
تاريخ الفيزياء

علماء الفيزياء


الفيزياء الكلاسيكية

الميكانيك

الديناميكا الحرارية


الكهربائية والمغناطيسية

الكهربائية

المغناطيسية

الكهرومغناطيسية


علم البصريات

تاريخ علم البصريات

الضوء

مواضيع عامة في علم البصريات

الصوت


الفيزياء الحديثة


النظرية النسبية

النظرية النسبية الخاصة

النظرية النسبية العامة

مواضيع عامة في النظرية النسبية

ميكانيكا الكم

الفيزياء الذرية

الفيزياء الجزيئية


الفيزياء النووية

مواضيع عامة في الفيزياء النووية

النشاط الاشعاعي


فيزياء الحالة الصلبة

الموصلات

أشباه الموصلات

العوازل

مواضيع عامة في الفيزياء الصلبة

فيزياء الجوامد


الليزر

أنواع الليزر

بعض تطبيقات الليزر

مواضيع عامة في الليزر


علم الفلك

تاريخ وعلماء علم الفلك

الثقوب السوداء


المجموعة الشمسية

الشمس

كوكب عطارد

كوكب الزهرة

كوكب الأرض

كوكب المريخ

كوكب المشتري

كوكب زحل

كوكب أورانوس

كوكب نبتون

كوكب بلوتو

القمر

كواكب ومواضيع اخرى

مواضيع عامة في علم الفلك

النجوم

البلازما

الألكترونيات

خواص المادة


الطاقة البديلة

الطاقة الشمسية

مواضيع عامة في الطاقة البديلة

المد والجزر

فيزياء الجسيمات


الفيزياء والعلوم الأخرى

الفيزياء الكيميائية

الفيزياء الرياضية

الفيزياء الحيوية

الفيزياء والفلسفة

الفيزياء العامة


مواضيع عامة في الفيزياء

تجارب فيزيائية

مصطلحات وتعاريف فيزيائية

وحدات القياس الفيزيائية

طرائف الفيزياء

مواضيع اخرى
أحلام اينشتاين
المؤلف:
جواو ماگیویجو
المصدر:
أسرع من سرعة الضوء
الجزء والصفحة:
ص25
2026-03-23
10
عندما كنتُ في الحادية عشرة من عمري أهدى إليَّ والدي كتاباً طريفاً لألبرت أينشتاين Albert Einstein ولیوپولد إنفلد Leopold Infeld بعنوان: تطور الفيزياء The Evolution of Physics يُشبه في فاتحته العلم بقصة بوليسية لا تدور حبكتها حول معرفة من هو الجاني، بل حول لماذا يعمل الكون بالطريقة التي يعمل بها.
وكما هو الحال في أي رواية بوليسية ناجحة، كثيراً ما يُضَلَّل المحققون، فيكون عليهم مراجعة أنفسهم وتغيير منهاجهم، بميز الأدلة الزائفة من الأدلة الحقيقية. إلا أنَّ الصورة لا بد أن تنجلي في نهاية المطاف عندما تجتمع لديهم جملة صالحة. من الحقائق تمكنهم من تطبيق تلك الوسيلة الإنسانية الفريدة، وهي ملكة الاستدلال، فيبدؤون بافتراض نظري يتتبع بداية ظهور الغموض في تسلسل الأحداث، ثم بشيء من التوفيق وحسن الحظ يتمكنون من الحدس بأنَّ حقائق معيَّنة لا بد من أن تكون صحيحة، فيختبرون تلك الحقائق لحل الأسرار الخفية.
غير أن قراءة بضع فقرات من ذلك الكتاب [الذي أُهدي إلي] ستحملك على التخلي في الحال عن القياس على الرواية البوليسية؛ فالعلماء يجابهون مشكلة لا يتعرَّض لها أولئك الذين يعملون في مكافحة الجريمة، فلا يمكن أبداً أن تجد في لغز الكون من العلماء من يقول: «لقد أُقفلت القضية»، لأنهم لا يتعاملون في الواقع مع لغز واحد، بل إنهم مضطرون ـ شاؤوا أم أبوا ـ إلى التعامل مع جزء صغير من سلسلة كبيرة متشابكة من الألغاز. وما إن يتمكنوا من حل جزء من اللغز حتى يُظهر لهم ذلك الحلُّ أنَّ ما اقترح للأجزاء الأخرى من حلول لم يكن صحيحاً، أو على الأقل أنه بحاجة إلى إعادة النظر فيه. إنَّ لعبة العلم يمكن أن توصف بحق بأنها إهانة لا تنتهي للذكاء الإنساني.
ومع كل تلك «الإهانة التي يجعلنا العِلمُ عرضةً لها، سرعان ما وجدتُ في الفيزياء مادة ساحرة أخذت بلُبّي. أحببتُ فيها على وجه الخصوص الطريقة التي تُطرح فيها أسرار الكون وخفاياه. وكثيراً ما تكون المسائل المطروحة سهلة جداً في ظاهرها، إلا أنها تنطوي في الحقيقة على عمق وغموض في مغزاها وهي إلى جانب ذلك تُقَدَّم بلبوس جميل من مجردات التجارب الفكرية والمنطق المحض.
لكني أدركتُ ـ بعد أن دَرِجْتُ في مهنتي كفيزيائي ـ أن معظم المسائل الفيزيائية لا يُتَّبع في تناولها الأسلوب العقلاني على الأقل في بداياتها. فنحن بشر قبل أن نكون علماء، والنوع الإنساني - برغم اسمه الطنان هذا ـ غالباً ما يكون مسوقاً بالعاطفة أكثر منه بالعقل، حيث أنا لا نحرص كثيراً على استبعاد الأدلة الخاطئة والافتراضات الباطلة، كما لا نقتصر على أكثر التقنيات عقلانية في حل المسائل العلمية.
ولدى ظهور فكرة جديدة وفي مراحلها الأولى نتعامل معها كأنا فنانون، تدفعنا النزعة المزاجية والذوق الشخصي. أي إنا، بعبارة أُخرى، نبدأ بالحدس والشعور بل وبالرغبة في أن يكون الكون باتجاه واحد. ولا ننتقل من ذلك الحس دون أن نتمسك به مدة طويلة حتى بعد أن تبدي لنا المعطيات أننا نتجه نحن ومَنْ يثق بنا إلى طريق مسدود. ويكون الفيصل في النهاية هو التجربة العلمية التي تقطع الشك باليقين. ومهما كان حدسنا قوياً ومتسلسلاً لابد ـ عند نقطة ما ـ من إثباته بالحقائق القاطعة التي تكون شديدة الوطأة، وإلا فستبقى مشاعرُ الحدس لدينا كما ذكرنا مهما كانت درجة تمسكنا بها.
ويصح هذا بوجه خاص على ذلك الفرع من الفيزياء المعروف بعلم الكونيات Cosmology الذي يُعنى بدراسة البنية الإجمالية للكون، لا بدراسة نجم معين أو مجرَّة محددة بعينها. تسمى تلك الدراسة عادة علم الفلك Astronomy. إن المجرّات في نظر عالم في الكونيات ليست إلا جزيئات لمادة غير اعتيادية ندعوها السائل الكوني Cosmological Fluid إن سلوك هذا السائل الشامل هو الغاية التي يسعى علماء الكون جاهدين لاكتناهها. فإذا كان ما يدرسه علم الفلك بمنزلة الأشجار، فإن ما يبحثه علم الكونيات هو بمنزلة الغابة برمتها.
وغني عن القول إن هذا الميدان أرض خصبة للحدس؛ فقد أفضت بنا ألغازه ومغاليقه إلى الخروج بقصة بوليسية منمقة، مفعمة بالأدلة والمفاتيح والمنعطفات الخاطئة والاستدلالات والحقائق التجريبية. لكن جزءاً من القصة يعتمد بالضرورة على الظنون والتخمينات بقدر أطول مما يستسيغه أغلب الناس.
