

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

موضوعات عامة

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة


علم الرجال

تعريف علم الرجال

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

موضوعات عامة

أصحاب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

أصحاب الأئمة (عليهم السلام)

العلماء من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري
التفرّد والمخالفة وصلتهما بعلل الحديث
المؤلف:
الأستاذ الدكتور حسين سامي شير علي
المصدر:
علم علل الحديث (علل الأسانيد)
الجزء والصفحة:
ص 32 ــ 40
2026-04-07
16
البحث الثاني: التفرّد والمخالفة وصلتهما بعلل الحديث.
إنّ المخالفة والتفرّد وسيلتان مهمّتان لمعرفة الخطأ، بل لتحديد صاحبه بدقة، وذلك لأنّ الراوي إذا أخطأ، أو تصرّف عند روايته الحديث، فإنّه يؤدّي إلى مخالفته الواقع الحديثيّ، أو تفرّده بما ليس له أصل، لا سيّما حين يُحدّث عن شيخ مشهور بحفظه وإتقانه، وكثرة أصحابه، فإنّ خطأه فيما يرويه عن هذا الشيخ المشهور يكون أكثر وضوحًا وأسهل تسليمًا.
ومن المعلوم أنّ المخالفة والتفرّد في حديث الراوي لا يعرفان إلا من خلال جمع رواياته ومقارنة بعضها مع بعض مقارنة علميّة ومنهجيّة، وأمّا إذا كان الحديث عن ثقة مشهور فإنّ جمع الروايات عنه ومقارنة بعضها ببعض لا يتاح إلّا في أضيق نطاق حيث يقلّ عدد الرواة عنه.
يقول ابن الصلاح (ت: 643 هـ) في تعريف الحديث المعلّل: "هو الحديث الذي اطلع فيه على علّة تقدح في صحته، مع أنّ ظاهره السلامة منها، ويتطرّق ذلك إلى الإسناد الذي رجاله ثقات، الجامع شروط الصحّة من حيث الظاهر، ويستعان على إدراكها بتفرّد الراوي وبمخالفة غيره له، مع قرائن تنضم إلى ذلك تنبّه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخل حديث في حديث، أو وهم واهم بغير ذلك، بحيث يغلب على ظنّه ذلك، فيحكم به أو يتردّد فيتوقّف فيه، وكلّ ذلك مانع من الحكم بصحّة ما وجد ذلك فيه" (1).
وهذا نصّ واضح يعكس بجلاء منهج المحدّثين النقّاد في تعليل الأحاديث ويتضمّن هذا النص النقاط الآتية:
1 ــ أنّ العلّة عبارة عن وهم الراوي وخطئه طالمًا أنّه من الثقات وليس من المحتمل تعمّده الخطأ.
2 - أنّ العلّة نوع عام يشمل الشاذ والمنكر والمقلوب والمصحّف والمدرج والمضطرب وغيره.
3 - أنّ الذي يكشف الخطأ هو الناقد الجهبذ ولا يتسنّى ذلك لجميع المشتغلين بالحديث الشريف.
4 ـ أنّ وسائل كشف الخطأ هي المخالفة والتفرّد مع قرائن تنضمّ إليهما فهما مناط العلّة كما يعبّرون.
5 ـ يعد تعارض الوصل والإرسال وتعارض الوقف والرفع وتداخل الأحاديث صورًا مشهورة لنوعيّة الأخطاء التي تقع من الرواة عمومًا.
6 ـ أنّ زيادة الثقة لها ظهور في هذا النص.
7 ـ أنّ الحكم بالخطأ يكون على الظنّ الغالب.
فخلاصة ما ذكره ابن الصلاح أنّ العلّة هي ما دلّ على الخطأ والوهم وأنّها تتطرّق كثيرًا إلى رواية الثقات وأنّها تدرك بتفردّهم ووهمهم أو بمخالفتهم للغير إذا انضمت اليه القرائن التي تنبّه على أنّ هذا التفرّد والمخالفة ناتجان عن الخطأ والوهم وهذا في الواقع مانع لإطلاق القبول فيما تفرّد به الثقة كما هو مانع لإطلاق الرد فيما خالف الثقة غيره فالعلّة عمومًا يرجع أساسها إلى حالتين: حالة التفرد وحالة المخالفة ولكون كل منهما لا يتحقق إلّا لأسباب متنوّعة كصدق الراوي وإتقانه وكوهمه وخطئه وكذلك كذبه وافترائه فإنّ إطلاق القبول والصحة على ما تفرّد به الثقة أو إطلاق الضعف والردّ على ما خالف فيه الثقة من هو أوثق منه أمر لا يقرّه المنطق ولا الواقع وإنّما يحصل اليقين من خلال القرائن المحيطة بالرواية ممّا لا يتيسّر إلّا لقلّة قليلة من أصحاب المعرفة الشاملة بما قد يحيط بالأخبار من ملابسات وظروف تؤهّلهم للحكم على قبولها أو ردّها.
