الصدق في العقيدة والاخلاق والعمل
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القرآن الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص126-128
2026-06-08
35
لا ريب في أن الابرار صادقون في عقيدتهم وأخلاقهم وأفعالهم: (أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا) ولم يذكر الله سبحانه أن صدق هؤلاء محصور بفعل معين أو عمل محدد فهذا الاطلاق المستخدم في الاية الشريفة يدل عل صدق أولئك الابرار في كل شؤونهم وأمورهم. والصدق المعروف هو نقيض الكذب وهو وصف لكلام المتحدث وشرط من شروطه المتعلقة بالأخبار وهذا قابل للصدق أو الكذب وهذا النوع لا يشمل العقائد والأخلاق والكلام الانشائي كالوعد والعهد لأن كل هذه لا يمكن اعتبارها كذبا أو صدقا. والمقصود بالصدق في الاية الشريفة هو الصدق الكامل والشامل وليس الصدق في القول وحسب. فأما القرينة الاولى الخاصة بعمومية الصدق وشموليته فهي عدم ذكر الاية لخصوصية بحديث معين أو كلام دون آخر ثانيا تم مدح الموصوفين بصفة الصدق ب الابرار بعد بيان الامور العقائدية والمسائل الاخلاقية والأحكام الفقهية والحقوقية والعملية وعلى هذا فلا بد من بناء صريح الايمان والأخلاق والعمل على اساس صادق غير مشوب بالكذب ويعتبر الصدق في الحديث مظهرا من مظاهر الصدق الجامع وهناك بعض الايات القرآنية الدالة كذلك على عدم اقتصار بالحديث فقط مثل قوله تعالى: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ[1])، وقوله سبحانه (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَرِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَعَلَيْهِ[2]) والصدق في الوعد والعهد المنسوب في هذه الاية الى الشهداء والمقاتلين الابطال في سوح القتال[3] وهذا لا يمت بأية صلة بالصدق في الحديث بل هو تصوير لنموذج من الصدق في العمل ومثال للوفاء بالعهود والالتزام بالوعود وهذه الثلة من المؤمنين الشهداء والمقاتلين المرابطين محبوبة عند الله سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ[4])وفي مقابل هؤلاء يقف الافراد الذين يقولون ما لا يفعلون أو الذين تعهدوا بالثبات والاستقامة لكنهم يخلون ساحة القتال حين البأس وهؤلاء مقوتون عند الله مطرودون من رحمته: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ[5]) ومن الواضح أن المخاطبين في هذه الاية الشريفة هم بعض المسلمين من ضعاف الايمان وليس والمنافقين بدليل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فالمنافق يتفوه بما لا يؤمن به أما هؤلاء الذي عناهم الله سبحانه فهم ضعاف الايمان من المسلمين الذين يقولون ولا يفعلون وقد بين الله تعالى مقدار مقته وغضبه على من لا يفعل بمقدار ما يقول ويطلب من الاخرين القيام بذلك الفعل بدلا منه: (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن من لم يكن صادقا في عمله فهو من المغضوب عليهم.
وأما ما ورد في حق سيدنا إسماعيل عليه السلام من أنه كان (صَادِقَ ٱلْوَعْدِ[6]) فهو إشارة الى ضرورة أن يفي كل انسان بوعده الذي قطعه على نفسه والعمل بموجب ذلك الوعد والصدق في الوعد هو الوفاء به وإلا فالوعد هو مجرد انشاء وليس خبرا ليكون صادقا أو كاذبا ليوصف بالتالي بأنه صادق أو كاذب فكلمة الصدق أو الكذب هي صفة الخبر أما (الصادق) و(الكاذب) فهما معا وصف للمخبر فلا الانشاء قابل للصدق والكذب ولا المنشئ صادق أو كاذب.
[3] روض الجنان: 15 / 380؛ التفسير الكبير: المجلد 13، 25 / 204.
[6] قال الصدوق قدس سره في كتابه علل الشرائع: 1/77 باب العلة التي من أجلها سمي اسماعيل بن حزقيل عليه السلام صادق الوعد: عن سليمان الجعفري عن أبي الحسن الرضا عليه السلام: قال: أتدري لم سمي إسماعيل صادق الوعد ؟ قال ": قلت لا أدري قال عليه السلام: وعد رجلا فجلس له حولا ينتظره وقال السيد نعمة الله الجزائري في (النور المبين في قصص الانبياء والمرسلين: 357): وأما اسماعيل الذي سماه الله {صادق الوعد} فقال فيه: (وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ) [مريم: 54] معاني الاخبار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن اسماعيل .... لم يكن بن إبراهيم عليهما السلام بل كان نبيا من الانبياء بعثه الله عز وجل الى قومه فأخوذه وسلخوا فروة رأسه ووجهه فأتاه ملك فقال: إن الله جل جلاله بعثني اليك فمرني بما شئت فقال: لي أسوة بما يصنع بالحسين عليه السلام وفي قصص الانبياء عن الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله ﷺ: إن أفضل الصدقة صدقة اللسان تحقن به الدماء وتدفع به الكريهة وتجر المنفعة الى أخيك المسلم ثم قال ﷺ إن عابد بني إسرائيل الذي كان يسعى في حوائج الناس عند الملك وأنه لقي اسماعيل بن حزقيل فقال له: لا تبرح حتى أرجع اليك يا اسماعيل فأبقى عن الملك فبقي إسماعيل الى الحول هناك فأنبت الله لإسماعيل عشبا فكان يأكل منه وأجرى له عينين وأظله بغمام فخرج الملك بعد ذلك الى التنزه ومعه العابد فرأى اسماعيل فقال: انك لهاهنا يا إسماعيل ؟ فقال له: قلت لا تبرح فلم أبرح فسمي (صَادِقَ ٱلْوَعْدِ).
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة