فائدة: ذكر الموت
يستّحب كثرة ذكر الموت وما بعده والاستعداد لذلك للمريض والصحيح جميعا؛ لما ورد من انّه لم يكثر ذكر الموت إنسان إلا زهد في الدنيا (1)، وأن من أكثر ذكر الموت أحبّه اللّه (2)، وقال الصادق (عليه السّلام) لأبي بصير: اذكر تقطّع أوصالك في قبرك، ورجوع أحبّائك عنك، إذا دفنوك في حفرتك، وخروج بنات الماء من منخريك، وأكل الدود لحمك، فإنّ ذلك يسلّي عنك ما أنت فيه.
قال أبو بصير: فو اللّه ما ذكرته إلّا سلى عني ما أنا فيه من همّ الدّنيا (3).
وقال (عليه السّلام): اذكر الموت ووحدتك في قبرك، وسيلان عينيك على خدّيك، وتقطّع أوصالك، وأكل الدود من لحمك، وبلاك وانقطاعك عن الدنيا، فإنّ ذلك يحثّك على العمل، ويردعك عن كثير من الحرص على الدنيا (4)، وسئل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): أيّ المؤمنين أكيس؟ فقال: أكثرهم ذكرا للموت، وأشدّهم له استعدادا (5)، وقال (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): أكثروا ذكر الموت؛ فإنّه هادم اللذّات، حائل بينكم وبين الشهوات (6)، بل يكره طول الأمل، وعدّ غد من الأجل؛ لما ورد من أنّ طول الأمل ينسي الآخرة (7)، ولقد أجاد من قال:
تؤمّل من الدنيا طويلا ولا تدري *** إذا جنّ ليل هل تعيش إلى ففجر
فكم من صحيح مات من غير علّة *** وكم من مريض عاش دهرا إلى دهر
وكم من فتى يمسي ويصبح آمنا *** وقد نسجت أكفانه وهو لا يدري
وأنّ الإنسان إذا استحق ولاية اللّه والسعادة جاء الأجل بين العينين، وذهب الأمل وراء الظهر، وإذا استحقّ ولاية الشيطان والشقاوة جاء الأمل بين العينين، وذهب الأجل وراء الظهر (8)، وأنّه ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل (9)، وأنّ من عدّ غدا من أجله فقد أساء صحبة الموت (10)، وفي وصايا النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) لأبي ذر: يا أبا ذر! إذا أصبحت فلا تحدّث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدّث نفسك بالصباح (11)، وورد أنّه لو رأى العبد أجله وسرعته إليه لأبغض العمل من طلب الدنيا (12).
نعم، يكره تمنّي الإنسان الموت لنفسه ولو لضّر نزل به؛ لنهي النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) عن ذلك معّللا بأنّك إن تكُ محسنا تزداد بالبقاء إحسانا، وإن كنت مسيئا فتؤخّر تستعتب، ولا تتمنّوا الموت (13)، وقال (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): لا يتمنى أحدكم الموت لضرّ نزل به، وليقل: «اللّهمّ أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرا لي» (14).
وسمع باب الحوائج (عليه السّلام) رجلا يتمنّى الموت فقال (عليه السّلام): هل بينك وبين اللّه قرابة يحاميك لها؟ قال: لا، قال: فهل لك حسنات تزيد على سيئاتك؟ قال: لا، قال: فإذا أنت تتمنّى هلاك الأبد (15).
ثم إنّ كثرة ذكر الموت وقبح طول الأمل لا ينافيان كراهة الإنسان الموت، فإنّ ذلك مقتضى جبلته، ولذا قال اللّه تعالى فيما قال للنبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) لمّا أسري به: ما تردّدت في شيء أنا فاعله كتردّدي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته (16).
وقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): شيئان يكرههما ابن آدم؛ الموت، والموت راحة المؤمن من الفتنة، ويكره قلّة المال، وقلة المال أقل للحساب (17).
