لغة التليفزيون وإمكانات الصورة:
يتميز التليفزيون بمزايا عديدة يشارك فيها وسائل الأعلام الأخرى، وينفرد دونها بمزايا أخرى، حيث يقدم لنا المشاهد المتكاملة التي تعتمد على الصوت والصورة الحية المتحركة واللون في صورة أقرب للواقع، والصوت والصورة عاملان حيويان ويلعبان دورا هاما في حياة البشر، وندهش حينما نعلم أن الإنسان العادي يحصل على 98% من معارفه عن طريق حاستي السمع والبصر، بينما يحصل على 90% منها عن طريق البصر أو الرؤية، لهذا تعتبر الكتابة للتليفزيون كتابة للمرئيات، فالتليفزيون صورة مرئية، والصورة لغة عالمية يفهمها غالبية البشر، كما أنها أبلغ في التعبير عن آلاف الكلمات، ولهذا فكاتب التليفزيون دائما يفكر في الموضوعات التي يمكن إظهارها وعرضها في صور حية مصحوبة بالكلمات، ولأن الكتابة للمرئيات ليست مجرد تسطير كلمات يلقيها نجوم البرنامج، وإنما هي الكيفية التي ستظهر بها الصورة الحية، ولا تقلل أبدا من أهمية النص الذي نعتبره في الغالب عاملا مساعدا يفيد في توسيع وتعميق إطار الصورة، كما يضفي عليها مزيدا من الواقعية.
فأسلوب مخاطبة البصر في التليفزيون يختلف عن أسلوب مخاطبة السمع أو الأذن، كما هو الحال في المذياع فكاتب النص الإذاعي يكتب للأذن فقط معتمدا على العناصر الصوتية كالحوار والمؤثرات الصوتية والموسيقي، ويستطيع أن ينتقل إلى أي مكان في العالم خلالها، ويخلق صورا ذهنية للشخصيات من خلال تحاور الأصوات الذي تكمله المؤثرات الصوتية طبيعية كانت أو مصنوعة، حية أو مسجلة، وغيرها فيختزل الصور المرئية إلى صور مسموعة، بينما كاتب النص التليفزيوني مقيد بعدد من المناظر والمشاهد، وبمساحة "الاستديو" كان الإنتاج المحدودة، وعليه أن يضيف عناصر مرئيـة متعددة تضيف كثيرا من المعاني للنص، فهو ملتزم بتحديد المكان والزمان والحالة الاجتماعية للعصر، وملابس الشخصيات وملامحهم وكل ما يتصل بالأبعاد النفسية والثقافية والاجتماعية، ولهذا فهو مطالب بأن يلم بعناصر التعبير التليفزيوني، كالديكور الذي تجمعه بالنص الدرامي مثلا علاقة واضحة، لأنه أصبح عنصرا هاما من مقومات العرض التليفزيوني، وتوصيل المفهوم إلى جمهور المشاهدين، كما أنه فن مساعد للنص المكتوب، يعاون في خلق الجو النفسي للبرنامج، ويراعي فيه البساطة التامة، والقرب من الواقع ، كما يحدد لنا معالم المكان، فمثلا يكشف الديكور عن وجودنا في غرفة النوم أو في مكتبة أو محل بقالة أو غيرها من الأماكن، وبذلك يعطينا عددا من الحقائق والمعلومات الهامة، كما يكشف عن العصر الذي نعيشه.
كذلك الاكسسوار، وهو مصطلح دارج عن الفرنسية، ويعني مكملات المنظر أو الأدوات التي يتطلبها كالأجهزة والمعدات والفازات والمجوهرات، وغير ذلك مما يلزم عند تصوير المشاهد داخل استديو التليفزيون. وأهمية الاكسسوار أيا كان ثابتا أو متحركا أنه يكشف عن خصائص الشيء التابع لـه سواء كان جزءا من الديكور العام أو تابعا للممثل أو نجم البرنامج كمدرس التليفزيون حينما يستخدم المؤشر في توضيح بعض الأمور في البرنامج التعليمي والرجل المهند الذي يرتدي السيف، أو حينما تستخدم العقود أو النياشين أو التيجان والأختام والحلي، بل وأكثر من ذلك هناك بعض قطع الاكسسوار التي ترتبط بأفعال شخصية معينة بما يساعد على توضيحها.
