1

المرجع الالكتروني للمعلوماتية

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

مقالات متفرقة في علم الحديث

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند العامّة (أهل السنّة والجماعة)

علم الرجال

تعريف علم الرجال واصوله

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

مقالات متفرقة في علم الرجال

أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)

اصحاب الائمة من التابعين

اصحاب الائمة من علماء القرن الثاني

اصحاب الائمة من علماء القرن الثالث

علماء القرن الرابع الهجري

علماء القرن الخامس الهجري

علماء القرن السادس الهجري

علماء القرن السابع الهجري

علماء القرن الثامن الهجري

علماء القرن التاسع الهجري

علماء القرن العاشر الهجري

علماء القرن الحادي عشر الهجري

علماء القرن الثاني عشر الهجري

علماء القرن الثالث عشر الهجري

علماء القرن الرابع عشر الهجري

علماء القرن الخامس عشر الهجري

الحديث والرجال والتراجم : علم الحديث : علوم الحديث عند العامّة (أهل السنّة والجماعة) :

في كتابة الحديث وكيفيّة ضبط الكتاب وتقييده

المؤلف:  عثمان بن عبد الرحمن المعروف بـ(ابن الصلاح)

المصدر:  معرفة أنواع علوم الحديث ويُعرَف بـ(مقدّمة ابن الصلاح)

الجزء والصفحة:  ص 292 ـ 316

2025-04-01

41

النَّوْعُ الْخَامِسُ والعِشْرُونَ.

فِي كِتَابَةِ الْحَدِيْثِ وَكَيْفِيَّةِ ضَبْطِ الكِتَابِ وَتَقْيِيْدِهِ.

اخْتَلَفَ الصَّدْرُ الأوَّلُ في كِتابَةِ الحديثِ، فَمِنهُمْ مَنْ كَرِهَ كِتَابَةَ الحديثِ والعِلْمِ وأمَرُوا بحفْظِهِ، وَمِنهُمْ مَنْ أجَازَ ذلكَ (1).

ومِمَّنْ رُوِّيْنا عنهُ كَرَاهَةَ ذلكَ: عُمَرُ (2)، وابنُ مَسْعُودٍ، وزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ، وأبو مُوْسَى، وأبو سَعِيْدٍ الْخُدْرِيُّ (3) في جَمَاعَةٍ آخَرِيْنَ مِنَ الصحابَةِ والتَّابِعِينَ. ورُوِّيْنا عَنْ أبي سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ أنَّ النبِيَّ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلّم ـ قالَ: ((لاَ تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئاً إلاَّ القُرْآنَ، ومَنْ كَتَبَ عَنِّي شَيْئاً غيرَ القُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ)). أخرجَهُ مُسْلِمٌ (4) في "صحيحِهِ". ومِمَّنْ رُوِّيْنا عنهُ إبَاحَةَ ذلكَ - أوْ فَعَلَهُ -: [الإمام] عَلِيٌّ [عليه السّلام] (5)، وابْنُهُ [الإمام] الحسَنُ [عليه السّلامٍ] (6)، وأنَسٌ(7)، وعبدُ اللهِ بنُ عَمْرِو بنِ العَاصِ (8) في جَمْعٍ (9) آخَرِيْنَ مِنَ الصَّحابَةِ والتَّابعيْنَ.