وقد كان علم الكون، ولزمن طويل، موضوع الدين. ولعل تحوله ليكون فرعاً من الفيزياء إنجاز مدهش إلى حد ما. فلماذا إذن تكون منظومة كالكون، معقدة فيما يبدو، قابلة للدراسة الدقيقة؟ والجواب قد يدهشك هو أن الكون (فيما يتعلق بالقوى النشطة فيه على الأقل) ليس على درجة كبيرة من التعقيد كما قد يُظن؛ إنه على سبيل المثال أبسط من منظومة بيئية أو كائن حيواني، بل إن وصف الآلية الديناميكية لجسر معلق أصعب من وصف آليات عمل الكون، وقد أدرك العلماء ذلك، ففتحت دونهم أبواب الدراسات الكونية باعتبارها فرعاً من فروع العلم .
غير أن القفزة الواسعة التي تحققت تتمثل في اكتشاف نظرية النسبية، وما صاحبها من مظاهر تقدم في الأرصاد الفلكية وأبطال هذه القصة هم: ألبرت أينشتاين وعالم الفلك المحامي الأمريكي إدوين هبل Edwin Hubble والفيزيائي عالم الأرصاد الجوية الروسي ألكسندر فريدمان Alexander Friedmann وقد صاغوا معاً نظرية ثبات سرعة الضوء ونتائجها المذهلة المتمثلة في نشأة الكون وبداياته. كل ذلك بدأ بحُلُم .
عندما كان ألبرت أينشتاين في سن المراهقة رأى في منامه حلماً ذا طبيعة خاصة جداً، وطفق يتأثر به تأثراً شديداً لسنوات كثيرة إلى أن تحول ذاك الحلم إلى تأملات عميقة أحدثت تغييراً جذرياً ومثيراً في أسلوب فهمنا للمكان والزمان، ثمَّ في إدراكنا لكامل الحقيقة الفيزيائية من حولنا؛ بل أحدثت بالفعل أكبر ثورة في العلم منذ إسحاق نيوتن Isaac Newton وشككت في صميم مبدأ ثبات المكان والزمان الذي خَدَرَت فيه ثقافتنا الغربية.
وهاك رؤيا أينشتاين:
في صباح ربيعي يلفه السديم، وفي أعالي الجبال، يسير يلتف أينشتاين في درب مع جدول ينحدر من القمم التي يكسوها الثلج. تنكسر حدة الصقيع، إلا أنَّ الجو لا يزال بارداً وجافاً، وتبدأ الشمسُ بالبزوغ رويداً من خلال السديم، ويطغى تغريد الطيور على ضجيج خرير المياه المتدفقة. المنحدرات تكتنفها غابات كثيفةٌ مُدْهامَّةٌ نَعمةً ورِيّاً، لا يقطع استمرارها غير أجراف صخرية عملاقة هنا وهناك.
ومع هبوط الدرب أكثر فأكثر ينفتح المشهد الأرضي قليلاً، وتبدأ الغابة الكثيفة تتكشف عن مساحاتٍ أكبر خلو من الشجر ورقع من الأرض معشوشبة، ثم لا تلبث أن تظهر أودية متحدّرة. وعلى البعد يتمكن أينشتاين من رؤية عددٍ كبير من الحقول كلها تحمل علامات الحضارة لا يخطئها أحد، وبعضها محروث وتقسمه أسوجة ذات أشكال منتظمة وفي بعضها الآخر يرى أينشتاين الماشية ترعى متكاسلة ومُبعثرة في أرجاء المراعي.
الشمس الآن تخترق السديم بثقة أكبر، وبذلك تخفّف من كثافة الجو فتجعله بؤرةً رقيقةً واهية يبدأ أينشتاين باستبانة تفاصيل الحقول السفلى من خلالها. ويكون من الشائع في مثل هذه الأمكنة تقسيم الأراضي بأسوجة سلكية مكهربة قبيحة المنظر حقاً، ومعظمها يبدو أنه لا يعمل البتة. انظر إلى تلك الأبقار وهي تمضغ العشب الذي لا تكاد تبلغه على الطرف الآخر من السياج، وهي تمد أعناقها إليه عبر الأسلاك غير عابئة بكونها أملاكاً خاصة . . .
وعندما يصل أينشتاين إلى أقرب مرعى يتوجه لتفحص السياج المكهرب. يلمسه فلا يشعر بأي صدمة، وهذا ما كان يتوقعه لأنَّ الأبقار على طول السياج لا تأبه به. وبينما هو يعبث بالسياج يرى شكلاً بشرياً كبيراً يمشي على الطرف الآخر من الحقل؛ إنه مزارع يحمل بطارية جديدة ويتجه نحو حظيرة عبر الحقل، ويراه أينشتاين يدخلها ليستبدل البطارية التي انقضت مدة صلاحيتها. ومن الباب المفتوح يراه يربط البطارية الجديدة. وفي تلك اللحظة تماماً لاحظ أينشتاين الأبقار تقفز فجأة وهي، فَزِعَة مبتعدةً عن الأسلاك (الشكل 1). وتلا ذلك كثير من الخوار الدال على الانزعاج.
يتابع أينشتاين مسيره، ولما وصل إلى طرف الحقل كان المزارع عائداً إلى بيته. يتبادلان التحية بأدب جم، ثم يدور بينهما حوار من نوع لا يحدث مثله إلا في أضغاث أحلام مخبَّلةٍ أو مُخْتَلِطَة.
يقول أينشتاين للمزارع: «إنَّ لأبقارك أفعالاً انعكاسية شديدة؛ فقد رأيتك الآن توصل البطارية الجديدة، فتقفز الأبقار جميعاً من فورها.»
بدا المزارع مُرتبكاً من هذا الكلام أيما ارتباك، وراح يحدق إلى أينشتاين بالنظر مستنكراً:)هل قفزتْ جميعها معاً حقاً؟ شكراً على مجاملتك، لكن أبقاري ليست في حالة نزوّ. ثم إني رأيتُها عندما أوصلت البطارية الجديدة، إذ كنتُ أمل في أن أخيفها: فأنا أحب أن أمازح أبقاري. مر وقت قصير لم يحدث فيه أي شيء أم رأيت أقرب الأبقار مني تقفز، ثم التي بعدها وهكذا بالترتيب حتى آخر بقرة (.
شكل 1.
هذه المرة جاء دور أينشتاين ليشعر بالارتباك. هل كان المزارع يكذب الشكل (2)؟ وما الذي يدعوه إلى الكذب؟ ومع ذلك كله فهو واثق مما رأى : مزارع يوصل بطارية جديدة، فتقفز البقرة الأولى في الهواء، وتقفز البقرة الأخيرة في الهواء، وجميعها في وقتٍ واحدٍ تماماً. حتى الآن من العبث فتح مناقشة. ولسبب ما يشعر برغبة في خنق المزارع.
لكن أينشتاين يتنبه من نومه يا لها من أحلام بلهاء، وعن الأبقار تحديداً، من بين سائر الحيوانات ... ولماذا شَعَرَ بالرغبة بالقتل على نحو يرثى له من أجل لا شيء؟ أولى لك أن تنسى هذا الهراء كله.
على أن كثيراً من الرؤى الغريبة قد تحمل بعض المعاني العميقة التي تُراود عقل صاحب الحلم، وهذا ما حصل بالفعل فقبل أن ينسى أينشتاين حلمه التمعت في ذهنه فكرة، فقال في نفسه: إنه مجرد حلم، ومع ذلك لم يكن منه إلا أن غالى في سِمَةٍ حقيقية من سمات عالَمنا إلى حد ما. صحيح أ أن الضوء الاتصالات الراديوية في الفضاء من قبيل الرحلات القمرية. فتأثير الصدى في رحلة إلى كوكب المريخ يستغرق نحواً من ثلاثين دقيقة: فلو بعثت برسالة راديوية من الأرض لوصلت المريخ بسرعة الضوء خلال نحو خمس عشرة دقيقة، وتعود إليك استجابة روّاد الفضاء خلال خمس عشرة دقيقة أخرى. تأمل كم سيكون مزعجاً لك إجراء مناقشة هاتفية وأنت تقضي. عطلة على المريخ!
إن رؤيا البقر لا تصوّر أكثر مما يحدث فعلاً في الواقع بصورة فيها الكثير من المغالاة، وهو ما يمكن أن ندركه فعلاً بحواسنا لو كانت سرعة الضوء قريبة من سرعة الصوت. وفي حلم أينشتاين تنتقل الكهرباء عبر الأسلاك بسرعة الضوء). ولهذا فإنَّ صورة المزارع وهو يوصل البطارية تنتقل باتجاه أينشتاين جنباً إلى جنب مع النبض الكهربائي الذي يسري عبر الأسلاك، فتصل البقرة ا الأولى في آن واحد، مولدة لديها صدمة. ومن المفهوم هنا حكماً أن زمن استجابة البقرة هو الصفر، وبذلك فإن صورة المزارع وهو يوصل البطارية، وصورة البقرة الأولى وهي تقفز، وكذلك الإشارة الكهربائية وهي تعبر الأسلاك، تنتقل الآن كلها نحو أينشتاين جنباً إلى جنب.
