بعقد «صلح باساو» بين شارل الخامس والأمراء الألمان تكون الحرب قد انتهت بالنسبة لهم، ولكنها لم تنته بالنسبة لفرنسا، إذ لم يدخل هنرى الثاني طرفاً في الصلح. وعلى ذلك استمرت الحرب بين الطرفين، ولكنها لم تكن في صالح شارل الخامس فاضطر إلى عقد الهدنة مع هنري الثاني في «فوسيل» Vaucelles في فبراير 1556م لمدة خمس سنوات. وقد تركت هذه الهدنة في يد الفرنسيين جميع فتوحاتهم من ميتز إلى كورسيكا.
وقد أصابت هذه الهزائم شارل الخامس بالمرض، وصار يطلب العزلة الدينية، فتنازل فى يناير 1556م عن أسبانيا لابنه فيليب، فأصبح ملكاً عليها باسم فيليب الثاني. وكان قد استولى من
قبل على ميلان ونابولى وعلى الأراضي المنخفضة. كذلك تنازل شارل الخامس لأخيه عن تاج الإمبراطورية، واعتزل العالم ليعيش في يوست Yuste بأسبانيا.
ولم تلبث الحرب أن تجددت بين فرنسا وأسبانيا بسبب البابا بول الرابع الذي اعتلى عرش البابوية في مايو 1555 1555م، وكان يكره الأسبان ويريد طردهم من نابولى والقضاء على نفوذهم في إيطاليا. فقد عقد معاهدة مع هنري الثاني تقضى بانتزاع نابولي من يد فيليب ومنحها لأحد أبناء هنرى الثاني، فيما عدا الجزء الشمالي الذي يعطى للبابا. ولمواجهة هذه المعاهدة قام حاكم نابولي من قبل فيليب بغزو أملاك البابا حتى اضطر هذا إلى طلب الهدنة في ديسمبر 1556م، كما طلب من هنرى الثانى ملك فرنسا النجدة فأرسل إليه جيشاً بقيادة فرانسوا دوق جيز في آخر ديسمبر
على أن فيليب الثاني، الذي كان يعتبر نفسـه حـامـيـاً للكاثوليكية، لم يشأ القضاء على البابا زعيم الكاثوليكية، فأمر حاكم نابولي بإبرام الصلح. ولكن بينما كانت المفاوضات تدور مع البابا، وصل الجيش الفرنسي إلى الأملاك البابوية، واضطر حاكم نابولى إلى التقهقر جنوباً، فغزا الفرنسيون نابولي.
في ذلك الحين زار فيليب الثانى ملك أسبانيا، إنجلترا ليستميل زوجته ماري تيودور Mary Tudor للدخول في الحرب إلى
جانبه، ونجحت الزيارة، فأعلنت إنجلترا الحرب على فرنسا في يونية 1557م، وحاصرت جيوش فيليب الفرنسيين في مدينة سان كانتان San Quentin. وعندما حاولت النجدات الفرنسية تخليصهم، هزمهم الأسبان هزيمة بالغة بالقرب من سان كانتان في 10 أغسطس 1557م، ففقدت فرنسا جيشها الوحيد في الشمال وانفتح الطريق أمام فيليب إلى باريس.
على أنه بدلا من أن يواصل فيليب الزحف على باريس ارتكب فى ذلك الحين خطأ فادحا عندما اكتفى بتشديد الحصار على سان كانتان حتى سقطت في 27 أغسطس، فأتاح للفرنسيين استقدام جيوشهم بإيطاليا بقيادة فرانسوا دوق جيز.
في ذلك الحين كان التذمر قد اشتد بين الجنود الألمان المرتزقة في جيش فيليب لتأخر، مرتباتهم، حتى انضم فريق منهم إلى صفوف الفرنسيين. كما أبدى الإنجليز الرغبة في العودة إلى أوطانهم. ولم يملك فيليب إزاء ذلك إلا احتلال بعض الحصون قليلة الأهمية، ورجع إلى بروكسل ليأمر بتسريح جيشه، فأضاع بذلك فرصة الانتقام من الهزائم التي نزلت بأبيه في أواخر أيام حياته.
أما الفرنسيون فقد جمعوا جيشاً كبيراً وبدئوا في يناير 1558م محاصرة الإنجليز فى كاليه، وهى آخر معاقلهم في أرض فرنسا، فسقطت في أيديهم بعد حصار ثمانية أيام فقط بعد أن بقيت في أيديهم من أيام حروب المائة سنة.