ومِنْ صَحِيْحِ حَديثِ رَسُولِ اللهِ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلّم ـ الدَّالِّ عَلَى جَوَازِ ذلكَ: حَدِيثُ أبي شَاهٍ (10) اليَمَنِيِّ في التِمَاسِهِ مِنْ رِسُولِ اللهِ أنْ يَكْتُبَ لَهُ شَيْئاً سَمِعَهُ مِنْ خُطْبَتِهِ(11) عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ، وقَولُهُ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلّم ـ: ((اكْتُبُوا لأبي شَاهٍ))(12). ولَعَلَّهُ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلّم ـ أَذِنَ في الكِتَابَةِ عنهُ لِمَنْ خَشِيَ عليهِ النِّسْيانَ (13)، ونَهَى عَنِ الكِتَابَةِ عنهُ مَنْ وَثِقَ بحِفْظِهِ، مَخَافَةَ الاتِّكَالِ عَلَى الكِتابِ، أوْ نَهَى عَنْ كِتابَةِ ذلكَ عنهُ حينَ خَافَ عليهِم اخْتِلاَطَ ذلكَ بصُحُفِ القُرآنِ العَظيمِ(14)، وأَذِنَ في كِتَابَتِهِ حِيْنَ أَمِنَ مِنْ ذَلِكَ. وأخْبَرَنا أبو الفَتْحِ ابنُ عبدِ الْمُنْعِمِ الفُرَاوِيُّ (15) قِرَاءةً عليهِ بنيْسَابُورَ، قَالَ: أخْبَرَنا أبو الْمَعَالِي الفَارِسِيُّ، قَالَ: أخْبَرَنا الحافِظُ أبو بَكْرٍ البَيْهَقِيُّ، قَالَ: أخْبَرَنا أبو الْحُسَيْنِ بنُ بِشْرَانَ، قَالَ: أخْبَرَنا أبو عَمْرِو بنُ السَّمَّاكِ، قَالَ: حَدَّثَنا حَنْبَلُ بنُ إسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمَانُ بنُ أحمدَ، قَالَ: حَدَّثَنا الوليدُ - هوَ ابنُ مُسْلِمٍ -، قَالَ: كَانَ الأوزاعِيُّ يَقُولُ: ((كَانَ هذا العِلْمُ كَرِيْماً يَتَلاَقَاهُ الرِّجَالُ بَينَهُمْ، فَلَمَّا دَخَلَ في الكُتُبِ دَخَلَ فيهِ غيرُ أهْلِهِ)) (16).

ثُمَّ إنَّهُ زَالَ ذلكَ الخِلاَفُ وأجْمَعَ المسْلِمُونَ عَلَى تَسْوِيْغِ (17) ذلكَ وإباحَتِهِ، ولَوْلاَ تَدْوِيْنُهُ في الكُتُبِ لَدَرَسَ في الأعْصُرِ الآخِرَةِ، واللهُ أعلمُ.

ثُمَّ إنَّ عَلَى كَتَبَةِ الحديثِ وطَلَبَتِهِ صَرْفَ الهِمَّةِ إلى ضَبْطِ مَا يَكْتُبُونَهُ أوْ يُحَصِّلُونَهُ بخَطِّ الغَيْرِ (18) مِنْ مَرْوِيَّاتِهِمْ عَلَى الوجْهِ الذي رَوَوْهُ شَكْلاً ونَقْطاً يُؤْمَنُ مَعَهُما الالتباسُ، وكَثِيراً ما يَتَهَاوَنُ بذلكَ الواثِقُ بذِهْنِهِ وتَيَقُّظِهِ وذلكَ وَخِيْمُ العاقِبَةِ، فإنَّ الإنْسَانَ مُعَرَّضٌ للنِّسْيانِ، وأوَّلُ ناسٍ أوَّلُ الناسِ (19)، وإعْجَامُ المكتوبِ يَمْنَعُ مِنَ اسْتِعْجَامِهِ، وشَكْلُهُ يَمْنَعُ مِنْ إشْكَالِهِ، ثُمَّ لاَ يَنْبَغِي أنْ يَتَعَنَّى بتَقْييدِ الواضِحِ الذي لاَ يَكَادُ يَلْتَبِسُ (20).

وقَدْ أحْسَنَ مَنْ قَالَ: إنَّما يُشْكَلُ مَا يُشْكِلُ (21). وقَرَأْتُ بِخَطِّ صَاحِبِ كِتابِ "سِماتِ الخطِّ ورُقُومِهِ" عَلِيِّ بنِ إبْرَاهِيمَ البغْدَادِيِّ فيهِ أنَّ أهلَ العِلْمِ يَكْرَهُونَ الإعْجَامَ والإعْرَابَ إلاَّ في (22) الْمُلْتَبِسِ. وحَكَى غيرُهُ عَنْ قَومٍ أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُشْكَلَ مَا يُشْكِلُ ومَا لاَ يُشْكِلُ؛ وذلكَ لأنَّ المبتَدِئَ وغيرَ المتَبَحِّرِ في العِلْمِ لاَ يُمَيِّزُ ما يُشْكِلُ مِمَّا لاَ يُشْكِلُ، ولاَ صَوابَ الإعْرَابِ مِنْ خَطَئِهِ (23)، واللهُ أعلمُ.