وعند وصولها إلى البقرة التالية تقفز هي الأخرى، وتنتقل صورتها وهي تقفز لتنضم إلى صنوانها، وهكذا تنتقل الآن صورة المزارع، وصورة البقرتين الأوليين وهما تقفزان، وكذلك الإشارة الكهربائية السارية في الأسلاك جميعاً باتجاه أينشتاين جنباً إلى جنب. وهلم جراً حتى البقرة الأخيرة. إذن يرى أينشتاين المزارع يوصل البطارية، والأبقار تقفز في وقت واحد تماماً. ولو أنه مس السلك لأصابته صدمة كهربائية في الوقت عينه الذي رأى فيه كل ما يحدث بالضبط. إن أينشتاين بالتأكيد لا يهذي لقد وقع كل هذا فعلاً في وقت واحد، أي في الوقت الواحد «الخاص به.»
إلا أن وجهة نظر المزارع مختلفة نوعاً ما فهو خاضع لما يُشبه في الواقع سلسلة من أصداء الضوء المنعكسة عن صخور / مرايا تقع على التوالي على مسافاتٍ أكبر فأكبر. فعندما يقوم بتوصيل البطارية الجديدة يكون كمن يطلق صيحة في وادٍ سحيق. تنطلق النبضةُ الكهربائية باتجاه البقرة الأولى التي تجفل عندما تبلغها النبضة شأن الصيحة تنتقل نحو صخرة كبيرة في الوادي السحيق وتنعكس عنه. أما صورة البقرة المنتفضة العائدة باتجاه المزارع فهي كالصدى المرتد من الوادي. لذلك فإنَّ هناك تأخُراً زمنياً Time Delay بين توصيله البطارية ورؤيته البقرة الأولى وهي تنتفض، أي بين صيحته ورَجُعِها. وتكون حال صورة الأبقار التالية الواثبة في الهواء كسلسلة من الأصداء المتولدة من صخور أبعد فأبعد، ثم فواصل تأخر زمني أكبر فأكبر، أي إنها تصل متعاقبة زمنياً.
وهكذا فإنَّ المزارع لا يهذي هو الآخر؛ ذلك لوجود تأخر زمني بالفعل بين توصيله البطارية ورؤيته البقرة الأولى وهي تنتفض. وبعد ذلك يرى الأبقار الأخرى كلها تنتفض على التوالي لا في آن واحد ولو مس أينشتاين السلك لتمكن المزارع من رؤيته وهو يجفل، متفوّهاً بكلمة تذمر وألم بعد أن تكون الأبقار كلها قد جَفَلَتْ.
وليس ثمة تناقض بين المزارع وأينشتاين ولا ما يتنازعان بشأنه؛ فالراصدان كلاهما يُعبّران عمّا عايناه كل منهما من وجهة نظره المختلفة. ولو كان الضوء ينتقل بسرعة لا نهائية لما كان حُلم أينشتاين ممكناً أبداً. أما والأمور على ما هي عليه، فلا يعدو ذلك أن يكون عُلُوّاً.
ومع كل هذا، نعم هناك تناقض! فحلم أينشتاين يخبرنا أن ليس ثمة مفهوم مطلقاً لشيء مثل: حدث ذلك الشيء في الوقت نفسه»، ويقصد بالمطلق أن يكون صحيحاً بالضرورة للراصدين كافة من دون أي لبس أو غموض. وبالفعل، فقد أظهر حلم أينشتاين أنَّ الزمن نسبي بالضرورة وأنه يتفاوت من راصد إلى راصد، وأن مجموعة من الحوادث تقع لراصد ما في وقت واحد قد تقع لراصد آخر كسلسلة متعاقبة.
لكن هل يمكن أن يكون هذا وهماً؟ أم هل إنَّ حقيقة مفهوم الزمن مُعَقَّدة أكثر مما نألف؟ إنا نعرف من خبرتنا اليومية أن حدثين إذا وقعا في آن واحد، فهما واقعان في آن واحد بالنسبة إلى كل واحد هل يُحتمل أن تكون هذه الحقيقة أمراً تقريبياً ليس غير؟ وهل هذه هي الرسالة التي حاول حلم أينشتاين إيصالها إليه؟ وباختصار: هل الزمن نسبي؟
ولد أينشتاين في عالم كان العلماء فيه يعتقدون بـ «كون منتظم»؛ فكما أنَّ الميقاتيات في كل مكان تدق بمعدّل واحدٍ من السرعة كان يُعتقد أن الزمن هو العنصر الثابتُ العظيم في الكون. وبالمثل كان يُنظر إلى الحيز المكاني على أنه بنية دقيقة ومطلقة. اندمجت الكينونتان، المكان المُطلق والزمان المطلق، لتكوين الإطار اللا متغير لرؤية نيوتن للكون، وهو الكون المنتظم أو الدقيق. Clockwork Universe.
إنه الاعتقاد السائد المدوّي في كل أرجاء حضارتنا. وحقيقة الأمر أنا نكره أن نلتفت إلى النوع، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بمسائل مالية، فتفضل تحديد الواحدة النقدية، ثم الإشارة إلى قيمة أي شيء على أنه عدد دقيق من أضعاف تلك الوحدة.
على نطاق أعم، فإن تحديد الواحدات يتيح دمج ا الدقة الكمية للرياضيات (أي للأعداد) بالحقيقة الفيزيائية؛ ففي حين تُعطي الواحدة كماً قياسياً لشيء ما، يُحوّله العدد إلى كم دقيق هو ما نسعى إلى وصفه.
مثال ذلك إن الكيلوگرام يتيح لنا الدقة فيما نعنيه بقولنا سبعة كيلوگرامات | من الأناناس، وكم هو ثمن هذه الكمية. إن إطار حضارتنا لا وجود له إلا مع مفهوم الواحدة مقترناً بمفهوم العدد وبقطع النظر عن مدى شاعريتنا، فنحن نتمسك بالدقة الكمية ولا نستطيع العيش بدونها. لقد التقيتُ في حياتي عدداً قليلاً جداً من صفوة الفوضويين، كما قابلت عدداً. الناس من ذوي الأطوار الغريبة والطبائع الغامضة.
تتغلغل فلسفة الحياة هذه في صميم تصورنا لمفهوم المكان والزمان؛ فالمكان أو الحيز المكاني) يتعين بواسطة وحدة للطول، كالمتر مثلاً، وعلى هذا الأساس يمكنني القول إنَّ فيلاً يقف على طريق معلومة طولها 315 متراً، وذلك يعني العدد 315 من الوحدة الدقيقة التي هي المتر هنا. وبهذه الطريقة يمكننا أن نتوخى الدقة التامة في تحديد موقع الفيل.
ولو أردتُ تعيين موقع منطقة على سطح الأرض. فإني أستعمل بنية حيزية مضاعفة، فأُحدد اتجاهات متعامدة من قبيل: شمال - جنوب وشرق ـ غرب. ثم بإمكاني، أن أعين على وجه الدقة موقع المنطقة التي أُريد مستعملاً عددين هما المسافة على امتداد الاتجاه شرق - غرب والمسافة على امتداد الاتجاه شمال - جنوب. وفي إطار كهذا يتحدد الموقع المراد بالضبط، علماً بأن خير ما يُعبر عن هاجسنا الدائم المتمثل في معرفة المواقع الدقيقة للأشياء هو منظومة تحديد المواقع (Global Positioning System (GPS الذي يُمكن بواسطته اليوم تحديد أي موقع على سطح الأرض بدرجةٍ عالية من الضبط عن طريق زوج من الإحداثيات.
كل ذلك بالطبع مسألة عُرفية. إن سكان أستراليا الأصليين يعينون حدود أرضهم بخطوط غنائية songlines إذ إن أستراليا بالنسبة إليهم ليست مجرد توافق بين نقاط على الأرض وأزواج من الأعداد التي تمثل إحداثيات تلك النقاط، بل إنها مجموعة من الخطوط المتقاطعة والشديدة الالتواء، كل منها تمثله أغنية معينة تحكي قصة وقعت على ذاك الدرب وهي في العادة أسطورة مشبوبه العاطفة تدخل في شخوصها الحيوانات بعد أن تخلع عليها صفات بشرية.
