

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
فلسطينُ في العَصرِ الحجَريِّ القَدِيم (الباليوليت) 500000–19000ق.م.
المؤلف:
خزعل الماجدي
المصدر:
تاريخ القدس القديم
الجزء والصفحة:
ص 22 ــ 34
2026-04-21
66
يُشكِّلُ العصرُ الحجَريُّ القديم (الباليوليت) الجزءَ الأعظمَ من العصور الحجرية، وينقسمُ إلى ثلاث فتراتٍ مميزة هي:
(1) الباليوليت الأدنى (500000–100000ق.م.)
(2) الباليوليت الأوسط (100000–40000ق.م.)
(3) الباليوليت الأعلى (40000–19000ق.م.)
(1) الباليوليت الأدنى (500000–100000ق.م.)
تتميزُ فترةُ الباليوليت الأدنى — والتي بدأت منذ نصف مليون سنة — بظهور الإنسان المنتصبِ القامة Homo erectus وهو أرقى من سلَفه، الإنسان الماهر، والذي ظهر في العصر الحجريِّ السحيق. والإنسانُ المنتصبُ القامة له قامةٌ مستقيمةٌ متوسطةُ الطول، وله دماغٌ متطور، وكان يصنعُ أدواتِهِ الحجريةَ والعَظميَّةَ والخشبيةَ عن سابق تصوُّرٍ ومعرفةٍ ليجعلَها تناسبُ حاجاتِه في صيد الحيواناتِ وحفرِ الأرضِ والصخورِ وقطعِ الأشجار.
وفي فلسطين أظهرتِ الحفرياتُ أن هذا الإنسانَ عاش أيضًا على جانبَي نهرِ الأردن، ومن مواقعه المعروفةِ موقعُ العُبيدية، وموقعٌ قُربَ بيتِ لحمٍ وموقعُ جسرِ بناتِ يعقوب، وموقعٌ يقع على مَقربةٍ من بحيرة الحولة، في وادي قطنة في الجنوب، وفي مغارة الطابون في جبل الكرمل وغيرها على الساحل.
وفي موقع العُبيديةِ عُثِر على هيكلٍ عَظميٍّ للإنسان — المُنتصبِ القامة — يعودُ تاريخُه إلى حوالَي 700000 سنة (1).
وإذا كان الباليوليت الأدنى في أوروبا قد شهد ظهورَ أربعِ ثقافاتٍ متميزةٍ فيه هي «الأبفيلية، الكلاكتونية، الآشولية، اللفلوازية» فإن الباليوليت الأدنى في فلسطين وبلاد الشام عمومًا قد شهد ظهورَ هذه الثقافاتِ جميعِها باستثناء اللفلوازية، التي ظهرَت ثقافةٌ محليةٌ موازيةٌ لها، في فلسطين، هي الثقافة التياسية.
شكل 4: أولى هجرات الإنسان القديم في عصور الباليوليت الأسفل من أفريقيا إلى القارات الأخرى، فلسطينُ وآثار سخول والقفزة.
شكل 5: جمجمة الإنسان المنتصب محفوظة في جامعة ميتشجان، متحف العلوم الطبيعية. تم العثور على أدلة على الإنسان المُنتصِب في تل العبيدية، جنوب بحيرة طبريَّا. https://ancient-world-project.nes.lsa.umich.edu/image-database/items/show/335
الثقافة الآشولية أنتجَت الفئوسَ اليدويةَ من قِبل الإنسانِ المنتصبِ القامة.
«وبشكلٍ عامٍّ فإن إنسان الباليوليت الأدنى المنتصبَ القامة كان أولَ الأجناسِ البشريةِ ذاتِ الدماغِ الكبيرِ التي احتلَّت الشرقَ الأدنى القديم بالتدريج، وعاش متنقلًا في أودية الأنهار والمناطق الساحلية، وكان أولَ من تكيَّف وَفْقَ المناخِ المعتدلِ والمناخِ البارد» (2).