وهذا بيانُ أُمُورٍ مُفِيدَةٍ (24) في ذلِكَ:

أحَدُها: يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ اعْتِنَاؤُهُ - مِنْ بَيْنِ مَا يَلْتَبِسُ - بِضَبْطِ الْمُلْتَبِسِ مِنْ أسْمَاءِ النَّاسِ(25) أكْثَرَ، فإنَّهَا لاَ تُسْتَدْرَكُ بالمعْنَى، ولاَ يُسْتَدَلُّ علَيْهَا بِمَا قَبْلُ ومَا بَعْدُ.

الثَّانِي: يُسْتَحَبُّ في الألفَاظِ المشْكِلَةِ أنْ يُكَرَّرَ ضَبْطُهَا بأنْ يَضْبِطَها (26) في مَتْنِ الكِتابِ ثُمَّ يَكْتُبَهَا قُبَالَةَ ذَلِكَ في الحاشِيَةِ مُفْرَدَةً مَضْبُوطَةً، فإنَّ ذلكَ أبْلَغُ في إبانَتِهَا وأبْعَدُ مِنْ التِبَاسِها، ومَا ضَبَطَهُ في أثْناءِ الأسْطُرِ رُبَّمَا دَاخَلَهُ نَقْطُ غيرِهِ وشَكْلِهِ مِمَّا(27) فَوْقَهُ وتَحْتَهُ لاَ سِيَّمَا عِنْدَ دِقَّةِ الخطِّ، وضِيْقِ الأسْطُرِ، وبِهَذا جَرَى رَسْمُ جَمَاعَةٍ مِنْ أهْلِ الضَّبْطِ، واللهُ أعلمُ.

الثَّالِثُ: يُكْرَهُ الخطُّ الدَّقِيقُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يَقْتَضِيْهِ (28). رُوِّيْنَا عَنْ حَنْبَلِ بنِ إسْحَاقَ قالَ: رآني أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ وأنا أَكْتُبُ خَطّاً دَقِيقاً، فقالَ: ((لاَ تَفْعَلْ، أحْوَجَ مَا تَكُونُ إليهِ يَخُونُكَ)) (29)، وبَلَغَنا عَنْ بَعضِ المشَايِخِ أنَّهُ كَانَ إذا رأَى خَطّاً دَقِيْقاً قَالَ: هذا خَطُّ مَنْ لاَ يُوقِنُ بالخَلَفِ (30)، مِنَ اللهِ)) (31).

والعُذْرُ في ذلكَ هوَ مثلُ أنْ لاَ يَجِدَ في الوَرَقِ سَعَةً، أوْ يَكُونَ رَحَّالاً يَحْتَاجُ إلى تَدْقِيقِ الخطِّ ليَخِفَّ عليهِ مَحْمَلُ كِتَابِهِ (32)، ونحوِ هذا (33).

الرَّابِعُ: يُخْتَارُ لهُ في خطِّهِ التَّحْقِيقُ دونَ الْمَشْقِ (34) والتَّعليقِ (35). بَلَغَنا عَنِ ابنِ قُتَيبةَ قالَ: قالَ عمرُ بنُ الخطَّابِ: ((شَرُّ الكِتَابَةِ الْمَشْقُ، وشَرُّ القِرَاءةِ الْهَذْرَمَةُ (36)، وأجْوَدُ الخطِّ أبْيَنُهُ)) (37)، واللهُ أعلمُ.

الخَامِسُ: كَمَا تُضْبَطُ الحروفُ المعْجَمَةُ بالنَّقْطِ، كذلكَ يَنْبَغِي أنْ تُضْبَطَ المهْمَلاَتُ غيرُ المعجمَةِ بعَلاَمَةِ الإهْمَالِ؛ لِتَدُلَّ على عَدَمِ إعْجَامِها.

وسَبيلُ النَّاسِ في ضَبْطِهَا مُخْتَلِفٌ، فمِنْهُمْ مَنْ يَقْلِبُ النُّقَطَ، فيَجْعَلُ النُّقَطَ الذي (38) فَوْقَ المعجَمَاتِ (39) تحتَ مَا يُشَاكِلُها مِنَ المهْمَلاَتِ، فَيَنْقُطُ تحتَ الرَّاءِ، والصَّادِ، والطَّاءِ، والعينِ، ونحوِهَا مِنَ المهمَلاَتِ. وذَكَرَ بعضُ هَؤُلاَءِ أنَّ النُّقَطَ التي تحتَ السِّيْنِ المهْمَلَةِ تَكُونُ مَبْسُوطَةً صَفّاً، والتي فَوقَ الشِّيْنِ المعْجَمَةِ تَكُونُ كَالأَثَافِيِّ(40). ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُ عَلاَمةَ الإهْمالِ فَوقَ الحروفِ المهمَلَةِ كَقُلاَمَةِ الظُّفْرِ مُضْجَعةٌ(41) عَلى قَفَاها. ومِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ تحتَ الحاءِ المهمَلَةِ حَاءً مُفْرَدَةً صَغِيرةً، وكذا تحتَ الدَّالِ، والطَّاءِ، والصَّادِ، والسِّيْنِ، والعَيْنِ، وسَائِرِ الحروفِ المهْمَلَةِ الملتَبِسَةِ مثلُ ذلكَ.

فهذهِ وجُوهٌ مِنْ عَلاَماتِ الإهْمَالِ شائعَةٌ معرُوفَةٌ. وهُناكَ مِنَ العلاماتِ ما هوَ موجودٌ في كثيرٍ مِنَ الكُتُبِ القَدِيْمَةِ (42) ولاَ يَفْطُنُ لهُ كَثِيرُونَ، كَعَلاَمَةِ مَنْ يَجْعَلُ فوقَ الحرفِ المهمَلِ خَطّاً صَغِيْراً، وكَعَلاَمَةِ مَنْ يَجْعَلُ تحتَ الحرفِ المهملِ مِثْلَ الهمْزَةِ، واللهُ أعلمُ.

السَّادِسُ: لاَ يَنْبَغِي أنْ يَصْطَلِحَ مَعَ نَفْسِهِ في كِتَابِهِ بِمَا لاَ يَفْهَمُهُ غيرُهُ فَيُوقِعَ غيرَهُ في حَيْرَةٍ، كَفعلِ مَنْ يَجْمَعُ في كِتَابِهِ بينَ رواياتٍ مختَلِفَةٍ ويَرْمِزُ إلى روايةِ كُلِّ راوٍ بحرفٍ واحِدٍ مِنِ اسْمِهِ أوْ حَرْفَيْنِ وما أشْبَهَ ذَلِكَ، فإنْ بَيَّنَ في أوَّلِ كِتَابِهِ أوْ آخِرِهِ مُرادَهُ بتلْكَ العلاَماتِ والرمُوزِ فَلاَ بأسَ. ومَعَ ذلكَ فالأَوْلَى أنْ يَجْتَنِبَ (43) الرَّمْزَ ويَكْتُبَ عِنْدَ كُلِّ روايةٍ اسمَ راوِيْها بِكَمالِهِ مُخْتَصَراً ولاَ يَقْتَصِرُ على العلاَمَةِ ببعضِهِ، واللهُ أعلمُ.

السَّابِعُ: يَنْبَغِي أنْ يَجْعَلَ بينَ كُلِّ حديثينِ دارَةً تَفْصِلُ بينَهُما وتُمَيِّزُ (44).

ومِمَّنْ بَلَغَنا عنهُ ذلكَ مِنَ الأئِمَّةِ أبو الزِّنَادِ (45)، وأحمدُ بنُ حَنْبَلٍ، وإبْرَاهيمُ بنُ إسْحَاقَ الحربيُّ، ومحمَّدُ بنُ جَريرٍ الطَّبَرِيُّ (46)، واسْتَحَبَّ الخطيبُ الحافِظُ أنْ تَكُونَ الدَّاراتُ غُفْلاً، فإذا عارَضَ فَكُلُّ حديثٍ يَفْرُغُ مِنْ عَرْضِهِ يَنْقُطُ في الدَّارَةِ التي تليهِ نُقْطَةً أوْ يَخُطُّ في وَسَطِهَا خَطّاً. قالَ: ((وقدْ كانَ بعضُ أهْلِ العِلْمِ لاَ يَعْتَدُّ مِنْ سَمَاعِهِ إلاَّ بِمَا كانَ كذلكَ أوْ في مَعْناهُ)) (47)، واللهُ أعلمُ.