وما تلبث هذه الخطوط الغنائية أن تُحدِث كتلة متشابكة شديدة التعقيد، حيث لا يقتصر معنى النقطة على زوج فريد من الأعداد؛ فليس المهم فقط أين أنت (وفقاً لتصوّرنا)، بل من أين أنت أيضاً، وما مساق مسيرك الماضي والآتي؛ فما نعده نحن : نقطة وحيدة ربما يولد فيضاً لا نهائياً من المميزات في نظر السكان الأصليين، لأنَّ تلك النقطة قد تكون جزءاً من خطوط غنائية كثيرة متقاطعة، وهو ما يخلق شعوراً يُذكّر بالعقارات والملكية لا يتفق ومفاهيم حضارتنا. إنَّ الأفراد يرثون خطوطاً غنائيةً لا مساحاتٍ من الأراضي، ولا يمكن للمرء أن ينشئ منظومة لتحديد المواقع تعمل ضمن حيز خط غنائي .
ومع ذلك فإن أستراليا موجودة في حين تؤكّد الخطوط الغنائية على أنَّ ومع أي وصف للحيز المكاني هو مسألة اختيار وعُرف إلى حد بعيد. ونحن نختار العيش ضمن حيز صارم ودقيق مؤلف من مجموعة من المواقع ويسمى حيز نیوتن Newtonian Space، أو ما يحلو للبعض تسميته حيز إقليدس Euclidean Space.
وتنطبق هذه الاعتبارات كلُّها بصورة مماثلة على الزمن. وما الميقاتية إلا شيء يتغيَّر بمعدّل منتظم - شيء ينبض، ونبضة الميقاتية تحدد وحدة زمن، وهذه الوحدة بدورها تتيح لنا - باستعمال عدد - تعيين مدة حدث ما بالضبط، علماً أنَّ ما نسميه معدّلاً منتظماً للتغير هو مسألة عُرف أو اصطلاح. ومع ذلك، وكما في كثير من المسائل الاصطلاحية، فهو ليس اعتباطياً؛ فهو يُقدم لنا وصفاً بسيطاً ودقيقاً للحقيقة الفيزيائية من حولنا.
إنَّ ثقتنا بقدرتنا على توقيت الأشياء كبيرة حقاً؛ فمنذ عهد نيوتن يُنظر إلى مرور الزمن على أنه مطردٌ ومُطْلَق: مطّرد بالتعريف، ومطلق بسبب تخالف رأي الراصدين في توقيت حدث ما .
نعم، لماذا يتخالفون؟ ومع ذلك، وفي الوقت الذي رأى أينشتاين فيه حلمه، كان ثمة أزمة في طور النشوء، فكان حلمه إرهاصاً بالقضاء على التصور الثابت للمكان والزمان المطلقين.
في إحدى الأماسي العاصفة تبدأ أبقار حلم أينشتاين نفسها تبدي أعراضاً واضحة للجنون. ومن غير سبب واضح طفقت تتنقل في أرجاء المرعى بسرعة تقارب سرعة الضوء. لعلها مصابة بنزعةٍ مَرَضيةٍ من جنون البقر بسبب تعرضها السابق للكهرباء.
يعلم المزارع باهتياج أبقاره، فيتوجه إلى الحقل وبيده مصباح كهربائي. وما إن يقترب من الأبقار حتى تهدأ وتتجمع قرب أحد أطراف الحقل، ولكن حالما يسلّط ضوء مصباحه عليها تبدأ بالابتعاد عنه بسرعة كبيرة جداً تتزايد حتى تقارب سرعة الضوء، وهذا ما يجعل المزارع يتساءل إن كانت البقرات في حالة نزو.
كذلك يتساءل المزارع عن أمر آخر؛ ها هو قد سلط الضوء على الأبقار فابتعدت عنه بسرعة تقارب سرعة الضوء. هل يعني هذا أنها، وهي تُسارع الضوء، ترى أشعة الضوء تتوقف؟ إنه لأمر غريب جداً لو حدث تخيَّل الضوء وقد توقف، وهل ثمة شيء اسمه الضوء الساكن؟
للإجابة عن هذا السؤال يتوجه الفلاح إلى كورنيليا، وهي من أذكى أبقار القطيع، لتخبره عما رأت وهي تجري جنباً إلى جنب مع أ أشعة الضوء. وتجيب البقرة أنها لم تلحظ شيئاً غير اعتيادي فيما يتصل بالضوء الذي سلطه الفلاح قبلاً، بل إنه كأي ضوء آخر. ولما كانت كورنيليا محبة للمساعدة، فقد أرادت أن تتثبت من الأمر، فاتَّخذت الإجراءات اللازمة لقياس سرعة الضوء، مستعينةً بالتقنيات المعيارية، ومستفيدة من الميقاتيات وقصبات القياس التي تحملها، ثم خرجت بنتيجةٍ غريبة وجدت أنَّ الأمر لا يندّ عن المألوف، ينتقل الضوء بالنسبة إليها بسرعة 300000 كيلومتر في الثانية.
حان دور المزارع ليشعر برغبة في خنق كورنيليا. أما وقد اقتنع الآن تماماً أن كورنيليا فردّ من قطيع إنكليزي، فإنه يعزم الطلب من بقرتين أخريين لتقوما بقياس سرعة الضوء الصادر عن المصباح. ولكن في هذا الوقت تعم الفوضى، فتتحرك أشدُّ الأبقار عَرَجاً بسرعة أصغر من الأخريات؛ فتبتعد البقرتان اللتان اختارهما الفلاح عنه إحداهما بسرعة 100000 كيلومتر في الثانية، والأخرى بسرعة 200000 كيلومتر في الثانية وتجنباً لإطلاق أسماء بلهاء، فلنسم البقرتين: البقرة A والبقرة B انظر الشكل (3)
وإذ يرى المزارع ضوءه ينتقل بسرعة 300000 كم/ثا، فهو يتوقع من هاتين البقرتين اللتين هما أكثر وعياً أن تخرجا بالنتائج التالية : يجب أن تكون سرعة الضوء 200000 كم / ثا بالنسبة إلى البقرة A أي( 300000 – 100000) و 100000 كم / ثا بالنسبة إلى البقرة B أي( 300000 ـ 200000) ، وهذا من العمليات الجبرية السهلة التي تعلمناها في المدرسة ومفادها أنَّ السرعات تضيف أو تطرح (تبعاً لاتجاهها النسبي . فللحصول على سرعة شعاع الضوء بالنسبة إلى كل من البقرتين، يجب طرح سرعة البقرة من سرعة الضوء، أليس كذلك؟ أم أنَّ أساتذة الفيزياء المناكيد كانوا يخدعوننا في المدرسة طوال الوقت، كما كنا نعتقد دوماً؟
ومن سوء الطالع أن أساتذة الفيزياء أولئك - وفقاً لتصورنا المعتاد للمكان والزمان - لا بُدَّ أن يكونوا على صواب. فلو انطلقت سيارتان من موقع واحد وعلى طريق مستقيم واحد، إحداهما بسرعة 100 كيلومتر في الساعة والأخرى بسرعة 200 كيلومتر في الساعة، فذلك يعني أنه عندما تعلن ميقاتيتي مضي ساعة زمنية تكون السيارة الأولى قد قطعت 100 كيلومتر والثانية 200 كيلومتر. ما هي سرعة أسرع السيارتين بالنسبة إلى السيارة الأخرى؟
حسناً، من الواضح أنه بعد مضي ساعةٍ من الزمن تكون أسرع السيارتين متقدمة بمسافة 100 كيلومتر عن السيارة الأخرى؛ أي 200 - 100. وتكون سرعة السيارة السريعة بالنسبة إلى السيارة الأخرى هي 100 كيلومتر في الساعة، وهذا منطقي: فأنت تطرح المسافات، أما الزمن فيبقى نفسه، لذلك تطرح السرعات. ما الذي يمكن أن يكون موضع خلاف في هذا؟
شكل 3.
وللسبب نفسه، إذا أنا سلَّطتُ ضوءاً ينتقل بسرعة 300000 كم/ ثا على بقرتين تبتعدان عني إحداهما بسرعة 100000 كم / ثا والأخرى بسرعة 200000 ا كم ثا، فإنهما ستريان الضوء منتقلاً بسرعة 200000 كم / ثا و، 100000 كم / ثا على الترتيب.
