اعتبر القرآن الكريم في آيات عديدة الإيمان والتقوى (العقيدة والعمل الصالح) المعبر عنهما بالحسن الفاعلي والفعلي معيارا لسعادة الدنيا والآخرة ومن هنا فإن من لديه هذان العنصران الأساسيان سوف يدخل الجنة على وجه اليقين وستناله عناية الخالق ورحمته الخاصة.
إلا أن السر في أن الله تعالى في هذه الاية قد عبر عن ذلك بكلمة (الرجاء) وذكر أن أهل الايمان وأهل الهجرة والجهاد في سبيل الله (يرجون) رحمته الخاصة (أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ) [البقرة: 218] يكمن في أن التعبير المذكور هو بالنظر الى القابل لا الفاعل لأنه مع أن الوفاء بالوعد بالجنة قطعي بالنسبة الى الله سبحانه وأنه لا يخلف وعده بأي حال من الاحوال (إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) [آل عمران: 9] إلا أن الشخص الذي يتصف بالإيمان والعمل الصالح لا يمكن الجزم بحسن عاقبته بل هي في حدود (الرجاء) فهناك العديد من الاخطار التي تتهدده كما يأتي:
1. إن الانسان المحتاط يرى في الكثير من أعماله افتقارها الى التقوى والاخلاص من ناحية ومن ناحية أخرى يبين القرآن أصلا كليا يقضي بعدم قبول الله للأعمال إلا إذا كانت مقترنة بالتقوى والإخلاص ويقول: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) [الزمر: 3] و(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) [المائدة: 27]. وبما أنه لم يتضح كون عمل الانسان صادرا من الاخلاص والتقوى المحض أم لا. لأن حب النفس يمنع الانسان من أن يكون دقيقا في المراقبة والمحاسبة فيلزم أن يكون محاسب الانسان شخصا آخر وهنا تبرز احتمالات السقوط والنقص والخطأ.
نعم يمكن للانسان أن يكون محاسبا دقيقا لإعماله عندما لا يكون منحازا لذاته ويرى نفسه أجنبية عنها لكن لما كان الحال ليست هكذا كما لو كان يرى نفسه في المرآة أفضل مما هي عليه في الواقع ويمنعه حب النفس أن يلتفت الى نقاط ضعفه وبذلك سوف لا يكتفي بعدم الخجل من أعماله السيئة بل ربما يتصور أحيانا أنها أعمال حسنة: (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الكهف: 104].
2. الخوف من الارتداد والكفر وحبط الاعمال الحسنة: (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [البقرة: 217].
وحتى لو لم يكن هناك خوف ارتداد وكفر فهناك الخوف من الكبائر اذ وفقا لنظرية الامامية (الموافاة) فإن الانسان لا يحصل على جزاء أعماله إلا اذا بقي ثابتا على ايمانه حى اخر عمره (كالشرط المتأخر) لأن ظرف الاستحقاق غير ظرف الاجر وعلى رأي المعتزلة (الاحباط الجزئي) فإن سيئات الانسان تذهب بحسناته[1].
وبناء على كل من هاتين النظريتين تكون اعمال الانسان مهدده بالأخطار، وينتج من ذلك انا كل عمل خير القابل يكون في حد الرجاء وفاعل الخير لا يمني نفسه باكثر من هذا ومن هنا نرى القران الكريم يعبر احيانا انا هذا المطلب بتعبير الرجاء واحيانا اخرى كلمه لعل كما في موارد الحديث عن الصيام القصاص وأمثال ذلك حيث يقول (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 183].
وقد شرح هذا المطلب امين الاسلام الطبرسي رحمه الله فقال: وانما ذكر لفظ الرجاء المؤمنين وان كانوا يستحقون الثواب قطعا ويقينا لانهم لا يدرون ما يكون منهم في المستقبل الإقامة على طاعة الله او الانقلاب انها الى معصية الله.
ووجه اخر وهو صحيح وهو ان يرجو رحمه الله في غفران معاصيهم التي لم يتفق لهم التوبة منها، واختموا دونها فهم يرجون ان يسقط الله عقابها عنهم تفضلا.
فأما الوجه الاول فإنما يصح على مذهب من يجوز ان يكفر المؤمن بعد ايمانه او يفعل في المستقبل كبيره تحبط ثواب ايمانه وهي نظريه المعتزله في (الاحباط) وهذا لا يصح على مذهبنا في (الموافاه[2]).
[1] راجع: كشف المراد ص412-413.