(وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ)
خلاصة التفسير: عندما يُطلب من المنافق بصريح العبارة أن يخشى الله فحينئ تتغلب عليه تلك العزة الكاذبة الموهومة التي اكتسبها بالمعاصي والفساد، فتجعل منه أسيرها وأخيذها وتجره إلى الذنوب جزاً حتى يقف موقفاً متعنتاً رافضاً أي دعوة للتقوى والابتعاد عن النفاق والمخاصمة وبثّ الفرقة والفساد وإهلاك الحرث والنسل. وهذا يعني أن هناك علاقة متبادلة بين المعاصي والعزة الكاذبة.
إن خصلة النفاق والعصيان توجب فقدان المنافق لقابلية الإصلاح والاستعداد لتقبل التقوى؛ لأن قبول التقوى يتوقف على التواضع.
وتتكشف العزة الكاذبة للمنافق في ظرف ظهور الحقائق (القيامة) عن ذلّة واقعية، وذلك حينما يكون جزاء النفاق ناراً محيطة تحيط المنافق من فوقه ومن تحته وتصلي ظاهره وباطنه، فيعاقب عقاباً يتناسب مع فساده العام المتمثل بإهلاكه الحرث بجوارحه من جهة وإفساده الأفكار بإلقاء الشبهات من جهة أخرى. إذن، لما كانت جميع رغباته في جهنم، فستحيط به نار العذاب من كلّ جانب، وتكون جهنم كافية لتعذيبه.
تفسير المفردات: أخذته: (الاخذ) يقابل الاعطاء[1]، وله استخدامات مختلفة باعتبار متعلقه وقال البعض: إن معنى (أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِ) هو أن العزة والحمية الجاهلية تدفع المنافق الى ارتكاب المعاصي[2]، لكن الاستاذ العلامة الطباطبائي رحمه الله يقول: والظاهر أن قوله (بِٱلۡإِثۡمِ) متعلق ب (ٱلۡعِزَّةُ) والمعنى انه اذا أمر بتقوى الله اخذته العزة الظاهرة التي اكتسبها بالاثم والنفاق المستبطن في نفسه[3].
العزة: (العزة) يقابلها الذلة[4]. وهي حالة مانعة للانسان من أن يغلب ويقال للارض الصلبة (أرض عزاز) وقد تستعار العزة للحمية والانفة المذمومة وذلك في قوله: (أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ[5]).
بالاثم: يرى البعض أن (الباء) في (بِٱلۡإِثۡمِ) هي باء التعدية بينما يرى آخرون أنها باء السبيبة لا التعدية ووفقا للرأي الثاني فإن الله سبحانه يبين في هذه الاية أن علة العزة الكاذبة للمنافقين وسببها هي ذنوبهم ومعاصيهم[6].
والسر في اختيار من اختار معنى السببية بناء على القول الثاني هو أن كلمة (الاخذ) متعدية ولا تحتاج الى حرف التعدية فيكون حرف (الباء) هنا بمعنى (اللام) لبيان علة مثل هذه العزة أو أن له معنى آخر كالمصاحبة.
المهاد: (المهد) معناه المصدري هو التحضير والتهيئة، و(المهاد) و(المهد) بمعناه المفعولي هو الأرض الممهدة والمسطحة وما يُهيّأ لاستراحة الطفل يقال له (مهد) أيضاً[7]. وقيل للأرض (ذلول) و(مهاد) من جهة لينها وقابليتها للحياة عليها: (هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا[8])، (أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ مِهَٰدٗا[9]).
تناسب الآيات: تهدف هذه الآية أيضاً إلى بيان بعض آخر من صفات المنافق. وقد كان الحديث في الآية السابقة عن إفساد وإهلاك المنافق في الميادين الاقتصادية والثقافية و...، وفي هذه الآية يدور الحديث عن إبائه عن قبول النصيحة وعزته الكاذبة التي تؤول به إلى التمرد وعدم قبول دعوته إلى التقوى، وأن غروره ونخوته يمنعانه عن قبول الحق. وهذه الصفات التي ذكرناها تؤدّي بمجموعها إلى وقوع المنافق في جهنم وبئس المصير المشؤوم.
وقد ابتدأ الله سبحانه هذه الآيات بقوله إن المنافقين هم ألد الأعداء وأشدهم خصومة، ثم ذكر في الآية التالية كيفية تنفيذهم لأعمالهم العدوانية، وحينذاك ذكر في هذه الآية مسألة أخذ العزّة لهم، ثم بيّن ردود أفعالهم.
[2] التبيان ج2 ص182 مجمع البيان ج1-2 ص535 الكشاف عن حقائق التنزيل ج1 ص251.
[3] الميزان في تفسير القرآن ج2ص99
[4] التحقيق في كلمات القرآن الكريم ج8ص114ع ز ز.
[5] مفردات ألفاظ القرآن ص563 ع ز ز.
[6] راجع: تفسير البحر المحيط ج2ص126
[7] مفردات ألفاظ القرآن، ص 780؛ المعجم الوسيط، ج 1 - 2، ص 88 9، م ه د.
[8] سورة الملك الآية 15 .
[9] سورة النبأ، الآية 6 .