غير أنَّ البقرتين تخرجان مرةً أخرى بنتيجة غريبة؛ فكلتاهما تعتقدان أنهما تقیسان سرعة الضوء بالنسبة إليهما على أنه، 300000 كم/ ثا! فهما إذن لا تناقضان منطق المزارع فحسب، بل تبدوان وقد ناقضت إحداهما الأخرى.
هل لنا أن نُصدّق الأبقار؟ أم أستاذ الفيزياء؟ من دواعي السرور أنَّ التجربة تبعثنا بالضرورة على تصديق الأبقار! إلا أنَّ ذلك يضعنا وجهاً لوجه أمام مشكلة محيرة؛ إذ ما هو الخطأ في حجّتنا بأن السرعات ينبغي أن تُطرح ليس إلا؟ وبالنظر إلى الأمور كما هي عليه فإن ما رصَدَتْه الأبقارُ بالفعل ما هو إلا محض هراء.
كان هذا الوضع هو اللغز الذي واجه العلماء في نهاية القرن التاسع عشر. واليوم تُعرَف التجارب المؤيدة للدليل الذي وفّرته الأبقار باسم تجارب مايكلسن-مورلي Michelson-Morley experiments، وهي التي رسخت فكرة ثبات سرعة الضوء النسبية بقطع النظر عن حالة حركة الراصد فإذا مشيتُ وأنا في قطار فإنَّ سرعتي بالنسبة إلى رصيف المحطة تُحسَب بإضافة سرعة القطار إليها. وقد وجد مايكلسن ومورلي أنَّ الضوء الصادر عن الأرض الدائبة الحركة كان ينتقل بسرعة واحدة، أي بالمعنى الغريب في أن 1+1=1 بواحدات سرعة الضوء. تلك التجارب خرجت من الفيزياء بنتيجةٍ عميقة البعد عن المنطق، نتيجة تناقضت والمبدأ المنطقي الواضح القائل بإضافة السرعات أو طرحها دوماً.
وقد حُلَّ هذا اللغز المحير عن طريق نظرية أينشتاين النسبية الخاصة. ومن عجب أن أينشتاين عندما طرح نظريته هذه لم يكن على علم بنتائج مايكلسن ـ مورلي، ولربما كان مديناً أكثر لبقرات أحلامه منه لهذه التجارب. لذلك ستناقش الحل الذي انتهى إليه أينشتاين لهذا اللغز بالرجوع إلى أبقاره.
لنَعُد ثانية إلى خدمات كورنيليا فنطلب إليها أن تقف بمحاذاة المزارع. عندما يطلق المزارع ضوء مصباحه على امتداد الحقول تندفع كورنيليا عدواً بسرعة 200000 كم/ثا، ويرى المزارع شعاع ضوئه ينتقل بسرعة 300000 كم ثا . إذن في ثانية واحدة يرى الضوء ينتقل مسافة 300000 كيلومتر بعيداً عنه، وكورنيليا تنتقل مسافة 200000 كيلومتر بعيداً عنه كذلك فيستنتج أ كورنيليا الآن ترى شُعاع الضوء على بُعد 100000 كيلومتر أمامها. أما وقد مضت ثانية واحدة، فهو يعتقد أن كورنيليا لا بد أن ترى شعاع الضوء ينتقل بسرعة 100000 كم / ثا (انظر الشكل 4). ولكن عندما يطلب من كورنيليا قياس سرعة الضوء، تصرّ على أنها وجدت سرعته 300،000 كم/ثا. إذن ما الخطأ الذي حصل؟
هنا بالذات أظهر أينشتاين عبقريته وشجاعته وكان لديه من الجرأة أن اقترح أنَّ الزمن قد لا يكون واحداً لكل واحد وبناءً على ذلك فإذا انقضت ثانية واحدة بالنسبة إلى المزارع فلربما لم ينقض إلا ثلث ثانية بالنسبة إلى كورنيليا .
شكل 4.
فلو صح ذلك لكانت كورنيليا قد عاينت شعاع الضوء على مسافة 100000 كم أمامها، إلا أنَّها لما قسمت المسافة على الوقت المنقضي وجدت أن النتيجة كانت بالفعل 300000 كم/ ثا (انظر الشكل5). وبتعبير آخر، إذا كان الوقت يمضي أكثر بطاً بالنسبة لراصدين في حالة حركة أمكننا عندئذٍ معرفة السبب في أن الجميع متفقون فيما يبدو على أن سرعة الضوء واحدة، وذلك في تناقض صارخ لما يُتوقع من مجرد طرح السرعات.
إلا أن ثمة احتمالاً آخر أيضاً؛ فقد يكون مرور ثانية واحدة بالنسبة إلى المزارع يقابله القدر نفسه تماماً بالنسبة إلى كورنيليا بحيث يكون الزمن مطلقاً بالفعل. ومن يدري؟ فقد يكون الحيز المكاني هو الذي يخدعنا، بحيث أن المزارع يرى شعاع الضوء على بُعد 100000 كيلومتر أمام كورنيليا لأن ذلك الشعاع قد انتقل مسافة 300000 كيلومتر، في حين لم تنتقل كورنيليا نفسها إلا مسافة 200000 كيلومتر. لكن ماذا عسى كورنيليا أن ترى؟ قد يكون ما يراه المزارع 100000 كم تراه كورنيليا 300000 كم (انظر الشكل 6). وإذا كان الأمر كذلك، فستتمكن كورنيليا أيضاً من قياس ما تقيس: انقضت ثانية واحدة،
فصار الضوء على بعد 300000كيلو متر أمامها طبقاً لوحدات قياسها، فسرعة الضوء بالنسبة إلى كورنيليا وبقياسها هي يبلغ بالفعل 300،000 كيلومتر في الثانية. لكن ذلك قد يدل ضمناً على أنَّ الأجسام المتحركة تبدو منضغطة على امتداد جهة حركتها. فهل يمكن أن يتقلص الحيز المكاني بفعل الحركة؟
هذان احتمالان يتّسمان بالإفراط، وهناك بالطبع احتمال ثالث هو مزيج من الاثنين معاً. فقد يتفق أن يمر الزمنُ ببطء أكبر بالنسبة إلى كورنيليا، وأن يتشوه إحساسها بالمسافة بالنسبة إلى إحساس الفلاح بها فيتَّحد الأثران ليعطياها قياساً واحداً لسرعة الضوء. ففي نظر الفلاح انقضت ثانيةً واحدة فكان شعاع الضوء على مسافة 100000 كيلومتر أمام كورنيليا؛ وفي نظرها هي انقضى زمن أقل، فكان شعاعُ الضوء على مسافة أبعد طبقاً لوحدات قياس كورنيليا. والحقيقة أنك إذا ما حللت هذه المسألة كلها رياضياً ستجد بالفعل أن وراء هذه المشكلة المحيرة مزيجاً من هذين الأثرين.
إنه خروج مجنون من المشكلة، لكنّا نتساءل مع ذلك: هل هو صحيح؟ من المؤكد أن المزارع سرعان ما يكتشف أن كل هذا الجنون يعود على أبقاره بأثر مدهش، فلا يتقدم بها العمر ولا تشيخ والسبب أنه لما كان الزمن يمضي أبطأ فأبطأ بالنسبة إلى الأجسام السريعة الحركة، فإن المزارع يكبر سنه أكثر فأكثر، على حين تبدو أبقاره المجنونة في فتوَّةٍ متزايدة يوماً بيوم، حتى لكأن الحياة السريعة المجنونة تصون فتوة الأبقار.
ويكتشف كذلك أن أبقاره قد انضغطت بشدّة حتى كادت تتسطح إلى أقراص عندما يراها وهي تجوز بسرعةٍ خاطفة. حقاً إنَّ للحركة أثراً غريباً، الزمن يمضي أكثر بطاً، والحجوم تتقلص. ولم يُحاول أحد بالطبع تقدير هذين الأثرين اللذين ظهرا في الأبقار، لكنهما رُصدا في جُسيمات تدعى ميونات muons تتولَّد من اصطدام الأشعة الكونية بالغلاف الجوي للأرض.
ومن الواضح أن شيئاً ما كان يجب أن ينهار في الجدال المفضي إلى طرح السرعات. وكان ذلك الشيء هو مفهوم المكان والزمان المُطلَقَيْن؛ فقد قَضَت أبقار أينشتاين، المعروفة أيضاً باسم تجارب مايكلسن ـ مورلي، نهائياً على فكرة الكون المنتظم، ونَفَتْ المعنى المطلق والثابت للزمان والمكان، وظهر بدلاً من ذلك مفهوم مرنّ ونسبي لهما. وقد صيغت النتيجة فيما يُعرف اليوم بنظرية النسبية الخاصة.