أوّلًا: المخالفة في اللغة:
يقول ابن فارس: "خلف الخاء واللام والفاء أصول ثلاثة: أحدها: أن يجيء شيء ويقوم مقامه، الثاني: خلاف قدّام، الثالث: التغير" (2).
يقول في الأًصل الثالث: "فقولهم خلف فوه: إذا تغيّر وأخلف، ومنه: الخلاف في الوعد وخلف الرجل عن خلق أبيه إذا تغير" (3).
ثانيًا: المخالفة في الاصطلاح:
"هي رواية الراوي حديثا يخالف فيه غيره في سياقة الإسناد أو في متن الحديث ومعناه أو فيهما (السند والمتن)".
وممّا يلاحظ على هذا التعريف هو عدم التفريق بين اختلاف الحديث الذي يقع في المتن (مختلف الحديث) وبين المخالفة التي هي مختصة بالسند.
ثالثًا: أهمّيّة المخالفة:
يعد الكشف عنها من الوسائل المهمّة في الكشف عن العلة قال ابن الصلاح: "ويستعان على إدراكها بتفرّد الراوي وبمخالفة غيره له" (4)، وهنا تمكن أهميّتها في دوران كثير من مباحث الاصطلاح حولها كالشذوذ والنكارة وزيادة الثقة وما يتفرّع عليها وهو ما يعبّر عنه الإمامية بـ(مناط العلّة) إذ هو السبب الرئيس في نشوء العلّة.
رابعًا: حكم المخالفة، هل هي مقبولة مطلقًا أو مردودة؟
في الواقع هناك تفصيل في مسألة قبول المخالفة أو ردّها وذلك بحسب نوعية القرائن ومنها الإيجابيّة التي تدلّ على القبول أو السلبيّة التي تدل على الرد.
القرائن الإيجابيّة:
1 ـ أن يكون الراوي المختلف عنه كثير الرواية واسع الاطلاع فقرينة سعة الاطلاع تؤدي إلى قبول المخالفة وقد يكون سبب الاختلاف ما يحدث لبعض المكثرين بالبحث والعلم والرواية فيروي الحديث على وجه الكمال تارة ومن الكسل يرويه على وجه النقص فيختلف عنه ولا يعد اختلافا قادحا. ومثاله حديث رواه قيس بن حازم تارة مرفوعا وأخرى موقوفا، قال الدارقطني: "وجميع رواة هذا الحديث ثقات ويشبه أن يكون قيس بن حازم كان ينشط في الرواية مرة فيسنده ومرة يجبن عنه فيقفه" (5).
2 - أن يكون الراوي المخالف من المشايخ الأثبات المتقدّمين في الحفظ والتثبّت، فمن كان هذا حاله قبلت مخالفته، يقول صاحب (شفاء العليل): "اعلم أنّ الراوي له عدّة حالات؛ إمّا أن يكون من الحفّاظ الأثبات، فهذا يُقطع بقوله وإن خالف" (6)، وهذا هو خلاصة رأي الإمامّية.
3 ـ أن يكون الرواة المختلفون متعادلين في الحفظ والإتقان، ومتساويين في الرتبة، وهذا ما ذكره ابن حجر العسقلاني ما نصّه: "ما تختلف الرواة فيه بتغيير بعض الإسناد، فإن أمكن الجمع بأن يكون الحديث عند ذلك الراوي على الوجهين جميعا فأخرجهما المصنّف ولم يقتصر على أحدهما، حيث يكون المختلفون متعادلين في الحفظ والعدد" (7)، وهو ما يظهر جليًّا في أسئلة الطلاب لأئمّة الحديث عن راويين فيجيب: كلاهما ثبت كما أورده ابن رجب حيث قال: سئل الإمام أحمد: "إذا اختلف سالم ونافع عن ابن عمر، فلأيّهما تقضي؟ فقال: كلاهما ثبت ولم يرَ أن يقضي لأحدهما على الآخر" (8).
4 ـ أن يكون في المخالفة ابن عن أبيه، أو تلميذ ثقة عن شيخه، وهذه قرينة إيجابيّة لقبول المخالفة على أساس تعدّد أوجه الرواية، ومثاله في حديث اختلف فيه على عروة، قال ابن حجر في حديث اختلف فيه على الزبير أخرجه البخاري على وجهين: وإنّما أخرجه البخاري بالوجهين على الاحتمال؛ لأنّ عروة صحّ سماعه من أبيه فيجوز أن يكون سمعه من أبيه وثبته فيه أخوه والحديث مشتمل على أمر متعلق بالزبير فدواعي أولاده متوفّرة على ضبطه فاعتمد تصحيحه لهذه القرينة القوية وقد وافق البخاري على تصحيح حديث الليث هذا مسلم وابن خزيمة وابن الجارود وبن حبّان وغيرهم" (9)، فقرينة الابن عن أبيه تدلّ على قبول المخالفة، وأوضح مثال على تلك القرينة عند الإماميّة هو علي بن إبراهيم عن أبيه؛ فأبوه إبراهيم بن هاشم ليس أوثق منه، إذ لم يرد بحقّه لا ذم ولا مدح بل هو مجهول الحال، فعلى أقلّ تقدير يكون ممدوحًا بحسب قواعد علم الرجال.
