إنّ الحكمة من صفاته سبحانه، كما أنّ الحكيم من أسمائه وقد تواترت النصوص القرآنية بذلك ، فقال سبحانه: (وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (1). مشعرا بأنّ العلم غير الحكمة.
إنّ الحكمة تطلق على معنيين: أحدهما، كون الفعل في غاية الإحكام والإتقان، وغاية الإتمام والإكمال. وثانيها ، كون الفاعل لا يفعل قبيحا ولا يخلّ بواجب.
قال الرازي : «في الحكيم وجوه : الأول ـ إنه فعيل بمعنى مفعل ، كأليم بمعنى مؤلم ، ومعنى الإحكام في حق الله تعالى في خلق الأشياء ، هو إتقان التدبير فيها ، وحسن التقدير لها ففيها ما لا يوصف بوثاقة البنية كالبقة والنملة وغيرهما ، إلّا أنّ آثار التدبير فيها ـ وجهات الدلالات فيها على قدرة الصانع وعلمه ـ ليست بأقل من دلالة السموات والأرض والجبال على علم الصانع وقدرته. وكذا هذا في قوله : (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) (2).
وليس المراد منه الحسن الرائق في المنظر ، فإنّ ذلك مفقود في القرد والخنزير ، وإنّما المراد منه حسن التدبير في وضع كل شيء موضعه بحسب المصلحة. وهو المراد بقوله : (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) (3).
الثاني ـ إنّه عبارة عن كونه مقدّسا عن فعل ما لا ينبغي ، قال تعالى : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً) (4).
وقال : (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً) (5) و (6). ونبحث فيما يلي عن كلا المعنيين واحدا بعد الآخر.
الحكيم- المتقن فعله: قد عرفت أنّ الحكيم يطلق على الفاعل الذي يعمل بإتقان ويقدّر ويدبّر باتّزان والله سبحانه حكيم بهذا المعنى.
وأوضح دليل على ذلك أنّ فعله في غاية البداعة والإحكام والإتقان ، فإنّ الناظر يرى أنّ العالم خلق على نظام بديع ، وأنّ كل نوع خلق بأفضل صورة تناسبه ، وجهّز بكل ما يحتاج إليه من أجهزة تهديه في حياته وتساعده على السير إلى الكمال. وإن شئت فانظر إلى الأشياء المحيطة بك مما هو من مظاهر حكمته تعالى.
فلاحظ العين مثلا فإنّ فيها ما يقرب من مائة وأربعين مليون مستقبل حساس للضوء تسمّى بالمخاريط والعصي ، وطبقة المخاريط والعصي هذه واحدة من الطبقات العشر التي تشكل شبكيّة العين ، ولا يتجاوز ثخانتها ـ بطبقاتها العشر ـ أربعة أعشار المليمتر الواحد. ويخرج من العين نصف مليون ليف عصبي ينقل الصورة بشكل ملون!
وهذا القلب وهو مضخة الحياة التي لا تكلّ عن العمل ، فإنه ينبض يوميا ما يزيد على مائة ألف مرة ، يضخ خلالها ثمانية آلاف ليتر من الدم ، وبمعدل وسطي يضخ ستة وخمسين مليون غالون على مدى حياة الإنسان ، فترى هل يستطيع محرك آخر القيام بمثل هذا العمل الشاق لمثل تلك الفترة الطويلة من دون حاجة لإصلاح؟ ...
وأمثال ذلك الكثير مما لا تستوعبه السطور بل ولا الزبر.
إنّ معطيات العلوم الطبيعية عما في الكون أفضل دليل على وجود الحكمة الإلهية في الفلكيّات والأرضيات. ولا نطيل الكلام في الحكمة بهذا المعنى ، فإنها في الحقيقة من شعب القدرة التي استوفينا الكلام فيها. على أنّه يمكن الاستدلال على كونه حكيما من وجهين آخرين غير ما مر :
الأول : إنّ إرادته سبحانه تعلقت بخلق كل شيء بأحسن نظام ، وإلّا فإنّ صدور فعل خارج عن الإتقان والإحكام ، إمّا لأجل جهل الفاعل بالنظام الصحيح ، وإمّا لأجل عجزه ، وكلا العاملين منفيان عن ساحته ، لسعة علمه لكلّ شيء وسعة قدرته. فعدوله عن مقتضى العلم والقدرة الوسيعين يحتاج إلى دليل ، وليس هو إلّا كونه عابثا ولا غيا ، وسيوافيك فيما يأتي أنّه منزّه عن القبيح.
