

الحياة الاسرية

الزوج و الزوجة

الآباء والأمهات

الأبناء

مقبلون على الزواج

مشاكل و حلول

الطفولة

المراهقة والشباب

المرأة حقوق وواجبات


المجتمع و قضاياه

البيئة

آداب عامة

الوطن والسياسة

النظام المالي والانتاج

التنمية البشرية


التربية والتعليم

التربية الروحية والدينية

التربية الصحية والبدنية

التربية العلمية والفكرية والثقافية

التربية النفسية والعاطفية

مفاهيم ونظم تربوية

معلومات عامة
مفهوم الشهوة واستعمالاتها
المؤلف:
الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي
المصدر:
أصلحُ الناسِ وأفسدُهُم في نهج البلاغة
الجزء والصفحة:
ص 81 ــ 87
2026-04-12
27
(قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ وَتَخَلَّى مِنَ الْهُمُومِ إِلَّا هَمَّا وَاحِدًا انْفَرَدَ بِهِ).
يُشبه الإمام علي (عليه السلام) في هذه العبارة النورانية الشهوة بالقميص، ويعتبر أن الانغماس في شهوة بمثابة ارتداء ذلك القميص، يصف أحبّاء الله المصطفين فيقول: (قَدْ خَلَعَ سَرَابِيلَ الشَّهَوَاتِ)، لكن هل الأمر فعلا كما يعتقد بعض أتباع الأديان السابقة المحرفة، وكذلك كما تعتقد بعض الفرق الإسلامية، وهو أن جميع ملذات الدنيا وشهواتها أمور سيئة ومنفرة؟ وهل يجب فعلا على من يريد السير في سبيل الله أن يتخلى عنها جميعًا؟ أم أن مراد الإمام من رداء الشهوة أمرا آخر؟، والآن سنعمل من خلال دراسة المعنى اللغوي والاصطلاحي للشهوة واستعمالات هذا المفهوم على توضيح مراد الإمام، وبذلك ستتضح الإجابة على السؤال أعلاه.
تأتي (الشهوة) (اسما)، فتكون بمعنى (نزوع النفس إلى ما تريده) وجمعها (شهوات)، كذلك تأتي (مصدرا) بمعنى الميل والرغبة (1)، والاشتهاء كذلك هو من مصدر افتعال، وهو مشتق من الشهوة، بمعنى الميل والرغبة أيضا.
أـ الاستعمال التكويني للشهوة
أصل الرغبة والميل الكامن في كلمة الشهوة هو أمر طبيعي وتكويني وضعه الله في تكوين الإنسان، وتبعا لذلك عندما تظهر فينا حاجة الجوع، تحدث لدينا الرغبة والشهوة للطعام، ومع ذلك فإن الرغبة والميل في حد ذاتهما لا يدخلان في نطاق الأخلاق، ولا يوصفان بـ (الحسن) أو (القبح) الأخلاقي، ولا يُعدان من ضمن القيم أو الأمور المنافية للقيم، وكما أن الرغبة والميل في الدنيا يعدان أمرين تكوينيين بالنسبة إلى الإنسان، كذلك في الجنة هناك رغبة في ملذات الجنة ونعمها، قال الله (عز وجل) عن ذلك ما يلي: {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الزخرف: 71].
ويقول تعالى في آية أخرى حول قسم من نعم الجنة ورغبة أهل الجنة بها، والتذاذهم بنعمها ما يلي: {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ} [محمد: 15].
ب- الاستعمال التشريعي للشهوة ومصاديقها الممدوحة في القرآن
تستعمل كلمة الشهوة في الاستعمالات الشائعة للإشارة إلى الغرائز والرغبات الجسدية، ولا تستعمل هذه الكلمة للتعبير عن الميول المعنوية من قبيل الرغبة في مناجاة الله، فمثلا: لا يُقال: (شهوة المناجاة)، وفي هذا الاستعمال تندرج الشهوة والرغبة في نطاق الأخلاق فيمكن أن تعد من القيم أو من المنافيات للقيم بحسب متعلقها والدافع المحرك لها، لقد استعملت كلمة (شهوة) وجمعها (شهوات) في خمس آيات من القرآن، وذلك في مواطن مذمومة ومنافية للقيم، وذلك كما يلي:
1ـ {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} [الأعراف: 81].
2ـ تكررت نفس هذه العبارة مع إضافة همزة في بدايتها على شكل جملة استفهامية في الآية الخامسة والخمسين من سورة النمل: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [النمل: 55].
3ـ {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ} [آل عمران: 14].
في هذه الآية تذم التعلق بالملذات والرغبات الدنيوية والانغماس فيها؛ لأن التمسك بالدنيا وملذاتها سيؤدي إلى تكريس كل جهد الإنسان وهمته في متاع الدنيا الزائل والذي لا قيمة له، وبدلا من الاهتمام بالآخرة التي هي المقصد الرئيسي، يظن أن المتاع الدنيوي هو الغاية والمؤمن لحاجاته العالية ولكماله رغم أنها ليست إلا مقدمة ووسيلة للوصول إلى رضوان الله والقرب الإلهي، ونتيجة لذلك ستكون مانعا له من الوصول إلى غايته الأصلية وسعادته الأبدية. فإذن، الأمر الذي ذمه الله هو التعلق ومنح الأصالة للملذات والرغبات الدنيوية، والغفلة عن الغاية الأبدية والنهائية وإلا فإن الميل نحو الملذات الدنيوية انجذاب طبيعي وغريزي يوفر البشر بسببه احتياجاتهم الضرورية.
فعندما يصاب الإنسان بالجوع ويحتاج إلى الغذاء يحصل لديه ميل إلى الطعام بشكل طبيعي وغريزي من أجل رفع الجوع الحاصل لديه. وعندما تثار الحاجة الجنسية، أو أية حاجة أخرى، فإن غريزته الخاصة تدفعه نحو تلك الاحتياجات، بعبارة أخرى: لا يقتصر الأمر على أن نفس الميل نحو ملذات الدنيا ليس مذموما فحسب، بل هي مقبولة وقيّمة، لأنها توفر الأرضية لتأمين الاحتياجات الدنيوية الضرورية وتؤدي إلى إمكانية دوام الحياة والسلامة والاستعداد للقيام بالتكاليف الإلهية والوصول إلى الغاية الأصلية.
إن الأمر المهم والذي يُركز الله عليه هو ترجيح الملذات الدنيوية الزائلة على ملذات الآخرة الأبدية، ولذلك تجد أن الله ومن أجل أن يبين تقدم نعم الآخرة وملذاتها وأفضليتها على الدنيا، وصف في الآية التالية ملذات الآخرة، وذلك من أجل أن يقوم الإنسان المؤمن بحساباته وكي يقارنها بذكاء مع ملذات الدنيا الفانية، وعندما يُدرك أن النسبة بين الدنيا وملذاتها وبين الآخرة وملذاتها هي النسبة بين المحدود وغير المحدود، وبين المتناهي وغير المتناهي، فإنه سوف ينزع حب الدنيا من قلبه، ولن يتعلق إلا بالله ورضوانه، قال تعالى: {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 15].
ومن هنا أصبح من الواضح أن ما ذمه الله ليس مجرد استعمال الشهوة، بل حب الشهوات ورغبات الدنيا والتعلق بها، فهذا التعلق يظهر نتيجة للوساوس الشيطانية، فالشيطان يضخم النعم وملذات الدنيا الحقيرة ويجملها في نظر الإنسان من أجل أن يجعل الناس غافلين عن الله وعن نعم الآخرة الأبدية، ونتيجة لذلك يقضي الإنسان وقتا طويلا ورأس مال كبيرا في تحقيق بعض الملذات الدنيوية، ولكن عندما يصل إليها، يدرك أنها لا تستحق قيمة رأس المال الذي صرفه عليها، وأنه وقع في أحابيل الشيطان.
