يفيد ظاهر الآية الشريفة (215) من سورة البقرة، أن السائلين قد سألوا عن أصل الإنفاق ونوعه وجنسه؛ في حين أنّ الله أجابهم عن مصارف الإنفاق ومن هم المستحقون له.
ويرى بعض المفسرين أنّ العلة في عدم التجانس هذا بين السؤال والجواب إنما تكمن في أن سؤال هؤلاء كان لغواً مخالفاً للحكمة وأسلوب العقلاء؛ لأن مما لا شك فيه أن الإنفاق من كل نوع وجنس هو من الأمور الحسنة، وكان الأفضل لو سألوا عن الأشخاص الذين يجب عليهم أن ينفقوا عليهم. من هنا أجابهم الله من منطلق الحكمة كي يفهموا ما هو حق السؤال[1].
وهذا البيان يعد التفاتة بليغة، لكنّ الآية الشريفة مع تضمّنها لهذا المطلب الأهم إلا أن صدرها وذيلها لم يخلوا من الجواب الإجمالي على سؤالهم: (مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ)، (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ)، حيث إن لكلمة (خير) معنى جامعاً ووسيعاً يغطي جميع جوانب وخصوصيات الموضوع. وهكذا يكون الله سبحانه مع حنّه لهم على وجوب أن ينفقوا من مال الخير، قد أفهمهم أن السؤال الأهم الذي كان عليهم أن يسألوه هو عن مصارف الإنفاق، لأن وجوب الإنفاق من المال الخير هو من الأمور الواضحة التي لا تحتاج إلى السؤال عنها.
وتوضيحاً للمطلب نقول إنّ السؤال الاستعلامي يتسم بالجانب التعلمي، وجوابه يتسم بالجانب التعليمي؛ ولما كان العنصر المحوري في مثل هذه المحاورات هو التعلم والاستيعاب، فلو كان السؤال مشتملاً على نقص أو عيب أو فضول، فالجواب الحكيم يقتضي إكمال الناقص من جهة، وتصحيح المعيب من جهةٍ أُخرى، والعدول عن الفضول إلى المفيد من جهة ثالثة.
نعم، لو كان الحوار من باب الجدل لا الحكمة، فحينئذ لما وجب أي واحد من هذه الأمور الثلاثة، بل الواجب هو الاكتفاء بمورد السؤال بالذات مهما كان دون زيادة أو نقصان أو عدول؛ لأنّ كلّ واحدٍ من المتخاصمين في الجدل قد اتخذ موقف الند لغريمه[2].
وعلى أي حال فقد حصل في جواب السؤال في هذه الآية نوع من التحوّل والانتقال، إلا أن تغيير محور الكلام والانتقال من مطلب إلى آخر هو من ألطف فنون البلاغة[3].
تنبيه: فهم بعض المفسرين من كلمة (مَاذَا) أنها للسؤال عن كيفية الإنفاق، لا سؤالاً عن ماهيته وحقيقته؛ لأنّ ذلك المطلب المعروف من أن (ما) تستعمل للسؤال عن الماهية، إنما هو اصطلاح منطقي، ولا علاقة له بأسلوب وطريقة اللغة العربية، ثمّ إنّ القرآن قد نزل بلسان عربي مبين لا بأسلوب منطق أرسطو[4].
وقيل في هذا المجال أيضاً: إن السؤال وإن كان وارداً بلفظ (ما) إلّا أنّ المقصود الأصلي هو السؤال عن الكيفية؛ لأنهم كانوا عالمين أن الذي أُمروا به هو إنفاق مال يخرج قربةً إلى الله تعالى[5].
وهنا لا بد من التنبيه على أنّ الاستدلال المذكور لا يعدو كونه وهماً؛ لأنه وإن كانت مفردة (ما) لم توضع في اللغة العربية للسؤال عن الماهية المنطقية؛ إلا أن. عدم وضعها لذلك لا يستلزم وضعها للسؤال عن الكيفية، بحيث يقال مثلاً (ماذا أنفق) بدلاً من (على ما أُنفق)، ويأتي الجواب أيضاً مبيناً لمصارف الإنفاق؛ إذ لا يشك أحد في أنّ مثل هذا الاستعمال هو استعمال خاطئ، بل كلمة (ما) خصوصاً إذا استعملت مقترنة بـ(ذا) بمعنى (الذي) موضوعة في اللغة العربية للسؤال عن المعرف؛ سواء كان معرفاً لجميع ماهيته وجنسه وفصله القريب، أم لخواصه وأوصافه وكيفيته. وعلى هذا يكون المعنى اللغوي لها أعم من معناها الاصطلاحي، لا أنه مغاير له. والاصطلاح المنطقي ليس شيئاً جديداً، بل هو يبين جانباً من معنى (ماذا).
والحقيقة أن سؤال السائلين لم يكن عن ماهية الإنفاق، بل إنّ سؤالهم كان عن ما هو الشيء الذي ينفقونه، والله أجابهم بأنه كلّ ما كان خيراً أردتم إنفاقه فأنفقوه على عوائلكم أولاً ثمّ على أقاربكم و... .
وذلك نظير السؤال عن احتياجات جبهة الدفاع ضد هجوم جيش الكفر الجرار، والذي يقال في جوابه بأنّ كلّ ما شئتم أن تتبرعوا به من المال الحلال فأوصلوه بأسرع فرصة إلى الخط الأمامي لأنهم في أمس الحاجة إليه.
جدير بالذكر هنا أن البعض رغم تصريح السكاكي بنفس المطلب وقوله إنّ السؤال بكلمة (ما) إنّما هو لفهم جنس الشيء لا كيفيته؛ ردوا ذلك بقولهم إنّ كلام السكاكي مأخوذ من اصطلاح أهل المنطق، وربما كان استعمالاً غير عربي[6].
[1] راجع: تفسير المنار، ج 2، ص308
[2] التبيان، ج 2، ص 201، بتصرف.
[3] راجع: الميزان في تفسير القرآن، ج 2، ص 160 - 162 .
[4] تفسير المنار، ج 2، ص 308
[5] راجع المصدر نفسه؛ التفسير الكبير، مج 3، ج 6، ص 24 .
[6] راجع: مختصر المعاني، ص 135 ؛ تفسير المنار، ج 2، ص308.