2021: 36–40.

(3) See again the references given above. On the shift in the Euphrates, see, e.g., Reculeau 2011: 2, with earlier references; Bryce 2016a: 66.

(4) Neumann and Parpola 1987: 161; Postgate 1992: 247, 249; Kirleis and Herles 2007: 7–9; Bryce 2012: 163-64, 2014: 105-6; now Younger 2016: passim; Bunnens 2019a: 351, 362.

(5) Grayson 1987: 309–22 (A.0.86.1–14); Jeffers 2013: 10-11; Radner 2018: 2.

(6) See Grayson [1975] 2000: 164 (no. 21 ii, lines 6-7 and 8–13, respectively, for the first and second engagements); see also Brinkman 1968: 110; Frame 1995: 11; Glassner 2004: 186–88, with previous citations; Jeffers 2013: 213; Younger 2017: 199-200, 212 and n. 90.

(7) Brinkman 1968: 3-4, 17; Kuhrt 1995: 477; Grayson [1975] 2000; Schneider 2014: 99, citing Glassner 2004; Frahm 2017: 163.

(8) Schneider 2014: 99; see also Kuhrt 1995: 473–77; Grayson 2005; Frahm 2017: 163; Frahm 2019.

(9) Schneider 2014: 98-99; see also Kuhrt 1995: 473–77.

(10) Jeffers 2013: 75-76, with earlier references and documentation.

(11) See, e.g., the discussions in Cline 2017: 52–65 (chap. 4), with full references; now also Frahm 2023: 4–14.

(12) See now Frahm 2023: 24-25 for similar comments; also Reculeau 2011 for an example of grain yields recorded in Assyrian texts, albeit from the thirteenth century B.C.

(13) Translations by Foster 2005: 382. See Brinkman 1968: 88-89, 104–106; Frame 1995: 11; Potts 1999: 252-53; Foster 2005: 376; Jeffers 2013: 24-25; Liverani 2014: 458; Bryce 2016a: 65-66; see also Cline 2014, 2021. The dates for Nebuchadnezzar I can vary by a year or two, depending on the scholar (e.g., 1126–1105 B.C.)

(14) Brinkman 1968: 106–8, 112-13; Oates 1979: 105; Frame 1995: 11, 33–35; Kuhrt 1995: 375-76; Potts 1999: 253; Foster 2005: 383. According to Frame, the kudurru stone was found “in room 50 of the temple of the god Shamash at Sippar by Abd-al-Ahad Thoma in 1882 and is now in the British Museum (BM 90858; 82-5-22, 1800).”

(15) Translation by Foster 2005: 383. See also previously Brinkman 1968: 106–8; Oates 1979: 105; Frame 1995: 33–35; Kuhrt 1995: 375-76.

(16) Potts 1999: 233, 236–38, 240-41, 247, 252–63; Foster 2005: 376–80, 385–87; see also now Álvarez-Mon 2013: 457, 471; Waters 2013: 478-79; also previously Kuhrt 1995: 372-73.

(17) Brinkman 1984: 172–75.

(18) See Grayson 1987: 305–8 for the few inscriptions that might be tentatively dated to Aššurdan I’s reign, none of which can be considered to be a record of deeds or events occurring during his reign. See also Jeffers 2013: 3, 10-11; also Postgate 1992: 248 for the regnal dates.

(19) Frahm (pers. com., February 24, 2023). However, he also notes that “it is clear from administrative texts that Assyria’s provincial system was still largely intact under Tiglath-pileser I, (which is) an argument against Assyria having experienced a dramatic decline during the previous decades.” Regarding writing on materials such as lead or wood, Bryce (2012: 57, 60) and Fuchs (2017: 254) both suggest this as a possibility for the Neo-Hittites as well, since there are a few examples of Luwian found written on lead strips in slightly later contexts at sites like Zincirli and Kululu (see now also J. F. Osborne 2021: 20-21, 45, 51); it is also a possibility for the earliest Greek inscriptions.

(20) Finné et al. 2019: 859 (see also 855 and fig. 2); Kaniewski et al. 2019a, esp. 6–9 and figs. 4–6, 2019b, 2020.

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد