عندما يأخذ المرء بدراسة الميكانيك يتشكل لديه انطباع بأن كل شيء، في هذا الفرع من العلم، ميسر وأساسي وأن كل القوانين التي استخلصها حقيقة لا حقيقة سواها. ولم يكن ليخطر على البال وجود درب آخر هام لم يلحظه أحد خلال ثلاثة قرون ؛ وهذا الدرب الذي لم يُطرق ينطلق من أحد المفاهيم الأساسية في علم الميكانيك، وهو مفهوم الكتلة.
لنعد إلى التجربة البسيطة المثالية لسيارة موضوعة على طريق منبسط. فإذا كانت في حالة سكون ثم أعطيناها صدمة فستتحرك بعدئذ بسرعة معينة. لنفترض أن هذه التجربة يمكن أن نكررها عدداً كبيراً من المرات ، بآلية الصدم نفسها وبالقوة نفسها وعلى السيارة نفسها وعلى الطريق نفسه. فمن المعقول أن نقبل عندئذٍ أن سرعة السيارة بعد الصدم تكون هي نفسها أيضاً في كل مرة . ولكن ماذا يحدث لو أدخلنا تعديلاً على التجربة، كأن نجعل السيارة محملة أكثر من ذي قبل ؟ من الواضح أن السرعة بعد الصدمة تصبح أصغر من ذي قبل؛ فنستنتج: إذا تسلطت قوتان متساويتان على جسمين مختلفين كانا ساكنين، فإن سرعتيهما بعد الصدم تكونان مختلفتين. ونقول: إن السرعة تتعلق بكتلة الجسم، وتكون أصغر إذا كانت كتلته أكبر.
وهكذا نتعلم ، نظرياً على الأقل ، كيف نتمكن من تعيين كتلة الجسم ، أو بتعبير أدق، بكم مرة تكون كتلة هذا الجسم أكبر من كتلة ذاك . فإذا كنا نمتلك قوتين متساويتين نصدم بهما جسمين مختلفين ساكنين وتحققنا من أن سرعة الأول بعد الصدم تساوي ثلاثة أضعاف سرعة الثاني ، نستنتج أن كتلة الأول أصغر بثلاث مرات من كتلة الثاني . بيد أن هذه ليست طريقة عملية لقياس نسبة كتلتين ؛ لكن هذا لا يمنعنا من أن نتصور أننا نستعملها أو نستعمل أية طريقة أخرى تشبهها وتستند على قانون العطالة.
ولكن كيف نقوم عملياً بقياس الكتلة ؟ بالتأكيد ، ليس بالطريقة التي أتينا على شرحها . أما الجواب السديد فيعرفه كل الناس : بواسطة الميزان .
لنفحص عن كتب هاتين الطريقتين المختلفتين لتعيين الكتلة إن تجربة الطريقة الأولى لم يكن لها أية علاقة بالثقالة ، أي بجاذبية الأرض . فالسيارة ، بعد أن تتلقى الصدمة ، تتحرك على سطح أفقي مستو أملس تماماً . فقوة الثقالة ، وهي سبب بقاء السيارة على السطح ، لاتتغير ولا تلعب أي دور في تعيين الكتلة . لكن الأمر يختلف عن ذلك كلياً في طريقة الميزان ؛ فنحن لانستفيد شيئاً من الميزان لو أن الأرض لاتجذب الأجسام . فالفرق بين طريقتي تعيين الكتلة هاتين هو أن أولاهما عديمة العلاقة بقوة الثقالة ، بينما تستند الثانية جوهرياً على وجود هذه القوة .
ولنسأل الآن : إذا قسنا بهاتين الطريقتين نسبة كتلتين فهل نحصل على قيمة واحدة لهذه النسبة ؟ إن جواب التجربة عن هذا السؤال واضح لا لبس فيه : نعم وبدقة . إن هذه النتيجة ليست وليدة المحاكمة الفكرية ، ويستحيل الحصول عليها إلا من خلال التجربة . لنطلق إذن ، توخياً لبساطة التعبير ، اسم الكتلة العطالية على الكتلة التي نحصل عليها من التجربة الأولى ، واسم الكتلة الثقالية أو الوازنة على الكتلة التي نحصل عليها بواسطة الميزان . وقد اتفق ، في العالم الذي نعيش فيه ، أن تكون هاتان الكتلتان متساويتين ؛ لكننا نستطيع أن نتصور أنه كان يمكن أن لاتكونا متساويتين . وهنا ينطرح فوراً السؤال التالي : هل التطابق بين هذين النوعين من الكتلة صدفة بحتة، أم هل يجب علينا أن نفتش فيه عن معنى خفي ؟ إن الجواب من وجهة نظر الفيزياء التقليدية ، هو : إن هذا التطابق عرضي ولا يجب أن نعلق به أي معنى عميق . لكن جواب الفيزياء الحديثة معاكس تماماً : إن التطابق بين الكتلتين ظاهرة معنوية أساسية ويجب أن تتخذ وسيلة للتوغل إلى أكثر مستويات الطبيعة عمقاً . وهذه الفكرة تشكل، في واقع الأمر ، أهم نقاط الانطلاق لنشوء نظرية النسبية العامة.