صَنَع الإنسانُ المنتصبُ القامة، في فلسطين، أدواتِه الحجريةَ المكوَّنةَ من الفئوسِ اليدويةِ والمقاشطِ والسواطيرِ والمطارقِ والبلطات. وكان يستعملُها كأسلحةٍ لقتل الحيوانات أو لقطع الأشجار أو للدفاع عن النفس.
مغارة الطابون حوالي 24 كيلومترًا إلى الجنوب من حيفا، تُوثِّق 500000 سنة من التاريخ البشريِّ. وهي مغارةٌ فريدةٌ من نوعها؛ لأنها تمثِّل، خطوةً بخطوةٍ، تاريخَ البالبوليت الأسفل وكيفيةَ تغييرِ استخدامِ النارِ في الكهف. وقد عُثر على أدواتٍ حجريةٍ رافقَت اكتشافَ النار — تعود إلى حوالي 350000 من الآن.
ظهرَت آثارُه في موقع العُبيدية، وعلى مقرُبةٍ من بحيرة الحولة، وفي وادي قطفة في الجنوب، وفي مغارة الطابون في جبل الكرمل، وغيرها على الساحل. وعُثر على عظام فخذٍ لإنسانِ الهومواركتوس ﻓﻲ موقع جسر بنات يعقوب. يتراوح عمرها بين 600000–100000 سنة قبل الآن، وهناك بقايا أخشابٍ متحجِّرة وأدواتٍ خشبية.
شكل 6: حجر الصوَّان يشكِّل حفرةً دائريةً تكونُ «وعاء، غطاء» لموقد نار ما قبل التاريخ في مغارة الطابون. http://www.sciencemag.org/news/2014/12/israeli-cave-offers-clues-about-when-humans-mastered-fire
شكل 7: جمجمة مرمَّمة لإنسان الباليوليت الأدنى حوالي 350000 سنة من الآن. http://popular-archaeology.com/issue/winter-2015-2016/article/new-early-human-site-discovered-in-israel
وعُثر في مغاوره وكهوفه على ما يشير إلى أنه اصطاد وأكل لحوم الماعز والبقر والغزال. وفي مغارة الطابون «عُثر على قِطع فحمٍ أرجعها العلماء إلى نحو (150000) سنة، وهناك قطعٌ أخرى ترجع إلى الدور الأخير من العصر الحجريِّ القديم، اكتُشفَ في مغارة الوادي (قرب الطرَف الغربي للكرمل)، وهذا يدُل على أن إنسان فلسطين قد عرف النار» (3).
ويبدو أن هذا الإنسانَ الفلسطينيَّ المنتصبَ القامةِ سكن في الكهوف، خصوصًا في جبل الكرمل وأم قطفة (شمال غرب البحر الميت) وفي موقع الزطية (شمال غرب بحيرة طبرية) ليُجَنِّبَ نفسَهُ عواملَ الطبيعةِ القاسية، ثم نزل إلى السهول والمنخفضات حيث تجري الأنهارُ وتنبتُ النباتات، وهناك بنى الأكواخ البسيطة البدائية. وقد أظهرَت حَفْريات 1962م،
شكل 8: مواقعُ الباليوليت الأسفلِ في فلسطين.
التي قام بها ستيكليس Stekelis أن القِسمَ الأعلى من وادي رفائيم في القدس المسمَّى أيضًا «بكة» في الحي الإغريقي جنوب غرب وادي هنوم ثلاثُ طبقات، والطبقتانِ الثانيةُ والثالثةُ تحتويانِ على فئوسٍ يدويةٍ ونِصَالٍ وأدواتٍ حجريةٍ باليوليتية تعود إلى العصر الأبيفيلي أو الأشولي المبكِّر (4).
ظهر اكتشافُ أشباهِ البشر (الإنسان المبكِّر)؛ في موقعٍ استيطاني قربَ نيشر الرملة، وهو الاستيطانُ البشريُّ في أوقات العصر الحجريِّ القديمِ الأوسط (حوالي 300000–50000 سنة قبل الآن.)