إن الوساوس الشيطانية تسلب الإنسان قدرته على حساب الأمور وتعقلها بالنحو الصحيح، وتؤدي إلى ألا يُفكر في قيمة اللذة التي سيحصل عليها وأهميتها، وفي النتيجة يخسر رأس مال كثير من أجل الوصول إلى لذة قليلة وحينما يصل إلى تلك اللذة يفهم أنه انخدع. ولكن الغريب أنه لا يعتبر من ذلك، ويتصرف بالطريقة نفسها مرة أخرى في اليوم التالي وفي فرصة أخرى، وفي كل مرة يختم الشيطان بختم الخداع والندم على جبينه.
4ـ يقول الله (عز وجل) بعد بيانه للخصائص المتعالية للأنبياء والأولياء: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا} [مريم: 59].
بناء على كلام الله تعالى، فقد عاش جيلان على الأرض، واحدا تلو الآخر، وكانا يحوزان على صفات مختلفة تماما، الجيل الأول كان جيل الأنبياء وأولياء الله الخاصين الذين عشقوا مناجاة الله والعبادة، وكان الوجد يتملكهم بسبب انجذابهم للأنس بالمعبود وسماع كلامه، إلى درجة أن الدموع كانت تنهمر من أعينهم إذا سمعوا كلام الله، ثم يهوون إلى السجود، أما الجيل الثاني فلم يتمتع بالمعنويات والكمالات العليا، وكان ملونا بالقبائح والرذائل، ويُشدّد الله على سمتين من الصفات غير الجيدة لهذا الجيل، الأولى: إهمال الصلاة والمناجاة مع الله، والأخرى: اتباع شهوات القلب، وهناك علاقة وثيقة بين هاتين السمتين والحالتين، وكلما زاد اهتمام الشخص برغبات القلب وشهواته، فإنه يزداد إهمالاً للصلاة والمناجاة لله، وينقص نشاطه للعبادة، وفي المقابل كلما كان بعيدا عن شهواته ورغبات قلبه زاد استعداده لإدراك لذة الصلاة والمناجاة لله، وانصرف إلى العبادة أكثر، إن عاقبة هاتين السمتين هي الضلال وعدم الاستفادة من هداية الله، إن الشخص الضال والمأسور لوساوس الشيطان. يتصرف بجنون وبنحو لا يمكن تبريره بمنطق العقل، لقد فقد رأس ماله (عمره)، والأهم من ذلك كله، فقد آخرته في مقابل تحصيل رغبات قلبه السخيفة، ولو أنه فكر بشكل صحيح في سلوكه لأدرك مقدار الضرر الكبير والذي لا يمكن تعويضه - الذي ألحقه بنفسه، إن هذه الغفلة والتجاهل للسلوك الخاطئ وعاقبة ذلك من الخسارة ناشئة من أن الشخص الضال جعل قلبه يتابع الشيطان وقد تسلط الشيطان على تفكيره وسلوكه واستولى على فرصته للتفكير.
وبعبارة أخرى: إن الشخص الضال يشبه مركبا عهد فيه عقله وشعوره و اختياره إلى راكبه - يعني الشيطان - فصار يقوده ويُحركه، ومن خلال خياله الموهوم بدأ ينغمس ويلتذ بالدنيا ومظاهرها؛ ولكن لم يمض وقت طويل حتى أزيح الستار وانكشفت الحقائق، فأدرك أنه في مقابل حرمانه من رضوان الله ونعمه الأبدية، لم يحقق شيئا سوى استجلاب رضا الشيطان والندم الأبدي، يقول الله تعالى حول خصائص الأشخاص الذين سلموا عنان اختيارهم إلى الشيطان، وعن عاقبتهم، ما يلي: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 42، 43].
5ـ {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1ـ الحسين الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ص 468.
الاكثر قراءة في مفاهيم ونظم تربوية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)