استنبط سماحة الأستاذ العلامة الطباطبائي من خلال استدلاله بكلمة (أَتِمُّواْ)، استنبط ما يلي: (أَتِمُّواْ) دلالة على أنه[1] واحد بسيط وعبادة واحدة تامة من غير أن تكون مركبة من أمور عديدة كل واحد منها عبادة واحدة، وهذا هو الفرق بين التمام والكمال، حيث إن الأول انتهاء وجود ما لا يتألف من أجزاء ذوات آثار، والثاني انتهاء وجود ما لكل من أجزائه أثر مستقل وحده، قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي[2])، فإن الدين مجموع الصلاة والصوم والحج وغيرها التي لكل منها أثر يستقل به، بخلاف النعمة[3].
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه تم استخدام معنى التمام والإتمام فيما يتعلق بالنعم الإلهية في قوله تعالى: (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ[4])، كما استخدم ذلك أيضاً في موضوع العبادات كالصوم والحج والعُمرة: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ[5])، وفي المسائل والالتزامات الحقوقية:. (فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ[6]).
وهكذا فإن الصيام وبدلالة استخدام كلمة (أَتِمُّواْ) الواردة في الآية الشريفة هو عمل وحداني ومستمر من طلوع الفجر الصادق الى حلول الليل الذي يبدأ بزوال حمرة المشرق والمعروف أن الحمرة المذكورة في جهة الشرق يمكن ان تظهر من لحظة الى اخرى ثم تزول رغم الاعتقاد بأنها نفس الحمرة وأنها تتحرك على امتداد البصر بل لقد أشار البعض الى اتباع الاحتياط والانتظار حتى زوال الحمرة العليا.
ولما كان الصيام عملا وحدانيا ومستمرا فإن كل ما يتعارض مع استمرار العزم من شأنه أن يبطل الصوم وإن كان ذلك بقطع النية أو النية القاطعة على حد قول البعض الا أن العنصر المحوري للحكم المذكور يتمثل في الفرق المذكور بين العزم المستمر والعزم على الاستمرار في العمل فالصيام في العزم المستمر يكون معتبرا مع الحفاظ على الوحدة الشخصية ومن هنا قطع النية مهما كان السبب يفقد الصوم صحته رغم وجود الاختلاف في الكفارة وما شابهها ونوكل تفصيل هذا الموضوع الى علم الفقه الشريف.
ومع حلول الليل ينتهي مفعول الصوم ولن يكون باستطاعة الصائم عقد العزم والنية على الصوم فيه لأن الصيام هو عمل يراد به التقرب والعبادة ولذلك فإن قيام الشخص عن عمد بمثل هذه النية فيوصل وقتا لا يعتبر أوقات الصيام الشرعية مع آخر يعد من أوقات الصيام شرعا يمثل بدعة وحراما من شأنهما أن يبطلا الصوم كله وهذا يشبه عمل من يزيد ركعات الصلاة الرباعية ركعة لتصبح خمس ركعات.
والخلاصة فإنه واستنادا الى البحوث السابقة فإن عبارة (إِلَى الليل) هي غاية لها مفهومها الخاص هما وإن لم تكتسب هذه الغاية مفهوما في الموارد الاخرى لأنها تفيد تعيين الحد وبيانه إذا لا يمكننا القول بأن هذه الاية لا تذكر شيئا عن الصيام في الليل وأنه لا بد من استنباط المفهوم من دليل آخر فكما أنه لا يجوز إدراج ما قبل الفجر ضمن حدود الصيام واعتباره كاليوم في نية الصيام فإن الحكم في نهاية وقت الصوم هو نفسه الذي قيل.
تذكير: لم تشر آية الصيام الى أكثر من ثلاث محرمات يبطلن الصوم وهي الاكل والشرب والجماع لكن هناك محرمات أخرى غير هذه يمكن لها أن تبطل الصوم إلا أن البعض لم يذهب أبعد من المحرمات الثلاثة المذكورة ومنهم أبو مسلم الاصفهاني[7] إلا أن هذه الاقوال والآراء قد أكل عليها الدهر وشرب وانقرضت مع انقراض أصحابها مثل قول البعض بأن المباشرة هي كالأكل والشرب وأنها جائزة حتى بداية الفجر وأن بقاء الصائم جنبا عن عمد حتى بداية الفجر مسموح أو ما قاله الأعمش من أن المباشرة والأكل والشرب جائز حتى طلوع الفجر الى ما قبل شروق الشمس واعتبار طلوع الشمس هو بداية اليوم (وأن انتهاء اليوم يكون بغروب الشمس) وكما أشار الفجر الرازي فإن صلاحية هذه الاقوال قد انتهت وولت ولا فائدة من نقلها أو نقدها[8].
[3] تفسير الميزان: 2 / 48 .
[7] التفسير الكبير: المجلد 3 ، 5 / 110؛ تفسير البحر المحيط: 2 / 58. قال الفخر الرازي في التفسير الكبير: ذهب جمهور المفسّرين إلى أن في أول شريعة محمد ﷺ كان الصائم إذا أفطر حل له الأكل والشرب والوقاع بشرط ألا ينام وألا يُصلي العشاء الأخيرة فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء، ثُمّ إنّ الله تعالى نسخ ذلك بهذه الآية. وقال أبو مسلم الإصفهاني: هذه الحرمة ما كانت ثابتة في شرعنا البتة، بل كانت ثابتة في شرع النصارى، والله تعالى نسخ بهذه الآية ما كان ثابتاً في شرعهم، وجرى فيه على مذهبه من أنه لم يقع في شرعنا نسخ البتة، واحتج الجمهور على قولهم بوجوه: الحجة الأولى: إن قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) يقتضي تشبيه صومنا بصومهم، وقد كانت هذه الحرمة ثابتة في صومهم، فوجب بحكم هذا التشبيه أن تكون ثابتة أيضاً في صومنا، وإذا ثبت أن الحرمة كانت ثابتة في شرعنا، وهذه الآية ناسخة لهذه الحرمة لزم أن تكون هذه الآية ناسخة الحكم كان ثابتاً في شرعنا. الحجة الثانية: التمسك بقوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ) ولو كان هذا الحل ثابتاً لهذه الأمة من أول الأمر لم يكن لقوله أُحِلَّ لَكُم فائدة. الحجة الثالثة: التمسك بقوله تعالى: (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ) ولو كان ذلك حلالاً لهم لما كان بهم حاجة إلى أن يختانون أنفسهم. الحجة الرابعة: قوله تعالى: (فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ) ولولا أن ذلك كان محرماً عليهم وأنهم أقدموا على المعصية بسبب الإقدام على ذلك الفعل، لما صح قوله. (فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ) الحجّة الخامسة: قوله تعالى: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) ولو كان الحــل ثابتاً قبل ذلك كما هو الآن لم يكن لقوله: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) فائدة. الحجة السادسة: هي أن الروايات المنقولة في سبب نزول هذه الآية دالة على أنّ هذه الحرمة كانت ثابتة في شرعنا، هذا مجموع دلائل القائلين بالنسخ.
[8] التفسير الكبير: المجلد 5.3/ 111