وعلى الرغم من أن نوع الإنسان لم تُعرَفْ هُويتُه حتى الآنَ، فقد شهدَت هذه الفترةُ الزمنيةُ أنشطةَ كلِّ إنسانِ نياندرتال والبشر المعاصرينَ في وقتٍ مبكِّر. وكانت القِطعُ الأثريةُ الحجريةُ من التقليد الموستيري Mousterian وشملَت النوى الليفالوازية، والرقائق، والنقاط.
(2) الباليوليت الأوسط (100000–40000ق.م.)
إذا كان الباليوليت الأوسطُ في أوروبا متميزًا بفعل ظهور إنسانِ النياندرتال، فإنه في فلسطين تحديدًا يغدو أكثرَ تميُّزًا بفعل ظهورِ نوعَين من البشر هما:
(1) إنسانُ النياندرتال Homo Neanderthalensis.
(2) الإنسانُ القديمُ الفلسطيني Paleo-anthropuspalaestiniensis.
وإذا كان إنسانُ النياندرتال الأوروبيُّ قد أنجز ثقافتَي اللفلوازية الموستيرية والموستيرية في الباليوليت الأوسط، فإن نياندرتال فلسطين أنجز نمطًا خاصًّا متطورًا من الثقافة اللفلوازية سُمِّيَت ﺑ «الثقافة الطابونية» (نسبةً إلى مغارة طابون في جبال الكَرْملِ الجنوبية الغربية). أمَّا الإنسانُ القديمُ الفلسطينيُّ فقد أنجز بامتيازٍ الثقافةَ الموستيرية في الشرق الأدنى.
وتمتاز الثقافة اللفلوازية الموستيرية بالأدوات الحجَرية المصنوعة من الشظايا المصقولة، أمَّا الثقافةُ الموستيرية فتمتازُ بالفئوسِ اليدويةِ على هيئة القلبِ وبالمِثْقاب.
إن ظهورَ الإنسانِ القديمِ الفلسطينيِّ الذي يُعرَفُ أيضًا ﺑ «الجليليِّ» — بسبب ظهورِ معظمِ آثارِه في منطقة الجليل — يُعَدُّ أمرًا مُحيرًا ونادرًا في أحداث العصرِ الحجريِّ القديم؛ فقد انفردَت فلسطينُ دون غيرها، بظهور إنسانٍ متطورٍ يشبِهُ الإنسانَ العاقلَ ويسبقُهُ زمنيًّا، وهو ما جعلَ حضارةَ فلسطين في الباليوليت الأوسطِ متميزةً جدًّا عن مثيلاتها في الشرق الأدنى وأوروبا معًا.
كان الإنسانُ القديمُ الفلسطينيُّ (الجليليُّ) قصيرَ القامةِ بالنسبة إلى الإنسانِ العاقل، ويحملُ على كتفَيه العريضتَين جمجمةً كبيرةً مستطيلة، عَظمُها سميكٌ وصدفَتا العينَين واسعتان تَحُفُّ بهما نتوءاتٌ بارزة. أما الأنفُ فمُسَطَّح، وعظامُ الحنَكِ نافرةٌ صُلبة، والأسنانُ كبيرة، وفي الحنَكِ الأسفلِ ذقنٌ صغيرٌ واضح، والصدرُ واسع، والعضلاتُ ضخمة، وهو ما يعطيه قوةً جسديةً كبيرة، واليدانِ كبيرتان، لكنَّ عظامَ الأصابعِ محدَّدةُ الحركة. والفخذُ عندَه أقصرُ من الساق، والظهر يميل إلى الانحناء نحوَ الأمام؛ حيث يبقى الرأسُ مائلًا في هذا الاتجاه (5).
أما الأماكنُ التي عُثر فيها على الهياكل العَظميَّة لهذا الإنسانِ فهي:
(1) مغاورُ جبالِ الجليلِ في وادي العمود (الزطية والأميرة).
(2) مغاورُ جبالِ الكَرْمَل (السخول والطابون).
(3) مغارة القفزة قرب الناصرة.