عندما ينظر المرء في حلّ أينشتاين للغز الضوء، يُفاجأ بأمرين اثنين: كم هو غريب وكم هو جميل. مَنْ ذا الذي يمكن أن يخرج بفكرة كهذه؟ منذ نحو مئة سنة ونحن جميعاً نعرف مَنْ هذا الرجل. لكنا لو استعدنا شريط الفيلم ونظرنا في مسار القصة سنة 1905 فأعتقد أنَّ صورةً أُخرى مختلفة ستظهر للعيان.
كان الشاب ألبرت أينشتاين إنساناً حالماً مُستغرقاً في أحلام يقظته ومتفرداً في تصرفاته، وكان أداؤه المدرسي مُتقلباً: يتفوّق تارةً في الأداء ولا سيما في الموضوعات التي يحبها، ويخفق تارةً أخرى إخفاقاً تاماً؛ فقد رسب في امتحانات الدخول إلى الجامعة أول مرة. كان يكره الهيمنة العسكرية الألمانية، والطبيعة الاستبدادية للتعليم في زمانه. وفي سنة 1896، عندما كان في السابعة
عشرة من عمره، تخلّى عن جنسيته الألمانية وبقي دون جنسية لسنوات عدة. وفي رسالة إلى أحد أصدقائه وصف أينشتاين الشاب نفسه يوماً بأنه مُهمل وانعزالي وغير محبوب من الناس. وكان ينظر إليه العقلاء من الناس - شأن أمثاله في كثير من الأحيان ـ على أنه «كلب بليد» (بكلمات أحد أساتذته في الجامعة). وبعد تخرجه من الجامعة وجد نفسه على خصام دائم وشحناء مع الأوساط الجامعية والعاملين فيها إلى درجة أن أحد الأساتذة الكبار احتج مستنكراً منحه درجة الدكتوراه أو حصوله على وظيفة. والأسوأ من ذلك أنَّ أينشتاين بات على خلاف مع سائر العالم من حوله، أي أنه كان «مغرقاً في التبطل والكسل»
وفي سنّ الثانية والعشرين نجده ممزقاً ومشتت المذاهب. تراه شديد الثقة بأصحاب الفكر الحز، ويصرح على انفراد بشعوره بمدى تفاهة أصحاب المواقف المحترمة؛ ويعيش في حالة قلق لأنه يوقن بأن لا أمل له بالنجاح على الصعيد الرسمي، وأن عليه أن يحمل نفسه على تزلف أصحاب الشأن للحصول على عمل. وقد كتب أبوه رسالة إلى أحد العلماء المشهورين قائلاً: «يشقى ولدي هذه الأيام من بقائه بلا عمل وفي كل يوم تزداد رسوخاً في نفسه الفكرة بأنه إنسان فاشل في مهنته ولن يجد سبيلاً للعودة إلى الجادة بعد اليوم.»
وبرغم كل الجهود لم يعد أينشتاين إلى الحظيرة الأكاديمية، على الأقل إلا بعد لأي، وبعد أن استكمل معظم العمل الذي اشتهر بسببه. تذكر مراحل حياته الأولى بأحداث الرواية المعروفة مارتن إيدن Martin Eden للكاتب [الأمريكي] جاك لندن jack London التي تُسيء إلى الوسط الأكاديمي إلى الأبد، بما اتصفت به من أساليب دنيئة للتسلط والسيطرة. وبدلاً من ذلك، وبعد عددٍ من المحن، تمكن أحد زملائه من أيام الجامعة أن يجد له وظيفة متواضعة في مكتب براءات الاختراع في مدينة بيرن Bern في سويسرا لم تعد عليه بنفع مادي مجز. والحقيقة باختصار أنَّ فُرص العمل كانت معدومة أو كادت.
في مكتب براءات الاختراع بالذات لمع نجم أينشتاين وهو في سن السادسة والعشرين؛ فكان أداؤه قاصراً فيما يُفترض أن ينجزه في عمله الوظيفي، في الوقت الذي راح يصوغ فيه نظرية النسبية الخاصة من بين دُرَرٍ أخرى كثيرة. وتنويهاً بصديقه الجامعي قال أينشتاين بعد سنوات فيما قال: ثم بعد انتهاء الدراسة تخلّى عني الجميع فجأة لأواجه الحياة، لا أدري أي طريق أسلك إلا أنه وقف إلى جانبي يشدّ من أزري؛ وبفضله وفضل أبيه جئتُ بعد ذلك ببضع سنوات إلى مكتب براءات الاختراع في هالر Haller. لقد كان في ذلك إنقاذ لحياتي في وجه من الوجوه، لكن ليس إلى الحد الذي كنتُ سأموت دونه، بل إلى الحد الذي كان يمكن أن يعوقني (فكرياً)
إذن فقد كان هذا (الرجل) يعيش على هامش المجتمع، وهو سعيد بذلك في النهاية. ومَنْ غيره عسى أن يخرج بشيء قد يبدو جنوناً كنظرية النسبية؟ والمؤسف أن نتاج معظم حالات كهذه ولا سيما ما يكون بسبب العزلة، هو في المواقع أفكار غريبة ولا غناء فيها. وعلى أحد رفوفي مئاتُ الرسائل التي تقوم أمثلة حية على ذلك. في آخر اليوم كان علينا أن نوفي الرجل حقه، إنه ليس مجرد دخيل، لقد كان ألبرت أينشتاين الذي من دونه لكان العالَمُ مُعَوَّقاً فكرياً.
لقيتُ مقالته التي تضمّ نظرية النسبية الخاصة قبولاً عاجلاً؛ فقد جاء في تصريح لاحق لمحرر الصحيفة الذي قرَّر قبولها أنه يعد قبوله الفوري لنشر تلك المقالة الغريبة أعظم إسهام في العلم لكن هل أدرك أينشتاين حقاً قيمة ما فعل؟
ها هي أخته ماجا Maja في أيام شيخوختها تتذكر الشهور التي تلت ذلك فتقول: ((تصوَّرَ العالم الشاب أن مقالته المنشورة في تلك الصحيفة الذائعة الصيت والمقروءة على نطاق واسع ستسترعي الانتباه وتثير الاهتمام فوراً. وتوقع معارضة شديدة ونقداً لاذعاً، لكنه خرج مخذولاً خائب الأمل على أثر الصمت غير المريح الذي تلا نشرها وبخاصة عندما لم تتعرض لها الأعداد التالية من الصحيفة من قريب أو بعيد، إذ اعتمدت الأوساط العلمية المحترفة موقف الانتظار لترى الوقع عند الناس. وانقضى زمن على نشر المقال قبل أن يتلقى ألبرت أينشتاين خطاباً من برلين أرسله البروفسور پلانك Planck يطلب فيه توضيحاً لبعض النقاط المُبهمة عليه. وكانت تلك هي الدلالة الأولى على أنَّ مقالته قد قُرئت بعد طول انتظار. وكم كانت غامرة سعادة العالم الشاب لأن تقدير عمله جاء من أحد أعظم فيزيائيي عصره.))
والواقع أن ما أحرزه أينشتاين حتى الآن كان بعيد الأثر من وجوه عدة، وعلى نطاق يتخطى مجرد التعريف بالمكان والزمان النسبيين. فطارت للنسبية شهرة في الآفاق وانتقلت من نجاح إلى نجاح، وما لبث شقاء أينشتاين ومحنُه الأولى أن انتهت مع بداية اعتراف العالم بإنجازه العظيم. وكان لنظرية النسبية آثارٌ كبيرة وبعيدة؛ فإن لغة الفيزياء - كما ذكرتُ آنفاً ـ هي اليوم لغة النسبية الخاصة إلى حد ما. أما وأن مدار كتابي هذا ليس النسبية في المقام الأول، إذن ا
فلأقتصر على إبراز ما أعده شخصياً النتائج الثلاث المهمة لهذه النظرية. النتيجة الأولى هي أ أن السرعة الثابتة للضوء - التي لا تتغير بالنسبة إلى كل الراصدين في أي زمان ومكان من الكون - هي أيضاً حد السرعة الكوني، وهي إحدى أكثر نتائج نظرية النسبية الخاصة إرباكاً، إلا أنها نتيجة منطقية لمبدئها الأساسي. وبرهان ذلك ما يلي: إذا كنا لا نستطيع أن تسرع الضوء أو أن نكبحه، فنحن أيضاً لا نستطيع تسريع أي شيء ينتقل بسرعة أقل من سرعة الضوء تصاعدياً وصولاً إلى سرعة الضوء. وبالفعل فإنَّ هذه العملية هي بالضبط نقيض تبطئ الضوء. وإن صورتها بالمرآة - لو كان ذلك ممكناً ـ ستكون أيضاً ممكنة خلافاً للنسبية الخاصة. من هنا كانت سرعة الضوء هي حد السرعة الكوني .