إن الرواية ذات الأسرار تبدو من مستوى منخفض إذا كانت الظواهر الغربية فيها تحسب من الصدف . ونحن بالتأكيد نستحسن الرواية إذا كانت تسير وفق مخطط منطقي . وهكذا ، فإن النظرية التي تقدم تفسيراً لظاهرة تطابق الكتلة الثقالية مع الكتلة العطالية أفضل من النظرية التي ترى في هذا التطابق صدفة محضة ؛ هذا إذا كانت النظريتان تنسجمان، سواء بسواء ، مع الوقائع المرصودة .
بما أن هذا التطابق بين الكتلة العطالية والكتلة الثقالية ( الوازنة ) قد لعب دوراً أساسياً في بناء نظرية النسبية فلنا كل العذر في أن نتفحص هذا الأمر هنا عن كتب . فما هي التجارب التي تثبت بشكل مقنع أن الكتلتين متطابقتان ؟ إن الجواب يكمن في تجربة غاليله القديمة على كتل مختلفة تركها تسقط من قمة برج عال فتحقق من أنها تستغرق في سقوطها أزمنة متساوية ومن أن حركة الجسم الساقط مستقلة . عن كتلته . ولكي نجد صلة بين هذا الواقع التجريبي البسيط والمهم جداً وبين تطابق الكتلتين لابد من إجراء محاكمة معقدة بعض الشيء .
إن الجسم الساكن يستسلم للقوة الخارجية الفاعلة فيه فيأخذ بالحركة ويبلغ سرعة ما . إن مدى سهولة خضوعه للقوة يتوقف على كتلته العطالية، علماً بأن مقاومته للحركة تصبح كبيرة كلما كانت كتلته عظيمة. وعلى هذا الأساس يمكن أن نقول ، دون أن ندعي في هذا القول دقة عالية ، بأن الفورية التي يستجيب بها الجسم لنداء القوة الخارجية تتعلق بكتلته العطالية . فإذا صح أن الأرض تجذب أي جسم بقوة واحدة فإن الجسم الذي يمتلك أكبر كتلة عاطلة لابد أن تكون حركة سقوطه أبطأ من حركة الآخرين. لكن الواقع غير هذا : إن كل الأجسام تسقط متصاحبة في الحركة ؛ وهذا يعني أن القوى التي تجذب بها الأرض كتلاً مختلفة يجب أن تكون مختلفة فيما بينها . لكن الأرض تجذب الحجر بقوة الثقل ولا تعلم شيئاً عن كتلته العطالية ، أي أن ( نداء ) قوة الأرض يتعلق بالكتلة الثقالية . أما ( استجابة ) الحجر في حركته فتتعلق بالكتلة العطالية ؛ وبما أن حركة و الاستجابة ، واحدة لدى كل الأجسام - كل الأجسام المتروكة معاً تتصاحب أثناء السقوط - فلا مناص من استنتاج أن القوة الثقالية تساوي القوة العطالية .
هذا ويوجز الفيزيائيون هذه المحاكمة بالعرض المتحذلق التالي : إن تسارع حركة الجسم في سقوطه الحر يكبر متناسباً مع كبر كتلته الثقالية ويصغر متناسباً مع كبر كتلته العطالية . وبما أن كل الأجسام تسقط بتسارع واحد فلابد أن تكون هاتان الكتلتان متساويتين .
إن في روايتنا العظيمة ذات الأسرار لا توجد مسألة محلولة بالتمام وواضحة أبد الدهر . فبعد قرون ثلاثة وجدنا أنفسنا مضطرين للعودة إلى نقطة البدء في مسألة الحركة ، والمراجعة أسلوب تحرياتنا وللاهتمام بأفكار كانت قد أهملت ؛ مما أدى إلى تغيير صورة العالم التي كانت مرتسمة في أذهاننا.