على أن الفرنسيين لم يلبثوا أن هزموا هزيمة شنعاء على يد جيش فلمنكي من الأراضي المنخفضة تساعده من البحر مدفعية الجيش الإنجليزي، وذلك بالقرب من جرافيلين Gravelines في يوليو 1558م ، فبدأت بعد هذه الهزيمة مفاوضات الصلح بين الفرنسيين والأسبان التي انتهت بعقد الصلح فى كاتو - كامبريسيس في 3/2 أبريل 1559م. وكان مما سهل الاتفاق أن ماري تيودور توفيت في نوفمبر 1558م، واعتلت اليزابيث عرش إنجلترا، ولم تعد بفيليب حاجة للتمسك بعودة كاليه إلى إنجلترا، وعندما وجدت اليزابيث أن أسبانيا لن تساعدها على استرجاع كاليه رضيت ببقائها في حوزة الفرنسيين لمدة ثمانية أعوام.
وقد انتهت بصلح كاتو - كامبريسيس» الحروب الإيطالية وأكثر من ذلك أنه أصبح يمثل التسوية الدولية التي انتظمت على أساسها العلاقات الدولية فى أوروبا في مدة المائة سنة التالية تقريباً - أي لغاية «معاهدة وستفاليا Westphalia» سنة 1648م. وقد تقرر فيه ما يلي:
أولاً: بالنسبة للحدود الشمالية الشرقية الفرنسية، أعادت فرنسا «ماريينبورج Marienburg وتيونفيل» Thionville و «دامفيللرز Demvillers و «مونتمیدی» Montmedy، واستبقى فيليب «هزدن» Hesden
وحصلت فرنسا على سان كانتان»، و«هام» Ham و«لوكاتيليه Le Catelet» و «تيرونان» Terounanne وأعادت فرنسا إلى أسقف لييج» Liege بلدتي «بوفين» Beauvines و «بوییون» Bouillon
ثانياً: بالنسبة لإيطاليا والحدود الجنوبية الشرقية الفرنسية أخلى الفرنسيون «مونفيرات Monferrate والميلانيز» Milanese وكورسيكا، وسافوى، و « بريس Presse بين فرعى الرون، وتقع جنوب «فرانش کومتيه»، وبيدمونت كما وافقت فرنسا على إعطاء «مونتالیینو Montalieno إلى دوق توسكانيا، واستبقت لها ماركيزية سالوتزو Saluzzo.
ثالثاً: بالنسبة للحدود الشرقية الفرنسية، استبقت فرنسا «تول» «وميتز»، و«فردان»، فبقيت هذه لفرنسا.
رابعاً: لم تشأ فرنسا المطالبة بأي تعويض لحليفها ملك نافار وتزوج فيليب الثاني من اليزابيث ابنة هنري الثاني ملك فرنسا، في حين تزوج دوق سافوي من مارجريت أخت ملك فرنسا.
ولكن في أثناء احتفالات الزواج قتل هنرى الثاني حينما كان يقوم بأعمال الفروسية في 10 يوليو 1559م.
وقد اعتبر الفرنسيون المعاصرون صلح كاتو – كامبريسيس محنة كبرى لما يأتي:
1 - تضمنت المعاهدة قبول السيطرة الأسبانية في إيطاليا، حيث بقيت أسبانيا محتفظة بنابولى وميلان، فلم تتخلص إيطاليا من النفوذ الأسبانى قبل ثلاثة قرون.
2- أتاح إخلاء فرنسا سافوى الفرصة لقيام دولة حاجزة منها بين فرنسا وإيطاليا ضد المطامع الفرنسية.
3- أعيدت حدود الأراضي المنخفضة إلى ما كانت عليه بتعديل طفيف، ولم تتل فرنسا في مقابل ذلك سوى أماكن قليلة. مع ذلك، فلم تحمل معاهدة كاتو - كاميريسيس» لإسبانيا النصر كله، لأنها حملت في أصولها أسباب المتاعب التي واجهت أسبانيا في بقية القرن 16 الميلادي حتى القرن الثامن عشر الميلادي خصوصاً، وذلك للأسباب الآتية:
1 - كان استيلاء فرنسا على كاليه، ثم احتفاظها بتول وميتز وفردان، مما أعطاها قواعد مهمة سمحت لها في الفترة التالية من القرن السادس عشر إلى السابع عشر الميلاديين، بتوجيه جيوشها منها لتلحق الضرر بالنفوذ الأسباني في الأراضي المنخفضة ذاتها.
2 - لم يكن تأكيد سلطان أسبانيا في الأراضي المنخفضة في صالح أسبانيا، لأنه أدخلها في منازعات كثيرة خرجت منها منهوكة القوى.