فالاكسسوار والديكور يلعبان الدور الذي تلبعه الصفات في القصص الروائية، فالقصاص يصف الرجل فيقول رجل مهند، وكاتب النص يظهره متشحا أو متقلدا سيفه، والقصاص يصف المرأة فيقول امرأة غنية وكاتب النص يظهر عليها مظاهر الثراء، كأن تلبس المجوهرات الثمينة، ويقول القصاص غرفة مهملة بينما يظهر عليها كاتب النص علبا فارغة على أرضيتها لتوضح مظاهر الإهمال كما سبق أن أوضحنا عند تناول الخدمات الإنتاجية.
لهذا نلاحظ أن الديكور والاكسسوار يكشفان عن العديد من الصفات لنا العلاقة كالفقر والغنى والنظافة والقذارة والقبح والجمال، وهكذا تتضح بين النص والديكور والاكسسوار وتتضمن إضافة العديد من المعاني إلى مشاهد التليفزيون كالزمان والمكان والشخصيات.
وما يقال عن الديكور والاكسسوار يقال عن الملابس والأزياء التي تعتبر وسيلة من وسائل التعرف على الشخصيات فهي التي تحدد الوطن والجنس والمستوى الاجتماعي ونوع الشخصية، ولها أهميتها البالغة لموضوع النص حيث تساعد في إبراز الموضوع. ولها أهميتها في إظهار انسجام الصورة الحية أو تعارضها مع المشاهد، وتعتبر عنصرا أساسيا من عناصر القصة ذاتها، ولها أثرها النفسي على المشاهد، كما تضفي على الشخصيات الصفات التي يريدها الكاتب كملابس المهرج والبدلة الرسمية لبعض موظفي القطاعات المختلفة كأفراد الجيش والشرطة والطيارين ورجال شركات الطيران والبحارة وعمال المصانع، والأطباء والرياضيين، وملابس الأعمال المتنوعة كملابس عمال النظافة والسيرك والخدم والرياضيين وغيرهم.
وفي بعض الأحيان تلعب الملابس دورا رمزيا في العمل التليفزيوني، ويستطيع صانع الملابس (مصمم الأزياء) أن يخلق مؤثرات سيكولوجية بالغة الدلالة بتطوير شكل ونوع الملبس مع تطوير الشخصية.
وهناك ما يعرف "بالمكياج" Make up، ويقصد به "فن التنكر"، والذي يساعد النص في إبراز الشخصيات حيث يلعب دورا واضحا في إظهار وتجسيد الجانب المادي للممثل أو نجم البرنامج، خاصة وأن الجانب المعنوي يعتمد أساسا على الممثل، وقد يحدد النص الشخصية في صفات معينة، وبالتالي نجد الماكياج يساعد النص في إبراز وتوضيح هذه الصفات التي يجب توافرها في الشخصيات، كتغيير ملامح الوجه، وإظهار الخصائص التي تتطلبها ظروف تمثيل بعض الأدوات الدرامية، وتلوين الشعر بما يوضح العمر الزمني للشخصية.
وللمكياج وظائف وأهداف منها التجميل، وإخفاء العيوب، أو التقبيح، أو إظهار آثار المواقف التي تتعرض لها الشخصيات، كأثر ضربات أو طعنات، وإظهار الملامح المميزة للشخصية، كما يعاون في إظهار بعض الحالات النفسية وتوضيحها في مختلف المواقف، ولهذا يعاون الماكياج في ترجمة وتحويل معلومات النص إلى مصطلحات مرئية أو بصرية Visual Terms أكثر إدراكا وتأثيرا وأسهل فهما واستيعابا.