المقصود بتبديل النعمة الإلهية هو (التبديل التشريعي)؛ أي البدل الخاطئ الذي تنعدم فيه الصلة بين البدل والمبدل منه؛ كالنقمة بدلاً من النعمة، والكفران بدلاً من الشكر، والإنكار بدلاً من الإقرار، والإلحاد بدلاً من التوحيد. وليس المراد هو التبديل التكويني؛ لعدم إمكانية التغيير والتبديل التكويني في المخلوقات الإلهية التي هي كلماته. يقول القرآن الكريم بصيغة نفي الجنس: (لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ[1])، (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ[2])، (وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ[3])، والله عندما يتحدّث عن موجودات العالم التكوينية يصفها حيناً بعبارة (الكلمات الإلهية) و (مخلوقات الله)، كما في الآيات السابقة؛ وحيناً آخر بعبارة (النعمة الإلهية)، كما في آية: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا[4]). وهذا يعني أنّ نعم الله هي نفسها كلماته؛ ولما كانت جميع حوادث عالم الوجود آية من آيات الله وعلاماته وغيبه المطلق، وكلّ ما كان علامة للحق والغيب المطلق فهو كلمة إلهية؛ لذا تصير جميع النعم كلمات إلهية.
ولا سبيل إلى التبديل والتغيير التكويني في الكلمات والنعم الإلهية، وليس لأحد القدرة على التبديل التكويني للآيات والنعم الإلهية؛ وذلك لأن الله سبحانه قد أبدع كل شيء بنصابه الكامل: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ[5])، أي إنّ الكلمة الإلهية ليست ناقصة كي يمكن لأحد ما أن يتممها بالتغيير والتبديل، كما أنها ليست مُعابةً حتى يمكن له تصحيحها؛ هذا من جهة، ومن جهة ثانية أنّ الله قد خلق كلّ شيء بأحسن صورة، ولا مجال للقبح فيها كي يمكن تحسينه: (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ[6]). إذن فلا الله يغيّر الكلمات والنعم الإلهية لأنه خلقها بأحسن الصور التي لا يمكن تصوّر ما هو أحسن منها، إذ لو وجدت لكانت هي التي خلقها الله - ولا غير الله يغيّرها ؛ لعدم قدرته على ذلك. وعلى هذا، يكون التبديل والتغيير التكويني لليعم والكلمات الإلهية من الأمور المستحيلة. وخلاصة الكلام أنّ جميع أفراد الموجودات التكوينية قد خُلقت خالية من النقص والعيب: (الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ[7])، مثلما أن مجموع نظام الكون باعتباره وحدة واحدة مخلوق بأجمل وجه ممكن: (مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ[8])، فيكون تبديله متناقضاً مع النظام الأحسن، وهكذا لا يكون تبديله أمراً معقولاً ولا تبديل جزء منه قابلاً للتصوّر، ومن هنا نفاه نفياً قاطعاً: (لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) وما يُفهم من تهديد إبليس في قوله: (...وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ[9])، فهو الآخر في حدود الشريعة ليس إلا، لا في الخلقة، أي تغيير الأخلاق والخصال والأوصاف والأفعال و ما شابه، لا أزيد من ذلك.
أما التبديل والتغيير التشريعي الذي يعني كفران النعمة وجحودها بدلاً من الشكر، فهو إضافة إلى إمكان وقوعه من الأمور الحاصلة بالفعل، حيث إنّ النعمة وكل ما عداها من الحوادث تستند إلى الله سبحانه من جهة النظام الفاعلي، وتتوقف على الإنسان من جهة النظام القابلي، مثلما ترتبط بعالم الوجود من جهة الخارج.
فعلى كل إنسان المحافظة على هذه الأنظمة الثلاثة، أي أن يكون بالنسبة إلى النظام الفاعلي مُقِرَّاً بأنّ كلّ شيء نعمةٌ إلهية هو خالقها، ومن زاوية النظام القابلي أن يكون استهلاكه للنعم بما فيه فائدته وفائدة مجتمعه لا بما يضرهما، أما من جهة النظام الخارجي فعليه أن يكون استخدامه للنعم الإلهية منسجماً مع عالم الوجود وليس موجباً لظهور الفساد في العالم: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ[10]).
إن كلّ مَن أطلق العنان لنفسه بكفران النعمة الإلهية في الأنظمة الثلاثة أو أحدها بدلاً من شكر تلك النعمة، يكون قد بدّل نعمة الله تشريعاً بالكفران، وصار مصداقاً للأصل الجامع في هذه الآية، وبذلك يستحق عقوبة خالق من صفاته أنه شديد العقاب.
ملاحظة: 1. المراد بالنعمة الإلهية في هذه الآية مفهومها العام الشامل لجميع الآيات الإلهية أيضاً، ومن هنا يكون التحريف اللفظي أو المعنوي للآيات الإلهية مصداقاً بارزاً للتبديل التشريعي للنعمة الإلهية، كما فعله علماء الدين من أهل الكتاب بالتوراة والإنجيل، وكما يمكن أن يبتلى به علماء الدين الإسلامي من أنواع التحريف المعنوي للقرآن الكريم.
2. من المصاديق الأخرى لذلك التبديل تبديل النعمة المعنوية إلى سبب للضلالة بعد أن كانت في أصلها سبباً للهداية، كما هو الحال بالنسبة إلى القرآن حيث هو نور وشفاء لأصحاب القلوب الحية، بينما هو هلاك وعمى لأصحاب القلوب المريضة، فيكون الربح هو نصيب المؤمن منه والخسران نصيب الكافر: (...فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَىٰ رِجْسِهِمْ[11]).
[1] سورة يونس، الآية 64 .
[2] سورة الروم، الآية 30.
[3] سورة الأنعام، الآية 34.
[4] سورة إبراهيم، الآية 34.
[5] سورة الأنعام، الآية 115.
[6] سورة السجدة، الآية 7.
[9] سورة النساء، الآية 119.
[10] سورة الروم، الآية 41.
[11] سورة التوبة، الآية 125 .