الثَّامِنُ: يُكْرَهُ لهُ في مِثْلِ عبدِ اللهِ بنِ فُلاَنِ بنِ فُلانٍ، أنْ يَكْتُبَ ((عَبْد)) في آخِرِ سَطْرٍ، والباقِي في أوَّلِ السَّطْرِ الآخَرِ (48). وكذلكَ يُكْرَهُ في ((عبدِ الرَّحمنِ بنِ فُلاَنٍ)) وفي سائِرِ الأسْماءِ المشتَمِلَةِ على التَّعْبيدِ للهِ تَعَالَى، أنْ يَكْتُبَ ((عَبد)) في آخِرِ سَطْرٍ، واسمَ ((اللهِ)) مَعَ سائِرِ النَّسَبِ في أوَّلِ السَّطْرِ الآخَرِ (49). وهَكَذا يُكْرَهُ أنْ يَكْتُبَ ((قالَ رَسُولُ)) في آخِرِ سَطْرٍ ويَكْتُبَ في أوَّلِ السَّطْرِ (50) الذي يليهِ ((اللهِ صَلَّى اللهُ تعَالَى عليهِ وسَلَّمَ))، وما أشبَهَ ذلكَ (51)، واللهُ أعلمُ.

التَّاسِعُ: يَنْبَغِي لهُ أنْ يُحَافِظَ عَلَى كَتْبِهِ (52) الصَّلاَةَ والتَّسْلِيمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - عندَ ذِكْرِهِ (53)، ولاَ يَسْأمُ مِنْ تَكْرِيرِ ذلكَ عندَ تَكَرُّرِهِ، فإنَّ ذلكَ مِنْ أكبرِ الفَوَائِدِ التي يَتَعَجَّلُها طَلَبَةُ الحديثِ وكَتَبتُهُ، ومَنْ أغْفَلَ ذلكَ حُرِمَ حَظّاً عَظِيماً، وقَدْ رُوِّيْنا لأهْلِ ذَلِكَ مَنَاماتٍ صالِحَةً (54). وما يَكْتُبُهُ مِنْ ذلكَ فَهوَ دُعَاءٌ يُثْبِتُهُ لاَ كَلاَمٌ يَرويهِ، فلذَلِكَ لاَ يَتَقَيَّدُ فيهِ بالروايَةِ ولاَ يَقْتَصِرُ فيهِ على ما في الأصْلِ.

وهَكَذا الأمْرُ في الثَّنَاءِ عَلَى اللهِ سُبْحَانَهُ (55) عندَ ذِكْرِ اسْمِهِ، نَحْوُ: ((عَزَّ وَجلَّ)) و((تَبَارَكَ وتَعَالَى))، وما ضَاهَى ذلكَ. وإذا وُجِدَ شيءٌ مِنْ ذلكَ قَدْ جَاءَتْ بهِ الروايةُ كانتْ العِنَايَةُ بإثْبَاتِهِ وضَبْطِهِ أكْثَرَ، وما وُجِدَ في خَطِّ أبي عبدِ اللهِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ(56) مِنْ إغْفَالِ ذلكَ عندَ ذِكْرِ اسمِ النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلّم ـ فَلَعَلَّ سَبَبَهُ أنَّهُ كَانَ يَرَى التَّقَيُّدَ في ذلكَ بالروايةِ، وعَزَّ عليهِ اتِّصَالُها في ذلكَ في جميعِ مَنْ فَوْقَهُ مِنَ الرواةِ.

قَالَ الخطيبُ أبو بكْرٍ: ((وبَلَغَنِي أنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلّم ـ نُطْقاً لا خَطّاً)) (57). قالَ: ((وقَدْ خَالَفَهُ غيرُهُ مِنَ الأئِمَّةِ المتَقَدِّمِينَ في ذلكَ)(58). ورُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بنِ المدينيِّ، وعَبَّاسِ بنِ عبدِ العظِيمِ الْعَنْبَرِيِّ قَالاَ: ((ما تَرَكْنا الصَّلاةَ عَلَى رَسُولِ اللهِ (59) ـ صلى الله عليه [وآله] وسلّم ـ في كُلِّ حديثٍ سَمِعْنَاهُ، ورُبَّما عَجِلْنا فَنُبَيِّضُ الكِتَابَ في كُلِّ حديثٍ حَتَّى نَرْجِعَ إليهِ)) (60)، واللهُ أعلمُ.

ثُمَّ لِيتَجَنَّبْ (61) في إثْبَاتِها نَقْصَيْنِ:

أحَدُهما: أنْ يَكْتُبَها مَنْقُوصَةً صُورةً رامِزاً إليها بحرْفَينِ أوْ نحوِ ذلكَ.

والثَّانِي: أنْ يَكْتُبَها مَنْقُوصَةً مَعْنًى بأنْ لاَ يَكْتُبَ ((وَسَلَّمَ))، وإنْ وُجِدَ ذلكَ في خَطِّ بعضِ المتَقَدِّمينَ (62). سَمِعْتُ أبا القَاسِمِ مَنْصُورَ بنَ عَبدِ الْمُنْعِمِ (63)، وأُمَّ المؤيّدِ بنتَ أبي القاسِمِ بقراءَتِي عليهِما قالاَ: سَمِعْنا أبا البَرَكَاتِ عبدَ اللهِ بنَ محمَّدٍ الفُرَاوِيَّ(64) لَفْظاً، قالَ: سَمِعْتُ المقْرِئَ ظَرِيفَ بنَ محمَّدٍ (65)، يقولُ: سَمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ محمَّدِ بنِ إسحَاقَ الحافِظِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ حَمْزةَ الكِنَانِيَّ(66)، يقُولُ: كُنْتُ أكْتُبُ الحديثَ وكُنْتُ أكْتُبُ عندَ ذِكْرِ النبيِّ ((صَلَّى اللهُ عليهِ))، ولاَ أكتبُ ((وسَلَّمَ))، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عليهِ وآلِهِ وسَلَّمَ - في المنامِ فقالَ لي: ما لَكَ لاَ تُتِمُّ الصَّلاةَ عليَّ؟ قَالَ: فما كتبتُ بعدَ ذلكَ ((صَلَّى اللهُ عليهِ)) إلاَّ كتبْتُ ((وسَلَّمَ))(67).

قُلْتُ (68): ويُكْرَهُ أيْضاً الاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِهِ: ((عليهِ السَّلامُ))، واللهُ أعلمُ بالصوابِ.

العَاشِرُ: على الطَّالِبِ مُقَابَلَةُ (69) كِتَابِهِ بأصْلِ سَمَاعِهِ (70) وكِتَابُ شَيْخِهِ الذي يرويهِ عنهُ - وإنْ كانَ إجَازَةً -. رُوِّيْنا عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ قالَ لابْنِهِ هِشَامٍ: ((كَتَبْتَ؟))، قالَ: ((نَعَمْ))، قالَ: ((عَرَضْتَ كِتَابَكَ؟)) قالَ: ((لا))، قالَ: ((لَمْ تَكْتُبْ)) (71).

وَرُوِّيْنَا عَنِ الشَّافِعِيِّ (72) الإمامِ، وعَنْ يَحْيَى بنِ أبي كَثِيْرٍ قالاَ: ((مَنْ كَتَبَ ولَمْ يُعَارِضْ كَمَنْ دَخَلَ الخلاَءَ ولَمْ يَسْتَنْجِ)). وعَنْ الأخَفَشِ قالَ: ((إذا نُسِخَ الكِتَابُ ولَمْ يُعَارَضْ ثُمَّ نُسِخَ وَلَمْ يُعَارَضْ خَرَجَ أعْجَمِيّاً)) (73).