وقيل للصادق (عليه السّلام): أصلحك اللّه، من أحبّ لقاء اللّه أحبّ اللّه لقاءه، ومن أبغض لقاء اللّه أبغض اللّه لقاءه؟ قال (عليه السّلام): نعم، قيل: فو اللّه إنّا لنكره الموت، قال: ليس ذلك حيث تذهب، إنّما ذلك عند المعاينة إذا رأى ما يحب، فليس شيء أحب إليه من أن يتقدّم واللّه تعالى يحبّ لقاءه، وهو يحب لقاء اللّه حينئذ، وإذا رأى ما يكره فليس شيء أبغض إليه من لقاء اللّه، واللّه يبغض لقاءه (18).
ثم إنّه لا بأس بالفرار من محلّ الطاعون والوباء ونحوهما من الأمراض العامّة المعروف سرايتها، للإذن في ذلك عن أئمّة الهدى (عليهم السّلام)، ونهي النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) عن الفرار وجعله له كالفرار من الزحف قضّية في واقعة كان لازم تجويز الفرار من هناك خلوّ مراكز المسلمين من المجاهدين والمدافعين، وإلّا فلا مانع من الفرار فرارا من الخوف (19)، بل قد يجب إذا وصل خوف البقاء إلى حدّ يخاف منه الضرر على النفس (20).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكافي: 3/255 باب النوادر حديث 18.
(2) وسائل الشيعة: 2/649 باب 23 حديث 2، عن أصول الكافي.
(3) الكافي: 3/255 باب النوادر حديث 20.
(4) وسائل الشيعة: 2/650 باب 23 حديث 7، عن أمالي الشيخ الطوسي.
(5) الكافي: 3/257 باب النوادر حديث 27 آخر الحديث.
(6) وسائل الشيعة: 2/650 باب 73 حديث 9.
(7) الخصال: 1/51 أخوف ما يخاف على الناس خصلتين حديث 2، بسنده عن أمير المؤمنين (عليه السّلام)، عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) أنّه قال - في كلام له -: العلماء رجلان، رجل عالم أخذ بعلمه فهذا ناجٍ، ورجل عالم تارك لعلمه فهذا هالك، وإنّ أهل النارّ ليتأذّون بريح العالم التارك لعلمه، وإنّ أشدّ أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبدا إلى اللّه (عزّ وجلّ) فاستجاب له وقبل منه وأطاع اللّه (عزّ وجلّ) فأدخله اللّه الجنّة، وأدخل الداعي النار بتركه علمه واتّباعه الهوى، ثم قال أمير المؤمنين (عليه السّلام) ألا إنّ أخوف ما أخاف عليكم خصلتين: اتّباع الهوى وطول الأمل، أمّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحق، وطول الأمل ينسي الآخرة.
(8) الكافي: 3/257 باب النوادر حديث 27.
(9) الكافي: 3/259 باب النوادر حديث 30.
(10) الكافي: 3/259 باب النوادر حديث 30 قريب منه.
(11) مستدرك وسائل الشيعة: 1/88 باب 18 حديث 4.
(12) الكافي: 3/259 باب النوادر حديث 30 آخر الحديث.
(13) وسائل الشيعة: 2/259 باب 32 حديث 1، عن أمالي الشيخ الطوسي.
(14) المنتهى للعلامة الحلي: 425، ووسائل الشيعة: 2/259 باب 32 حديث 2.
(15) كشف الغمّة: 3/61 ذكر دلائل الإمام أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السّلام).
(16) وسائل الشيعة: 2/644 باب 19 حديث 1، عن أصول الكافي.
(17) الخصال: 1/74 خصلتان يكرههما ابن آدم حديث 115.
(18) الكافي: 3/134 باب ما يعاين المؤمن والكافر حديث 12.
(19) وسائل الشيعة: 2/645 باب 20 حديث 1، بسنده عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سألت عن الوباء يكون في ناحية المصر فيتحوّل الرجل إلى ناحية أخرى، أو يكون في مصر فيخرج منه إلى غيره؟ فقال: لا بأس، إنّما نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم) عن ذلك لمكان ربيئة كانت بحيال العدو فوقع فيهم الوباء فهربوا منه، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلّم): الفارّ منه كالفار من الزحف، كراهية أن يخلو مراكزهم.
(20) لا خلاف في وجوب حفظ النفس وحرمة التفريط بها والمخاطرة بها إلّا في موارد خاصّة قام الدليل على الجواز أو الوجوب، كالدفاع عن المسلمين أو عن النفس والعرض.