ويعتقد العلماء أن الإنسانَ القديمَ الفلسطينيَّ ينتمي لما يُسمَّى ﺑ «الأشكال الوسيطة» التي لا تتوافقُ مع الأنماط الفيزيقيةِ لإنسانِ النياندرتال أو الإنسانِ العاقل. وقد تمَّ الكشفُ عنها في أوروبا (يوغسلافيا) والشرق الأدنى (فلسطين) وأفريقيا (المغرب وإثيوبيا وجنوب أفريقيا) (6).
شكل 9: أماكنُ وجودِ بقايا الإنسانِ في الباليوليت الأوسطِ في فلسطين. http://bcrfj.revues.org/3272
شكل 10: مواقع الباليوليت الأوسط في المشرق القديم. Levantine Middle Paleolithic sites.
ويرى فاندرميرش أن الإنسانَ القديمَ الفلسطينيَّ يرتبطُ بجنس «كرومانيون» أكثر من ارتباطه بإنسانِ «نياندرتال» مما قد يعني أنه كان أساسًا لجزءٍ كبيرٍ من سكان أوروبا الغربية بعد سنة 35000 تقريبًا قبل وقتنا الحاضر، وكِلا الإنسانَين — إنسانِ كرومانيون وإنسانِ فلسطين — ينتمي إلى جماعةٍ تُعرَفُ الآنَ باسمِ الإنسانِ العاقل (7).
إن هذا يعني بوضوحٍ أن حضارةً مبكرةً ذاتَ قيمةٍ عاليةٍ ستنسجُ خيوطَها في فلسطين، وستكونُ هذه الحضارةُ البعيدةُ الزمنِ قاعدةً صُلبةً لما ستتواتر عليه العصورُ القادمةُ وصولًا إلى الحضارتَين الكبارية والنطوفية، اللتَين سيُنجزُهما الإنسانُ العاقلُ في فلسطين في العصر الوسيط.
وهكذا نجدُ أن ثَمَّةَ علاقةً وشيجةً بينَ الباليوليت الأوسطِ والعصرِ الوسيط (الميزوليت) في فلسطين أساسُها الإنسانُ العاقلُ بنوعَين؛ المبكِّر (الإنسانِ القديمِ الفلسطيني) والمتأخِّر (الإنسانِ العاقلِ الفلسطيني).
تنحَصر، بشكلٍ عام، إنجازاتُ إنسانِ الباليوليت الأوسطِ في فلسطين في قدرتِه على التكيُّف مع الطبيعةِ بشكلٍ أفضل؛ فقد ارتدى الجلود، وطوَّر الإفادةَ من النار، وهيَّأ لها المواقدَ في الكهوف، ووسَّع من استخدامها، وكان صيادًا ماهرًا؛ فقد استطاعَ إنسانُ النياندرتال دفنَ موتاه مما يعبِّر عن أوَّلِ المشاعرِ الدينيةِ التي وجَدَت صدَاها في احترام الجسدِ البشريِّ واحتمالِ ذهابِه إلى عالَمٍ آخَر مُرفَقًا بالأدوات الحجريةِ والأطعمةِ والحيواناتِ المقدسةِ عند الإنسان، فعَمَد إلى صبغ جسده بالألوان، وظهرَت معتقداتُه الروحيةُ أيضًا في دفن الجماجم بصورةٍ مستقلَّة عن أجسادها، مما يعكسُ اهتمامًا بإمكانية احتوائِها على الروح.
