الترفيه كإطار أوسع لبرامج المنوعات في الاذاعة:
تقترن برامج المنوعات بالترفيه أو التسلية Entertainment ولذلك فإن الفهم الصحيح لبرامج المنوعات يتطلب الإحاطة بالجوانب الأساسية لإطارها الأوسع، وهو الترفيه، خاصة في ضوء هذا الإقبال الجماهيري الهائل على المواد الترفيهية في الإذاعة وغيرها من وسائل الاتصال المختلفة.
من واقع فحص الأدبيات التي تناولت الترفيه، يمكن رصد ثلاث اتجاهات أساسية في تحديد هذا المفهوم:
الاتجاه الأول:
ينصب على آليات أو أساليب الترفيه من ذلك هذا المفهوم الذي ذكرته اللجنة الدولية لدراسة مشكلات الاتصال عندما تطرقت إلى وظائف الاتصال في النظام الاجتماعي، حيث يذكر تقرير اللجنة بأن الترفيه يتمثل في إذاعة التمثيليات الروائية والرقص والفن والأدب والموسيقى والمسرحيات الفكاهية والرياضة والألعاب.. إلخ، من خلال العلامات والرموز والأصوات والصور بهدف الترفيه والإمتاع على الصعيدين الشخصي والجماعي. إن السياق العام الذي ورد فيه هذا التعريف يظهر أن الترفيه وظيفة Function من وظائف الاتصال، أما التعريف نفسه فيركز على نوعيات المضمون التي تحقق الترفيه، وهنا يصبح الترفيه هدفا Aim، وبصرف النظر عما أثير من لغط حول الهدف والوظيفة في غمار مناقشة وظائف الاتصال وأهدافه وبصرف النظر أيضا عما قام به علماء النفس والاجتماع من محاولة حسم المسألة من وجهة نظر كل من الوسائل الاتصالية والجمهور، فإن الترفيه يمكن أن يكون هدفا ووظيفة في نفس الوقت.
الاتجاه الثاني:
ينظر إلى الترفيه من منظور محدود جدا، أو بمعنى أصح من منظور ضيق باعتبار أنه مقصود لذاته وكفى فهو نشاط ذو هدف عاجل، وليس نشاطا من الممكن أن يؤثر في التكوين الثقافي للفرد، من ذلك مثلا:
الترفيه هو "الإعلام" الذي يعطي تنفيسا عن الانفعـال مـن خـلال "إلهاء" الجمهور عن مشكلاته وهمومه الخاصة.
الترفيه هو النشاط الذي يؤدي إلى توفير "اللهو" والتسلية للأفراد وهو أحد وسائل الاتصال الجماهيرية.
الترفيه هو كل نشاط نمارسه بمفردنا أو مع آخرين أثناء الوقت الحر ليجلب لنا المسرة، ولا نمارسه لأداء الواجب أو لضرورة مباشرة أو لهدف آجل.
فالتعريف الأول يعتبر الترفيه هو الإعلام، أو هو نوع من الإعلام، كما أن هذا التعريف يتضمن أنه من خلال الترفيه يتم "إلهاء" القارئ عن مشكلاته وهمومه الخاصة. هذا المنطق غير صحيح لأن الترفيه قد يهدف – ليس إلى إلهاء الجمهور عن مشكلاته الخاصة - وإنما إلى مساعدته في التوصل إلى حلول لهذه المشاكل ومواجهتها، نفس المنطق - منطق اللهو - يتضمنه التعريف الثاني. أما التعريف الثالث فإنه يربط الترفيه بالوقت الحر و "جلب المسرة"، ويبعده عن الضرورة المباشرة وعن الهدف الآجل. ربط الترفيه بالوقت الحر يتضمن نوعًا من التجاوز ماذا نقول مثلاً في الاستماع إلى الراديو والكاسيت أثناء العمل والاستمتاع بما يقدمه من أغان وموسيقى وتمثيليات؟
إن أحد مميزات الراديو هي إمكانية التعرض في كل وقت حرا كان أم غير حر، وكذلك يمكن التعرض في كل مكان في البيت، في المصنع، في المكتب، في السيارة.. إلخ، كما أن إبعاد الترفيه عن الضرورة المباشرة هو أمر غير منطقي، لأن الفرد قد يجد في الترفيه ضرورة مباشرة، فنحن قد نذهب إلى السينما أو المسرح، أو نشاهد الفيديو، أو نذهب في رحلة خارج المنزل، لا لشيء إلا لأننا نشعر بضرورة ذلك لصحتنا النفسية والذهنية، كما إن إبعاد الترفيه عن "الهدف الآجل" للاتصال لا يتماشى مع أساليب الممارسة الحديثة في مجال الاتصال، تلك الأساليب التي جعلت من الترفيه وسيلة أو إطارا لعرض المضمون الجاد وإحداث آثار تراكمية آجلة وعاجلة في الوقت نفسه.
