سنقف في هذه المحطة من البحث على أهم المواطن السلبية من القوانين الخاصة بالآثار التي شُرّعَتْ خلال مدة الاستعمار البريطاني للعراق، وفيما يلي استعراض لهذه القوانين:
الفرع الأول: قانون الآثار القديمة 1924م
في خريف عام 1922م، عاودت مس (بيل) عملها بتوسّع لإعداد قانون للآثار، فاستعانت بقانون الآثار الهندي، وقانون الآثار المصري، وقانون الآثار العثماني، فوضعت مشروعًا للقانون المطلوب الذي عُرِضَ على مجلس الوزراء في (1/11/ 1922م) الذي عقد جلسةً خاصةً لمناقشة مواده، وأخيرًا بعد عدة مداولات صدر القانون في (26/ 6 / 1924م)، باسم قانون الآثار القديمة لسنة 1924م، بالإدارة الملكية المرقمة (364) (1).
يتألف القانون من ستة أبواب وثلاث وثلاثين مادةً، المادة الأولى تنص على أنَّ الغرض منه تأمين سلامة الآثار القديمة حرصًا على منافع أهالي البلاد ورغبةً في ترقية العرفان. أما المادة الثالثة والثلاثون فنصت على أنه يُلغى بيان القائد العام للقوات البريطانية عام 1917م، الخاص بصيانة الآثار القديمة ومنع الاتجار بها. وبعد هذه الديباجة سنبيّنُ أهم ما سُجِّلَ على هذا القانون من نقاط سلبيّة: أولا: إنَّ هذا القانون هو أوّل قانون صدر بعد إعلان الحكم الوطني في العراق، ورافق صدوره تنامي علم الآثار من الجانب القانوني، إلا أنه قد وضعت أساساته بلمسات واضحةٍ من قبل سلطة الانتداب البريطاني التي تعمل بطبيعة الحال على مراعاة مصالحها، ونلتمس ذلك بصورةٍ واضحةٍ من استخدام مصطلح (الآثار القديمة)، مما يشير إلى أنَّ نص القانون مترجم عن اللغة الإنكليزية التي تستعمل مصطلح (Antiquities)، الذي يُترجم إلى اللغة العربية (الآثار القديمةُ)؛ لذلك لم يحتوِ القانون على بنود تحمي المواقع الأثرية، وتمنع العبث بها بصورة مباشرة، أو حتى فقرات تفرضُ على الجهات القائمة بالتنقيب صيانة الآثار وترميمها بع الانتهاء من عملها، بل كان القانون أشبه ما يكون بتنظيم للعمل الآثاري، ومحاولة لإسباغ الصفة الشرعية والقانونية على عمليات المتاجرة بالآثار وتصديرها وقسمتها على البعثات الأجنبية، والغاية هي إيجاد طرق قانونية لتصدير الآثار إلى خارج العراق.
ثانيا: من النقاط السلبية التي اعترَت القانون هي مسألة المتاجرة بالآثار عبر رُخص قانونية وحكومية وفق شروط معينة، يمنحها مدير دائرة الآثار والوزير المسؤول لأي فرد يرغب بالمتاجرة بالآثار، إذ نصت المادة (10) من هذا القانونِ على أنه «لا يجوزُ احترافُ بيع الآثار القديمة في العراق إلا بإجازة خاصة بالمتاجرة بالآثار القديمة، يُصدرُها المدير بتوقيعه وتوقيع الوزير»، أما المادة (13) فنصت على أنه «لا يجوز تصدير الآثار القديمة إلّا برخصة يُصدرها الوزير»، وهكذا يتم إخراج الكثير من الآثار القديمة تحت غطاء قانوني، فضلًا عن الطرق غير القانونية.
ثالثًا: أشار القانون إلى مسألة خطيرة، وهي قسمة الآثار المكتشفة بين الجهات القائمة بالتنقيب والحكومة، إذ نصت المادة (22) على (عند ختام التنقيب ينبغي للمدير أن يختار من بين الأشياء المكتشفة ما يراه لازما لإكمال المتحف العراقي من الوجهة العلميّة، وله بعد إفراز هذه الأشياء أنْ يُخصص للذي أُعطِيَ رخصةً التنقيب عددًا كافيًا من العاديات مكافأةً عن أتعابه بصورة عادلة، وعندما يفعل المدير ذلك ينبغي أن يتوخى بحسب الإمكان جعل حصة ذلك الشخص ممثلةً لجميع النتائج التي حصلت من تنقيبه، وعلى هذا الأساس تكون حصة الجهة القائمة بالتنقيب نصف الآثار المكتشفة.
رابعا: من المسائل الأخرى أيضًا ذات البعد الخطير هو عدم اتخاذ الاحتياطات اللازمة لمراقبة عمليات التنقيب، وعدد ما يُسجّل منها في سجلات البعثة، وذلك اعتمادًا على أمانة هذه البعثات، وقد فتح هذا الباب على مصراعيه لتهريب الآثار والمتاجرة بها بشكل واسع، فكانت هذه المسألة أحد أكبر عيوب هذا القانون.
الفرع الثاني: قانون منع تهريب الآثار القديمة لسنة 1926م
تم إصدار قانون تضمن أربع مواد قانونية تحت اسم قانون منع تهريب الآثار لسنة (1926)، إذ جاء في مضمون المادة الثانية من هذا القانون: «للحكومة أنْ تصادر كل أثر قديم يرد العراق دون إجازة من حكومة البلاد المستورد منها، وتعيده إلى تلك البلاد إذا عُقد اتفاق بين الحكومتين للقيام بمعاملة متقابلة في هذا الباب».
إن هذا التشريع قد نالته يد الاستعمار بالعبث أيضًا من جانبين:
أولا: إنّه لم يتطرّق إلى منع تهريب الآثار إلى خارج العراق، بل اقتصر على منع دخول الآثار إلى العراق عن طريق التهريب فقط.
ثانيًا: كما أنه لم يُلحق بقانون الآثار القديمة لعام 1924م، بوصفه مادةً مضافةً إليه وخصوصا إذا ما علمنا بأنّ المادة الثانية هي التي أوضحت غاية القانون دون المواد الثلاث الأخرى، لكنّه رغم ذلك صدر بوصفه قانونًا مستقلا، ربما كان المغزى من هذه المسألة هي التلاعب بموضوع تهريب الآثار بحجة وجود قانون خاص بها.
.........................................................
1. الألوسي، سالم، رواد علم الآثار في العراق، 92.