وإذا كانتِ المنجَزاتُ التي تحدَّثْنا عنها أعلاه قد أُنجِزَت من قِبل النياندرتال الفلسطينيِّ بشكلٍ خاص، فإنَّ إنجازاتِ الإنسانِ القديمِ الفلسطيني ما زالت قَيْد الدرسِ والبحثِ والتمحيص. لكنَّ السؤالَ الذي يبرُز أمامَنا واضحًا هو عن مصيرِ هذا الإنسانِ وكيفيةِ اختفائِه من على مسرح الباليوليت الأوسط. وفي هذا الصدَد وضَع العلماءُ أربعَ نظرياتٍ لِمَا آل إليه مصيرُ الإنسانِ القديمِ الفلسطينيِّ مع اقترابِ الباليوليت الأعلى، وهي:
(1) أنه تطوَّر تدريجيًّا ليتحولَ نهائيًّا إلى الإنسان العاقل بسبب قُدرتِه الحضاريةِ الفائقة، وتطوُّرِه العقلي، ووضوح تطوُّرِ حضارتِه المادية، وإضافاتِه التقنيةِ على صناعة الأحجار.
(2) أنه ذاب في جنس الإنسان العاقل عن طريق التزاوُج معه، والاندماج مع سُلالته.
(3) أنه انقرضَ نهائيًّا بسبب انقطاع ظهوره في العصور اللاحقة.
(4) أنه انتقَل إلى أوروبا، وربما تزاوَج مع إنسانِ النياندرتال المحليِّ وقضى عليه، واحتَل مكانَه.
ورغم أن هذه النظرياتِ الأربع قائمةٌ كلُّها، من حيث الاحتمال، إلا أن النظريةَ الأولى والنظريةَ الثانية هما الأرجحُ في هذه الاحتمالات.
الباليوليت الأعلى (40000–19000ق.م.)
بظهور الإنسان العاقل Homo Sapiens انتهى الباليوليتُ الأوسطُ في حدود 40000ق.م. وبذلك يكون الجدُّ الأعلى للإنسانِ الحاليِّ قد ظهر وساد وجهَ الكرةِ الأرضية. ومع ظهوره دخلَت حضارةُ الإنسانِ في منعطفٍ جديدٍ ما زلنا إلى يومنا هذا نقطُف ثمارَه الحضارية. وإذا كان الباليوليت الأوسط مزدهرًا في الشرق الأدنى بشكلٍ خاص، فإن الباليوليت الأعلى شهد في بدايته حدوثَ تغيُّرٍ مُناخيٍّ جَذريٍّ اضطَر الإنسان، في الشرق الأدنى وأفريقيا، إلى الهجرة باتجاه أوروبا، وانتقال حضارته إلى هناك، وهو ما سبَّب جَدْبًا حضاريًّا واضحًا في أصقاع الشرق الأدنى وأفريقيا، وصعودًا حضاريًّا في أوروبا.
يُطلِق العلماء على الأزمة المُناخية، في الشرق الأدنى، ﺑ «أزمة الحيوان»، والتي اضطَرَّت الحيوانات غريزيًّا إلى الهجرة شمالًا باتجاه أوروبا، جارَّةً معها الإنسانَ الذي كان مرتبطًا بها وبوفرة النباتات والمياه على أرضه.
وهكذا رحَل أو انقرَض أو تطوَّر إنسانُ فلسطين القديم، وظهر مكانَه الإنسانُ العاقلُ الذي كيَّف نفسَه لمُناخٍ صعبٍ جديدٍ في أرضه، واستطاعَ هذا الإنسان، بحكم مؤهلاتِه البيولوجية أن يُنتِجَ حضارةً جديدةً مثلَ إنتاجه لنوعٍ جديدٍ من النِّصالِ والأدواتِ الصَّوَّانيةِ الصغيرةِ ذاتِ الأشكالِ الهندسيةِ المتعددة، التي يمكنُ وضعُها على سيقانٍ من الخشب أو العظام أو القرون، واستعمالُها بطريقةٍ أفضلَ من أدواتِه السابقة. كما أظهر هذا الإنسانُ ميلًا واضحًا لبناء البيوتِ المستديرة، رغم أنه لم يهجُر مغاورَ الكهوفِ تمامًا بل ظلَّ يستعملُها، واستطاع إنسانُ الباليوليت الأعلى الأوروبي، كما هو معروف، أن يُظهِرَ مواهبَه الفريدةَ في لوحات الكهوفِ والدُّمى الفينوسية، كتعبيرٍ عن حسٍّ جماليٍّ ودينيٍّ جديد، وهو ما يفتقرُ إليه إنسانُ الباليوليت الأعلى الشرقيُّ والفلسطيني. وعلى سفوح جبالِ القدسِ الشرقيةِ ظهرَتْ حضارةُ الباليوليت الأعلى المسمَّاة ﺑ «الحضارة الأحمرية» نسبةً إلى كهفٍ في عرق الأحمر هناك. وهو الموقع النموذج لهذه الحضارة في فلسطين، والتي تُوازِي الحضارةَ الأورينياسية في أوروبا (8).
