إذا كان محل النزاع ما ذكرنا من إدراك العقل حسن الفعل أو قبحه بالنظر إلى ذاته مع غض النظر عما يترتب عليه من التوالي ، فيقع الكلام في أنّ العقل كيف يقضي بالحسن والقبح ، وما هو الملاك في قضائه؟ إنّ الملاك لقضاء العقل هو أنه يجد بعض الأفعال موافقا للجانب الأعلى من الإنسان والوجه المثالي في الوجود البشري ، وعدم موافقة بعضها الآخر لذلك.
وإن شئت قلت : إنّه يدرك أنّ بعض الأفعال كمال للموجود الحي المختار ، وبعضها الآخر نقص له ، فيحكم بحسن الأول ولزوم الاتصاف به ، وقبح الثاني ولزوم تركه. ولو عمّم الطبع ـ فيما ذكرنا من الملاكات ـ لهذا المعنى أي الطبع الأعلى في الإنسان ، لكان هذا المعنى داخلا في لملاك الأول.
توضيح ذلك : إنّ الحكماء قسموا العقل إلى عقل نظري وعقل عملي ، فقد قال المعلم الثاني : «إنّ النظرية هي التي بها يحوز الإنسان علم ما ليس من شأنه أن يعمله إنسان ، والعملية هي التي يعرف بها ما من شأنه أن يعمله الإنسان بإرادته».
وقال الحكيم السبزواري في توضيحه : «إنّ العقل النظري والعقل العملي من شأنهما التعقّل ، لكن النظري شأنه العلوم الصرفة غير المتعلقة بالعمل مثل : الله موجود واحد ، وأنّ صفاته عين ذاته ، ونحو ذلك. والعملي شأنه العلوم المتعلقة بالعمل مثل : «التوكّل حسن» و «الرضا والتسليم والصبر محمودة». وهذا العقل هو المستعمل في علم الأخلاق ، فليس العقلان كقوتين متباينتين أو كضميمتين ، بل هما كجهتين لشيء واحد وهو الناطقة» (1).
ثم ، كما أنّ في الحكمة النظرية قضايا نظرية تنتهي إلى قضايا بديهية ، ولو لا ذلك لعقمت القياسات وصارت غير منتجة ، فهكذا في الحكمة العملية ، قضايا غير معلومة لا تعرف إلّا بالانتهاء إلى قضايا ضرورية ، وإلّا لما عرف الإنسان شيئا من قضايا الحكمة العملية. فكما أنّ العقل يدرك القضايا البديهيّة في الحكمة النظرية من صميم ذاته فهكذا يدرك بديهيات القضايا في الحكمة العملية من صميم ذاته بلا حاجة إلى تصور شيء آخر.
مثلا : إنّ تصديق كلّ القضايا النظرية يجب أن ينتهي إلى قضية امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما ، بحيث لو ارتفع التصديق بها لما أمكن التصديق بشيء من القضايا ، ولذا تسمى ب «أمّ القضايا» وذلك كاليقين بأنّ زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين ، فإنّه لا يحصل إلّا إذا حصل قبله امتناع صدق نقيض تلك القضية ، أي عدم مساواتها لهما. وإلّا فلو احتمل صدق النقيض لما حصل اليقين بالنسبة. ولأجل ذلك اتفقت كلمة الحكماء على أن إقامة البرهان على المسائل النظرية إنما تتم إذا انتهى البرهان إلى أمّ القضايا التي قد عرفت.
وعلى ضوء هذا البيان نقول : كما أنّ للقضايا النظرية في العقل النظري قضايا بديهية أو قضايا أوليّة تنتهي إليها ، فهكذا القضايا غير الواضحة في العقل العملي ، يجب أن تنتهي إلى قضايا أولية وواضحة عنده بحيث لو ارتفع التصديق بهذه القضايا في الحكمة العملية لما صح التصديق بقضية من القضايا فيها.
فمن تلك القضايا البديهية في العقل العملي ، مسألة التحسين والتقبيح العقليين الثابتين لجملة من القضايا بوضوح ، مثل قولنا «العدل حسن» و «الظلم قبيح» و «جزاء الإحسان بالإحسان حسن» و «جزاؤه بالإساءة قبيح».