القرائن السلبيّة: فهي التي تدلّ على المخالفة المردودة، وهي ما أشار إليه ابن حجر في بيانه أسباب الجرح بقوله: "ينشأ عنها الشذوذ والنكارة، فإذا روى الثقة شيئًا فرواه من هو أحفظ منه أو أكثر عددًا بخلاف ما روى، بحيث يتعذّر الجمع على قواعد المحدّثين فهذا شاذ، وقد تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكرًا" (10)، فالمخالفة المردودة هي: مخالفة الراوي لمن هو أرجح منه إسناداً أو متناً، أو بهما جميعاً، مع تعذّر الجمع على قواعد المحدّثين.
ومن أبرز القرائن السلبيّة:
1 ـ مخالفة الراوي لمن هو أوثق منه، وتندرج تحت هذه النقطة صور منها:
أ ـ مخالفة الثقة للأوثق، كأن يكون المخالف ثقة والمتفرّد أوثق منه، فمخالفة المرجوح مردودة.
ب ـ مخالفة من ضُعِّفَ في بعض مشايخه؛ (كعلي بن إبراهيم، بعض مشايخه ضعاف) أو في بعض الأوقات؛ (كمن يخلّط فينظر قبله وبعده) أو في بعض الأماكن؛ كمن يُطرَد من قم وهو في الكوفة ثقة)، وهذه المخالفة للأوثق منه.
ج ـ مخالفة الضعيف للثقات، فضعف الراوي دليل على رد مخالفته وهو أمر بديهيّ.
2 ـ مخالفة الأقل عدداً للأكثر عددا ومن أمثلة ذلك: قال أحمد ومن فيما يرويه عنه الأثرم: "إذا خالف أبو عوانة، أبان العطّار وسعيدًا أعجبني ذلك ـ يعني حديثهما ـ قال: لأنّه يكون ممّا حفظاه" (11)، فالكثرة مقدّمة على القلّة كما في أقوال البرديجيّ وهو يتحدّث عن أصحاب قتادة.
3 ـ مخالفة الراوي لما روى؛ تعتري الراوي حالات طارئة تؤدّي به إلى الخطأ الذي ينتج عنه اختلاف كأن يخلّط أو يحدّث أوّلًا من كتبه ثم يخالفها بما يرويه من حفظه ومثاله ما حدث لمعمر بن راشد وإسماعيل بن أبي عياش، قال يعقوب: "سماع أهل البصرة من معمر حين قدم عليهم فيه اضطرب؛ لأنّ كتبه لم تكن معه" (12).
ونصل إلى أنّ مردّ التفرّد المردود إلى المخالفة المردودة الناتجة عن مخالفة الأرجح بما يؤكّد أهمّيّة المخالفة كأساس تقوم عليه العمليّة النقديّة ككل وهو عين ما قاله الإماميّة عندما أثبتوا المرجّحات السنديّة والمتنيّة المبحوثة في علم أصول الفقه في أبواب التعارض والتراجيح.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ابن الصلاح علوم الحديث (المشهور بمقدّمة ابن الصلاح): 90 وكذا في بقيّة كتب المصطلح وإن كان فيما بينها بعض التفاوت في السياق فإنّ المعنى واحد، انظر على سبيل المثال كتاب المقنع 1/211-212؛ فتح المغيث للسخاوي 1/210-211؛ توضيح الأفكار للصنعاني 2/ 22-23؛ تدريب الراوي للسيوطي 1/135.
(2) ابن فارس معجم مقاييس اللغة: 2/ 210.
(3) المصدر نفسه: 2/ 212.
(4) ابن الصلاح علوم الحديث (مقدّمة ابن الصلاح): 90.
(5) الدار قطني، العلل: 253/1.
(6) أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل، شفاء العليل بألفاظ الجرح والتعديل: 163.
(7) ابن حجر، هدي الساري: 509.
(8) ابن رجب، شرح علل الترمذي: 2/ 665.
(9) ابن حجر، هدي الساري: 518.
(10) ابن حجر العسقلاني، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلانيّ (ت: 852 هـ)، فتح الباري شرح صحيح البخاري: 1/ 384.
(11) ابن رجب الحنبلي، شرح علل الترمذي: 2 / 694.
(12) ابن رجب الحنبلي، شرح علل الترمذي: 2/ 767.
الاكثر قراءة في موضوعات عامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)