الاتجاه الثالث:
وهو ينظر إلى الترفيه كنشاط يقوم به الفرد، كما أنه لا يقيد الترفيه بالهدف الآجل فقط، وخير مثال لهذا الاتجاه هو ذلك الذي يرى أن الترفيه من خلال الإذاعة يعني الانشغال في الاستماع، وعلى الرغم من أن الاستماع هنا قد يكون لمجرد قضاء الوقت وبالتالي إضاعته، إلا أنه على الجانب الآخر قد يكون جزءا من محاولة مستمرة ومنظمة لتنمية القدرة على الابتكار وتكوين المعرفة واكتساب الخبرة ومواجهة العقبات.
إن القول بأن الترفيه يعني الانشغال" في الاستماع " هو ما يؤخذ على التعريف المشار إليه، لأن الانشغال في الاستماع كثيرًا ما يكون لأهداف أخرى غير الترفيه، فالناس قد ينشغلون في الاستماع لأن الإذاعة تقدم خطابا رسميًا هاما، أو أحداثا مروعة، أو نتائج امتحان حاسم .. إلخ، كما أنه من الواضح أن التعريف المشار إليه يتحدث عن الترفيه في الوسائل المسموعة فقط، وهي مجرد جزء من قنوات الاتصال المتعددة.
بالاستفادة من هذه التعريفات وكذلك من المدلول اللغوي لكلمة ترفيه، يمكن تعريف الترفيه من خلال وسائل الاتصال الجماهيرية بأنه "محاول وسائل الاتصال التنفيس عن الجمهور المستهدف لإحداث تأثير معين، من خلال تحقيق حالة من الاستمتاع والاسترخاء لهذا الجمهور"، ويتضح من هذا التعريف أن الترفيه (من وجهة نظر الوسيلة) هو هدف ووظيفة في الوقت نفسه، أو بمعنى أصح هو وظيفة هادفة، فالمحاولة ما هي إلا عدة أنشطة تتكامل فيما بينها لتكون هذه الوظيفة التي لها أصولها وقواعدها، كما أن صفة "هادفة" المقترنة بالوظيفة تعني أن لها هدف محدد قد يكون مجرد تحقيق الاستمتاع والاسترخاء وقد يكون اتخاذ حالة الاستمتاع والاسترخاء وسيلة لنشر الآراء والأفكار الهامة ... إلخ. نفس المنطق إذا نظرنا إلى الترفيـه من وجهة نظر الجمهور فقد يتعرض لوسائل الاتصال لمجرد الترفيه عن نفسه والاستمتاع والاسترخاء والتخلص من أعباء الحياة ونسيان التوترات والمتاعب، هدف (عاجل)، وقد يتعرض للمادة الترفيهية كي يستفيد منها في اكتساب المعارف والخبرات والسلوكيات.. إلخ (هدف اجل)، وقد يكون التعرض لتحقيق الهدفين معا وقد يتحقق أحد الهدفين بصورة غير مقصودة أو مقصودة.