فهذه القضايا قضايا أوليّة في الحكمة العملية والعقل العملي يدركها من صميم ذاته ومن ملاحظة القضايا بنفسها. وفي ضوء التصديق بها يسهل عليه التصديق بما يبنى عليها في مجال العقل العملي من الأحكام غير البديهية ، سواء أكانت مربوطة بالأخلاق أولا ، أم تدبير المنزل ثانيا ، أم سياسة المدن ثالثا ، التي يبحث عنها في الحكمة العملية.
ولنمثل على ذلك : إنّ العالم الأخلاقي يحكم بلزوم تكريم الوالدين والمعلمين وأولي النعمة ، وذلك لأنّ التكريم من شئون جزاء الإحسان بالإحسان ، وهو حسن بالذات ، والإهانة لهم من شئون جزاء الإحسان بالإساءة وهو قبيح بالذات.
والباحث عن أحكام تدبير المنزل يحكم بلزوم القيام بالوظائف الزوجية من الطرفين وقبح التخلف عنها ، ذلك لأن القيام بها قيام بالعمل بالميثاق ، والتخلف عنها تخلف عنه ، والأول حسن بالذات والثاني قبيح بالذات.
والعالم الاجتماعي الذي يبحث عن حقوق الحاكم والحكومة على المجتمع يحكم بأنّه يجب أن تكون الضرائب معادلة لدخل الأفراد ، وذلك لأن الخروج عن تلك الضابطة ظلم على الرعيّة وهو قبيح بالذات.
وقس على ذلك كلّ ما يرد عليك من الأبحاث في الحكمة العملية ، سواء أكانت راجعة إلى الفرد (الأخلاق)، أو إلى المجتمع الصغير (البيت) ، أو إلى المجتمع الكبير (السياسة). فكل ما يرد فيها ويبحث عنه الباحثون ، بما أنّه من شئون العقل العملي ، يجب أن ينتهي الحكم فيه إيجابا وسلبا ، صحة وبطلانا إلى القضايا الواضحة البديهية في مجال ذلك العقل.
إلى هنا انتهينا إلى أنّه يجب انتهاء الأحكام غير الواضحة ابتداء في مجال العقلين (النظري والعملي) إلى أحكام بديهية مدركة ابتداء بلا مئونة شيء منهما. وذلك دفعا للدور والتسلسل الذي استند إليه علماء المنطق والحكمة في القسم الأول ، أي الحكمة النظرية. والدليل واحد سار في الجميع.
إذا عرفت ما ذكرنا ، يقع الكلام في أمر آخر وهو تعيين الملاك لدرك العقل صحة القضايا البديهية أو بطلانها في مجال العقلين ، فنقول :
إنّ الملاك في مجال العقل النظري عبارة عن انطباق القضية مع التكوين وعدم انطباقها ، فالعقل ، يدرك من صميم ذاته أن اجتماع النقيضين شيء غير متحقق في الخارج ، وأنّه لا يمكن الحكم بكون شيء موجودا وفي الوقت نفسه الحكم بكونه معدوما ، يدرك ذلك بلا حاجة إلى تجربة واستقراء.
وأما الملاك في العقل العملي فهو عبارة عن درك مطابقة القضية وملاءمتها للجانب المثالي من الإنسان غير الجانب الحيواني ، أو منافرتها له.
فالإنسان بما هو ذو فطرة مثالية ، يتميز بها عن الحيوانات ، يجد بعض القضايا ملائمة لذلك الجانب العالي أو منافية له. فيصف الملائم بالحسن ولزوم العمل ، والمنافي بالقبح ولزوم الاجتناب. ولا يدرك القضايا بهذين الوصفين لشخصه فقط أو لصنف خاص من الإنسان أو لكل من يطلق عليه الإنسان ، بل يدرك حسن صدورها أو قبحه لكل موجود عاقل مختار سواء وقع تحت مظلة الإنسانية أو خارجها. وذلك لأن المقوم لقضائه بأحد الوصفين نفس القضية بما هي هي من غير خصوصية للمدرك. فهو يدرك أنّ العدل حسن عند الجميع ومن الجميع ، والظلم قبيح كذلك ، ولا يختص حكمه بأحدهما بزمان دون زمان ولا جيل دون جيل.
____________
(1) تعليقات الحكيم السبزواري على شرح المنظومة ، ص 310.