الثاني : إنّ أثر كل فاعل يناسب واقع فاعله ومؤثره ، فهو كالظل يناسب ذا الظل. فالفاعل الكامل من جميع الجهات يكون مصدرا لفعل كامل ، وموجود متوازن أخذا بقاعدة مشابهة الظل لذي الظلّ.
الحكمة والإتقان في الكتاب والسنة: إنّ توصيفه سبحانه بالحكمة بهذا المعنى ورد في الذكر الحكيم ، قال سبحانه : (الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (7).
وقد أشار الإمام علي (عليه السلام) إلى الحكمة الإلهية بمعنى الإتقان والإحكام بقوله : «قدر ما خلق فأحكم تقديره» (8).
وقوله : «مبتدع الخلائق بعلمه ، ومنشئهم بحكمه ، بلا اقتداء ولا تعليم ولا احتذاء لمثال صانع حكيم» (9).
ثم إنّ بعض المغرورين أثاروا شكوكا حول حكمته تعالى ، وسألوا عن فوائد الأمور التالية وهي :
1 ـ الزائدة الدوديّة. 2ـ اللوزتان. 3 ـ ثديا الرجل. 4 ـ صيوان الأذن. 5 ـ الفضاء الوسيع.
ولكن هؤلاء اغتروا بما حصلوا عليه من علوم تجريبية ، وتصوروا أنهم أحاطوا بأسرار العالم ، مع أنّ الواقعيين من العلماء يعترفون بضالة علومهم وقلة اطلاعهم على سنن الكون ورموزه. قال سبحانه : (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) (10). وقال سبحانه : (يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا) (11).
هذا ، مع أنّ العلم الحديث كشف عن الفوائد الجمة لهذه الأمور التي استشكل فيها هؤلاء المغرورون وزعموا أنّها مضادة لحكمته سبحانه (12).
الحكيم- المنزّه عن فعل ما لا ينبغي: إنّ المعنى الثاني للحكمة هو التنزّه عن فعل ما لا ينبغي ، وهي بهذا المعنى أعمّ من العدل الذي نعرفه بعدم الجور والظلم ، وغيره. فالحكيم ـ بعبارة أخرى ـ هو الذي لا يفعل القبيح.
والتصديق بثبوت هذه الصفة للباري تعالى مبني على القول بالتحسين والتقبيح العقليين. فإنّ مفاد تلك المسألة أنّ هناك أفعالا يدرك العقل كونها حسنة أو قبيحة ، ويدرك أنّ الغنيّ بالذات منزّه عن الاتصاف بالقبيح ، وفعل ما لا ينبغي.
وهذا هو الأساس للحكم باتصافه تعالى بالحكمة والعدل وأنه موجود لا يجور ولا يظلم ومن هنا يلزمنا البحث عن تلك المسألة على ضوء العقل والكتاب العزيز.
_____________
(1) سورة النساء : الآية 26.
(2) سورة السجدة : الآية 7.
(3) سورة الفرقان : الآية 2.
(4) سورة المؤمنون : الآية 115.
(5) سورة ص : الآية 27.
(6) وقد ذكر الرازي هنا معنى ثالثا وهو أنّ الحكمة عبارة عن معرفة أفضل المعلومات بأفضل العلوم ، فالحكيم بمعنى العليم ، قال الغزالي : وقد دللنا على أنّه لا يعرف الله إلّا الله ، فيلزم أن يكون الحكيم الحق هو الله ، لأنه يعلم أصل الأشياء ، وهو (العلم بأصل الأشياء) أصل العلوم ، وهو علمه الأزلي الدائم الذي لا يتصور زواله ، المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرق إليها الخفاء ولا الشبهة (أسماء الله الحسنى ، ص 279 ـ 280). أقول : وعلى المعنى الثالث تكون الحكمة من شعب علمه.
(7) سورة هود : الآية 1.
(8) نهج البلاغة ، الخطبة (91).
(9) نهج البلاغة ، الخطبة (191).
(10) سورة الإسراء : الآية 85.
(11) سورة الروم : الآية 7.
(12) لاحظ «الله خالق الكون» ص 370 ـ 378 ، تحت عنوان «الأعضاء الزائدة لما ذا»؟