ولئن بدت هذه الحقيقة غريبة، فذلك لأن الفيزياء كثيراً ما تكون مخالفة لطبائع الأمور؛ أما ترى بالفعل ولوع أفلام الخيال العلمي بإظهار مركبات الفضاء وهي تخترق حاجز سرعة الضوء؟ فطبقاً للنسبية، لا يهم كثيراً حصولك على بطاقة لتجاوز السرعة الكونية، إنما المهم هو أن النسبية تُظهر أنك ببساطة لن تمتلك الطاقة الكافية التي تمكنك من ذلك، بقطع النظر عن طبيعة المحرك الذي تستعمله.
كذلك فإن لوجود حد للسرعة أثراً كبيراً في الطريقة التي يجب أن نرى فيها أنفسنا في الكون. فمن المعلوم أنَّ أقرب نجم إلينا، وهو نجم حضار ألفا Alpha Centauri من كوكبة قنطورس)، يبعد عنا مسافة ثلاث سنوات ضوئية، وهذا يعني أن رحلة ذهاب إليه وإياب منه ستستغرق منا ست سنواتٍ أرضية على أقل تقدير، مهما كان مستوانا التكنولوجي. إلا أن ذلك قد لا يعني أكثر من جزء من الثانية بسبب ظاهرة تمدد الزمن Time Dilation. وقد يُنتظر في نهاية الرحلة وجود فارق قدره ست سنوات من عدم التوافق بين أعمار روّاد الفضاء وأعمار أحبابهم على الأرض، ولربما تسبب ذلك في وقوع بعض حوادث الطلاق والأمل أن يقتصر الأمر على هذا الحدّ لا أكثر.
ذلك هو الحال في أقرب النجوم إلينا، الذي يُعَدُّ في المتناول» بالمفهوم الفلكي. فكيف عسى أن يكون الأمر فيما هو أشد خطراً على السلم الكوني؟ ومع ذلك فلنقصد في مغامرتنا، ولنتصور رحلة لا تتعدى الطرف الآخر من مجرتنا، فحتى هذا ينطوي على آلاف السنين الضوئية، ورحلة ذهاب وإياب، مع استغلال التكنولوجية إلى أقصى حدودها، تستغرق عدة آلاف من السنوات بالحساب الأرضي. وعلينا أن نكون على يقين من أنَّ ظاهرة تمدد الزمن تقابل بالنسبة إلى روّاد الفضاء بضع سنواتٍ على الأكثر، هذا إذا لم نكن نريد لرحلة الفضاء تلك أن تصبح مقبرةً متنقلة.
وهناك تكمن المشكلة: فلو ضغطت التكنولوجية إلى أقصى حدودها وانطلقت الرحلة ذهاباً وإياباً بسرعةٍ تقارب سرعة الضوء، لأمكن بحسب زمن الروّاد قطع مسافات هائلة في بضع سنين، لكن ذلك سيُقابله دوماً آلاف السنين على الأرض. يا لها من رحلة فضائية عديمة الجدوى! وفيما يعود الروّاد أدراجهم إلى الأرض، قد يتمكنون من زيارة كوكب آخر. لكن المسألة ما عادت مقتصرة هذه المرة على وقوع بعض حالات الطلاق؛ بل سينقطع أولئك الرواد المساكين انقطاعاً كاملاً عن الحضارة التي ينتمون إليها.
فإذا كنا نرغب في تجنب مثل هذه الكوارث فعلينا لزوم سرعة أصغر من سرعة الضوء بكثير، فلا نبتعد كثيراً عن كوكبنا، أي أن يكون مجالنا إلى أضعاف من أعمارنا البشرية - ولنقل عشرات السنين الضوئية، وهو عدد سخيف. لا يُعتد به بالمعايير الكونية، فمجرتنا أكبر من ذلك آلاف المرات؛ وحشدنا المجري الموضعي أكبر مليون مرة.
ومجمل ما ينشأ صورة نحن فيها مقيَّدون بالحركة ضمن أقطار ركن صغير من الكون لا نتعدّاه أشبه بالحياة على الأرض لو لم يكن في وسعنا الحركة بأسرع من مسافة متر واحد في قرن من الزمن. وهي قدرة للحركة محدودة جداً وغير مشجعةٍ كما ترى.
والنتيجة الثانية المهمة لنظرية النسبية هي مفهوم الكون باعتباره رباعي الأبعاد. إننا نتصوّر الحيّز المكاني عادةً على أنه ذو أبعاد ثلاثة هي العرض والعمق والارتفاع. لكن ماذا عن الأمد الزمني؟ نعم، إنَّ لكل شيء تقريباً «عمقاً زمنياً أو أمداً، غير أنا نعلم أنَّ الزمان مختلف أساساً. عن المكان. ولذلك فإنَّ إدخال الزمن في الحساب أو عدم إدخاله مسألة أكاديمية جوهرياً، أو أنها على الأقل كانت أكاديمية قبل ظهور نظرية النسبية.
وطبقاً لنظرية النسبية، نجد أن المكان والزمان منوطان بالراصد، وأن الأمد والطول قد يتمددان أو يتقلصان تبعاً لحالة الحركة النسبية للراصد والمرصود كليهما. لكن إذا تقلص المكان عند تمدد الزمان، أليس ذلك بمنزلة تحول المكان إلى زمان؟ فإذا كان الأمر كذلك، كان الكون بالفعل رباعي الأبعاد. ولا يمكننا أبداً عدم إدخال الزمان في الحساب، لأن المكان قد يتحول إلى زمان والعكس بالعكس.
ذاك هو تصور الكون اليوم، وهو ما يُدعى زمكان منكوفسكي Minkowski space-time (وهو نفسه البروفسور منكوفسكي الذي وسم الطالب ألبرت أينشتاين يوماً بأنه كلب بليد) إن المكان والزمان بحسب نظرية النسبية لم يعودا نسبيين، بل إن مزيجاً منهما معاً يظل نسبياً. وفي ذلك شبه بسيط بمبرهنة الحفاظ الطاقة التي تعلمناها جميعاً في المدرسة، ومؤداها أنَّ للطاقة أشكالاً كثيرة منها على سبيل المثال: الحركة والحرارة لا ينحفظ أي منها بذاته لأن بالإمكان تحويل الحرارة مثلاً إلى حركة باستعمال محرّك بخاري أو غيره). على أن الجملة الكلية للطاقة تنحفظ وتبقى دوماً كما هي. وبالمثل، لم يعد المكان والزمان ثابتين، بل يعتمدان على الشخص الذي تتحدث إليه. ويمكن تمديد الأمد الزمني والطول أو تقليصهما تبعاً للراصد. ومع ذلك تبقى الجملة الكلية للمكان - الزمان نفسها لكل واحد.
وبشيء من التفكير تجد أن صورة المكان - الزمان تنطوي على إحداث تغيير جذري؛ فالوحدة الأساسية للوجود لم تعد نقطة في الحيز المكاني، بل الخط الذي ترسمه هذه النقطة في المكان - الزمان عند اعتبارها في كل الأوقات، وهذا ما يسميه منكوفسكي خط الكون. إذن تصور نفسك لا كحجم في فضاء ثلاثي الأبعاد، بل كأنبوب في زمكان رباعي الأبعاد، أنبوب مؤلف من حجمك وهو يتقدم مع الزمن نحو اللانهائية. ويُذكر هنا أن الفيزيائي جورج گامو George Gamow - بلفتة لا تخلو من الظرف والذكاء ـ أطلق على سيرة حياته الذاتية العنوان: خطي الكوني.
أما النتيجة الثالثة والأخيرة للنسبية الخاصة، التي أود إبرازها، فهي المعادلة المعروفة: E=mc2 أي أن الطاقة تساوي قيمة الكتلة مضروبة في مربع سرعة الضوء ولعلها من أشهر العلاقات الفيزيائية اليوم، فما هي قصتها؟
يرتبط الاستنتاج ارتباطاً وثيقاً بأن سرعة الضوء هي حد السرعة الكوني. وقد سبق غير بعيد أن أقمنا البرهان على هذه الحقيقة منطقياً (من أنا إذا كان بإمكاننا تسريع شيء ما حتى سرعة الضوء، فلا بد بالمقابل أن نكون قادرين على تبطيء، الضوء بما يتعارض مع ثبات، وهذا مقبول، ولكن لماذا لا نستطيع تجاوز الضوء ديناميكياً؟