وتمثل برامج المنوعات في الإذاعة العمود الفقري، أو القالب الأساسي للوظيفة الترفيهية، أو لتحقيق أهداف الإذاعة في الترفيه عن الجمهور، وفي نفس الوقت تشكل وسيلة لا بأس بها في تحقيق الاهداف الآجلة الخاصة بالتعليم وإكساب المعارف والخبرات للجمهور، بل إن هذا هو التوجه الصائب في أساليب الممارسة ببرامج المنوعات حتى في أكثر الدول التي يطغى فيها المضمون الترفيهي على ما سواه، فبرنامج حفلة المنزل House Party، الذي كانت تقدمـه بعـض محطات الإذاعة في الولايات المتحدة، أصبح يتضمن المشكلات والقضايا الجادة منذ بداية الستينيات بعد أن كان يلتزم بالمواد الخفيفة الخاصة بالمسابقات والجوائز والأطفال والكبار، كما أن العديد من وسائل الإعلام الأمريكية توظف الترفيه لخدمة الأغراض السياسية والاجتماعية، حيث يساهم في تأصيل القيم الاجتماعية المألوفة ويحث الأفراد على التمسك بها ووضعها موضع التطبيق الفعلي في سلوكياتهم، كما يساهم في الدعوة إلى نشر الاتجاهات الاجتماعية الجديدة المرتبطة بمراحل التطور المستمرة في المجتمع بشرط ألا تتعارض مع مـا هـو راسخ من قيم ومبادئ المجتمع الرأسمالي.
كما أن المادة الترفيهية من الممكن أن يحصل منها المتلقي على ما يفوق الهدف العاجل بكثير، فمن الممكن أن تمده بالمعلومات والمعارف، فالفيلم الذي يصور الحرب الأهلية الأمريكية، والمسلسل التليفزيوني الذي تدور أحداثه حول الشرطة والمحاكم، والأوبرا التي يدور موضوعها حول شخصية شهيرة، وروايات الجيب التي تتناول حياة مليونير من رجال الأعمال، كل هذه النماذج (الترفيهية) تحتوي على عناصر واقعية يمكن أن نتعلم منها، كما أن تقديم هذه النماذج قد يكون ظاهره الترفيه (هدف عاجل)، وباطنه التعلم أو المعرفة (هدف) آجل من وجهة نظر المصدر على الأقل، ولعل هذا ما يؤكده بعض خبراء الاتصال في سياق حديثهم عن استخدام الاتصال في مواجهـة المشاكل الكبرى التي تهدد التنمية الاجتماعية كالزيادة السكانية مثلا، حيث يرى هؤلاء الخبراء أنه من الضروري التحول إلى نماذج تقدم الترفيـه لخلق مناخ يسهل توصيل وسائل تنظيم الأسرة، وتدور هذه النماذج بين الكوميديا والدراما والعروض الموسيقية، ويمكن استخدام الترفيه بأسلوبين: الأول هو نشر المعلومات على قطاعات متفرقة من المادة الترفيهية، والثاني هو إنتاج مضمون ترفيهي يتصل مباشرة بالموضوع كالتمثيليات والفكاهة، والمسرحيات والأغاني الشعبية الموجهة أساسا بهدف التوعية والإقناع.
لا شك إذن أن هذه النظرة غير التقليدية إلى الترفيه، يستوعبها المعنى السليم لبرامج المنوعات في الإذاعة وغيرها من وسائل الاتصال وحتى إذا كانت هذه البرامج تستهدف تحقيق الترفيه في حد ذاته أو ما يعرف بالهدف العاجل، فإن الإذاعة في هذه الحالة تؤدي جزءا من مسوؤليتها الاجتماعية لأنه من واجب الإذاعيين أن يبذلوا جهدا لمساعدة الناس في التغلب على أعباء الحياة، ومن شأن هذا الترفيه أن يجدد النشاط ويروح عن النفس ويشيع السعادة بين المستمعين، ولكن ينبغي أن يكون الترفيه مشروطا بعدم الابتذال والإسفاف والتشهير بفئات معينة في المجتمع أو الترويج لكل ما هو غير إنساني وغير نبيل، وفي هذا الإطار فإن باب التسلية والترفيه مفتوح على مصراعيه لكافة المواد الإذاعية المسلية، بل إنه كثيرا ما تكون مواد الترفيه المذاعة ذات مغزى تثقيفي أو تربوي.