شكل 11: أدواتٌ حجرية من الباليوليت الأعلى. http://popular-archaeology.com/issue/march2013/article/archaeologists-reopen-investigation-of-early-humans-at-manot-cave-in-israel
شكل 12: مواقع الباليوليت الأعلى في المشرق القديم.
ومن المواقع الأخرى مغارةُ الوادي والكبارة والأميرة؛ حيث نشهد ظهورَ حضاراتِ العصرِ الحجريِّ القديمِ الأعلى كلها. وعلى العموم، يقسِّمُ العلماءُ هذه الحضاراتِ في فلسطين إلى ثلاثِ مراحلَ على ضوء الأدواتِ الحجريةِ المستعمَلة:
(1) المرحلة الانتقالية بين الباليوليت الأوسط والباليوليت الأعلى: حيث ظهرَت أدواتٌ جديدةٌ تعمل بعض المؤثِّراتِ الليفلوازية-الموستيرية، وتظهر آثارُها في مغارة الأميرة في فلسطين (قرب بحيرة طبرية).
(2) مرحلة الحضارة الأحمرية: وهي باكورةُ حضارةِ الباليوليت الأعلى؛ حيث ظهرَت أدواتٌ حجريةٌ خاصَّةٌ بهذا العصر؛ مثل المكاشطِ والمخارزِ ذاتِ الجبهةِ العريضةِ والنِّصالِ الطويلة؛ والتي تُشبِه الأدوات الأورينياسية الأوروبية، وقد ظهرَت في كهف عرق الأحمر في فلسطين.
(3) مرحلة الحضارة العتليتية: حيث ظهرَت النِّصالُ الصغيرةُ والأدواتُ الدقيقةُ خصوصًا في مغارة (عتليت) في فلسطين، وهي خاتمةُ الباليوليت الأعلى وتمهِّد للميزوليت.
ومن الجدير بالذكر أنَّ الباليوليتَ الأعلى الأوروبيَّ ينقسمُ إلى حضاراتٍ موازيةٍ للحضارة الفلسطينيَّة، منها «البريكَودية، الأوريناسية، السلوترية، المجدلينية»؛ حيث تقابلُ البريكَودية المرحلةَ الانتقاليةَ في فلسطين، والأورينياسية المرحلةَ الأحمريةَ في فلسطين، والسلوترية المرحلةَ العتليتيةَ في فلسطين. أما الحضارةُ المجدليةُ الأوروبية فلا يُوجَد ما يقابلها في فلسطين. ومن المعروف أن أهمَّ مُنجَزاتِ الحضارةِ المجدليةِ الأوروبيةِ هي ظهورُ لوحاتِ الكهوفِ والدُّمى الفينوسية على نطاقٍ واسع.
.....................................................
1- سلطان محيسن، بلاد الشام في عصور ما قبل التاريخ، الصيادونَ الأوائل، دمشق، 1989م، ص77.
2- شوفاني، المرجع السابق، ص15.
3- W. Harold Mare, The Archaeology of the Jerusalem, Michigan, 1987, p. 36.
4- عزمي، أبو عليان، القدس بين الاحتلال والتحرير، عمان، 1933م، ص 14.
5- شوفاني، المرجع السابق، ص17.
6- النور وشلابي، المرجع السابق، ص 392–393.
7- أبو عليان، المرجع السابق، ص14.
8- شوفاني، المرجع السابق، ص21
الاكثر قراءة في عصر ماقبل التاريخ
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)