إذا دفعت جسماً أحدثت فيه تسارعاً، أي تغيراً في سرعته، وكلما ازدادت كتلة الجسم (أو بالتعبير الدارج: كلما كان الجسم أثقل) ازدادت القوة اللازمة لإحداث التسارع نفسه. وما وجده أينشتاين هو أ أنه كلما ازدادت السرعة الظاهرية لحركة الجسم، كان الشعور أنه أثقل (أو بالتعبير العلمي: كان أكبر كتلة). ووجد كذلك أنه إذا اقترب جسم ما من سرعة الضوء بدت كتلته وقد أصبحت لانهائية الكبر. وإذا أصبحت كتلة الجسم لانهائية فليس ثمة قوةً في الكون تكفي لإحداث تسارع ملحوظ فيه فلا شيء يمكن أن يولد ذلك القدر الإضافي البسيط من التسارع الذي يدفع الجسم حتى تناهز سرعته سرعة الضوء أو تتجاوزها.
وهذا هو السبب في أن سرعة الضوء هي بمنزلة حد السرعة الكوني. إنك تستنفد طاقتك وأنت تحاول فعل أمر غير منطقي؛ فالجسم الذي تدفعه يُصبح أثقل فأثقل بحيث لن تستطيع دفعه بقوة كافية تخترق حاجز سرعة الضوء لتنال بذلك البطاقة الكونية للسرعة الفائقة، شئتَ ذلك أم أبيت.
ما شأن هذا بالعلاقة: E=mc2؟ فيما يلي نورد أفكار أينشتاين أنقى ما تكون، تدعمها أسباب بسيطة من التناظر والجمال إنه الآن يلاحظ أن الحركة شكل من أشكال الطاقة، تسمى أحياناً الطاقة الحركية kinetic energy. فإذا زدت من كتلة جسم بإضافة مزيد من الحركة إليه بدا ذلك وكأنك تزيد من كتلته عن طريق زيادة طاقته على صورة حركة هنا لكن ما هي الخصوصية في كون الطاقة شكلاً من أشكال الطاقة الحركة؟ إنا نعرف أن بإمكاننا تحويل أي شكل من الطاقة إلى شكل آخر، فلماذا لا نقول إنا بزيادة طاقة الجسم (مهما كان شكل الطاقة) فإنا بذلك نزيد من كتلته؟
إنه تعميم جريء حقاً، إلا أن له آثاراً ينبغي أن تكون قابلة للرصد من حيث المبدأ. فعند تسخين جسم تزداد كتلته وعند شد شريط مطاطي يراكم طاقة مرنة فتزداد بذلك كتلته أيضاً (زيادةً صغيرةً لا كبيرة على كل حال)، وكذا في أشكال الطاقة كلها. وبضربةٍ مُحْكَمَةٍ من نفاذ البصيرة، وفي مقال مؤلف من ثلاث صفحات نشر سنة 1905، يرى أينشتاين أن كتلة جسم m بزيادة طاقته E مقسومة على مربع سرعة الضوء، أي أنَّ:
m=E/c2
ومثار الجدل أنه هو عند إضافة طاقة حركية إلى الجسم تزداد كتلته، وأن ذلك يصح على كل أشكال الطاقة لأسباب تتعلق بالتناظر.
على أن فكرة بارعة أخرى راودته بعد سنتين من ذلك؛ ففي سنة 1907 تمكن من دفع حسه بالجمال والتناظر خطوة إلى الأمام، وكان قبل ذلك بسنتين قد لاحظ أن تحديد علاقة بين زيادتي الكتلة والطاقة، إلى الطاقة التي هي على شكل حركة، قد أفسد وحدة الانسجام: فكل أشكال الطاقة يجب أن تعمل على زيادة كتلة الجسم. لكن ألا يوحي ذلك أن للطاقة كتلة، بل وأكثر من ذلك: أنهما شيء واحد؟
ويبدو أن تسوية أي أشكال الطاقة بالكتلة والعكس يحسن من وحدة انسجام النظرية وكمالها. وإذا كان ثمة كتلة لكل أشكال الطاقة، ألا يترتب على ذلك أن يكون لكل كتلة طاقة أيضاً؟ ألا يجب إذن تسوية الكتلة بشكل من الطاقة؟ لهذا أجرى أينشتاين تعديلاً بسيطاً جداً على العلاقة المذكورة آنفاً، فأعاد كتابتها هكذا: E=mc2
وهي على بساطتها الظاهرة تعد قفزةً كبيرةً في المفاهيم الفيزيائية، وتتميز مرة أخرى بجرأة في التعميم، لكنه تعميم له ما يبرره. والعلاقة قابلة للاختبار ولها آثار ملحوظة؛ فإذا اختبرتها بالأرقام بإجراء عملية حسابية بسيطة، سيُدهشك أن ترى أن كراماً واحداً من المادة ينطوي على طاقة هاجعة تعادل الطاقة الناتجة عن انفجار نحو 20000 کیلوغرام من مادة TNT.
لكن من الواضح أن هذا خطأ، أليس كذلك؟ كيف تمكن أينشتاين من التعامل مع هذا التناقض الكبير؟ لقد بين أنا لا نلاحظ الطاقة بحد ذاتها، بل نلحظ آثار تغيراتٍ فيها فقط: فأنا أشعر بالبرد إذا انتقلت الطاقة الحرارية من جسدي إلى الوسط المحيط بي وأحس بأن سيارتي تتسارع إذا ضغطت دواسة المسرع وأحرقتُ وقوداً، محوّلاً بذلك الطاقة الكيميائية المأخوذة من الوقود إلى حركة. أما الطاقة الهائلة المختزنة داخل غرام واحد من المادة فتمر مروراً غير ملحوظ لأنها لم تنطلق في الكون أبداً؛ فهي أشبه بخزان ضخم للطاقة كامن داخل جسم، ولا يفصح عن وجوده.
وفي وصف مبسط لهذا المفهوم كتبه أينشتاين نفسه، ضرب مثلاً رجلاً فاحش الثراء لا يزايل درهماً من ماله، يُضيق على نفسه في العيش ولا يُنفق إلا القليل، ولذلك لا يعلم أحد من أمر ثروته شيئاً لأن آثار التبدل فقط هي ما يظهر للعيان. كذلك شأن الطاقة الهائلة المرتبطة بكتل الأجسام.
ولعلّي أُذكرك بأن مبحث الفيزياء النووية لم يكن قد تبلور آنئذ بعد، إذ تطور مفهوم طاقة الكتلة من بداياتٍ لا تعدو الورقة والقلم، بل وحتى من اعتبارات تناظرية وجمالية محضة، ولم يكن أينشتاين المُسالم مدركاً تمام الإدراك لما كان مقبلاً على كشفه.
بتاريخ 6 آب / أغسطس 1945 أنعم الرجلُ الفاحش الثراء» الذي ضربه أينشتاين مثلاً بثروته على العالمين أجمعين.
كان لنظرية النسبية وقع زلزال فكري عنيف فما من أحد اليوم يتمارى في أن النسبية قد أحدثت ثورة في عالم الفيزياء، إلا أنها غيرت في الوقت نفسه وإلى الأبد ـ من إدراكنا لمفهوم الحقيقة، فضلاً عن آثارها البعيدة في وجهة تاريخ القرن العشرين برمته إلى درجة لا تجد معها في هذه الأيام أحداً لم يسمع بنظرية أينشتاين النسبية.
وسرعان ما أدرك أينشتاين أن نظريته غير مكتملة، وهذا هو سبب تسميته لها بالنسبية الخاصة، فعكف على إيجاد نظرية النسبية العامة»، وكان ذلك عملاً مثيراً حقاً ورائداً في بابه، غير أن قصة اكتشاف النظرية ليست قصة مباشرة واضحة المعالم: فقد انتهت عند هذه النقطة سذاجة المراهقة وأحلامها، وبات أينشتاين الجاهد للوصول إلى نظرية النسبية العامة كابوساً حقيقياً لإنسان سعي ناضج فعلاً. انظر إلى الصور الفوتوگرافية الملتقطة له وقد شارف إتمام النظرية العامة تَر رجلاً منهكاً تماماً، سيماه ونظراته كمن هو خارج تواً من معركة فكرية طويلة وقاسية.
الاكثر قراءة في مواضيع عامة في النظرية النسبية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)