ثُمَّ إنَّ أفْضَلَ المعَارَضَةِ أنْ يُعَارِضَ الطَّالِبُ بنفْسِهِ كِتَابَهُ بِكِتَابِ (74) الشَّيْخِ مَعَ الشَّيْخِ في حالِ تَحْدِيْثِهِ إيَّاهُ مِنْ كِتَابِهِ، لما يجمعُ ذلكَ مِنْ وجوهِ الاحْتِياطِ والإتْقَانِ مِنَ الجانِبَيْنِ. وما لَمْ تَجْتَمِعْ فيهِ هذهِ الأوْصَافُ نَقَصَ مِنْ مَرْتَبَتِهِ بقدَرِ ما فاتَهُ مِنْهَا. وما ذَكَرْناهُ أَوْلَى مِنْ إطْلاَقِ أبي الفَضْلِ الْجَارُودِيِّ الحافِظِ الْهَرَوِيِّ (75) قَولَهُ: ((أصْدَقُ المعارَضَةِ مَعَ نَفْسِكَ)) (76). ويُسْتَحَبُّ أنْ يَنْظُرَ معهُ في نُسْخَتِهِ مَنْ حَضَرَ مِنَ السَّامِعِيْنَ مِمَّنْ لَيْسَ معهُ نُسْخَةٌ لاَ سِيَّما إذا أرادَ النَّقْلَ مِنْها. وقَدْ رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بنِ مَعِيْنٍ أنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ لَمْ ينظرْ (77) في الكِتَابِ والمحدِّثُ يَقْرَأُ، هَلْ يَجُوزُ أنْ يُحَدِّثَ بذلكَ عنهُ؟، فقالَ: أمَّا عِنْدِي فَلاَ يَجُوزُ، ولَكِنْ عَامَّةُ الشُّيُوخِ هَكَذا سَمَاعُهُمْ)) (78).

قُلْتُ: وهذا مِنْ مَذاهِبِ أهْلِ التَّشْدِيْدِ في الروايَةِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ مَذْهَبِهِمْ (79) إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. والصَّحِيْحُ أنَّ ذلكَ لاَ يُشْتَرَطُ وأنَّهُ يَصِحُّ السَّمَاعُ وإنْ لَمْ يَنْظُرْ أصلاً في الكِتابِ حالَةَ القِرَاءَةِ، وأنَّهُ لا (80) يُشْتَرَطُ أنْ يُقَابِلَهُ بنفْسِهِ، بلْ يَكْفِيْهِ مُقَابلَةُ نُسْخَتِهِ بأصْلِ الرَّاوي وإنْ لَمْ يَكُنْ ذلكَ حالَةَ القِرَاءةِ، وإنْ كَانَتِ المقابَلَةُ على (81) يَدَي غيرِهِ، إذا كَانَ ثِقَةً مَوْثُوقاً بضَبْطِهِ (82).

قُلْتُ: وجَائِزٌ أنْ تَكُونَ مُقَابَلَتُهُ بفَرْعٍ قَدْ قُوبِلَ المقابلَةَ المشروطَةَ بأصْلِ شَيْخِهِ أصْلِ السَّمَاعِ، وكذلكَ إذا قَابَلَ بأصْلِ أصْلِ الشَّيْخِ (83) المقَابَلْ بهِ أصْلُ الشَّيْخِ؛ لأنَّ الغَرَضَ المطْلُوبَ أنْ يَكُونَ كِتَابُ الطَّالِبِ مُطَابِقاً لأصْلِ سَمَاعِهِ وكِتَابِ شَيْخِهِ، فَسَوَاءٌ حَصَلَ ذلكَ بوَاسِطَةٍ أوْ بغَيْرِ واسِطَةٍ. ولاَ يُجْزِئُ ذلكَ عِنْدَ مَنْ قَالَ: ((لاَ تَصِحُّ مُقَابَلَتُهُ مَعَ أحَدٍ غَيْرِ نَفْسِهِ، ولاَ يُقَلِّدُ غَيْرَهُ، ولاَ يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَ كِتَابِ الشَّيْخِ واسِطَةٌ (84)، وليقَابِلْ نُسْخَتَهُ بالأصْلِ بنَفْسِهِ حَرْفاً حَرْفاً حَتَّى يَكُونَ عَلَى ثِقَةٍ ويَقِيْنٍ مِنْ مطابَقَتِها لهُ)). وهذا مَذْهَبٌ مَتْرُوكٌ وهوَ مِنْ مَذَاهِبِ أهْلِ التَّشْدِيْدِ المرفُوضَةِ في أعْصَارِنا، واللهُ أعلمُ.

أمَّا إذا لَمْ يُعَارِضْ كِتَابَهُ بالأصْلِ أصْلاً فَقَدْ سُئِلَ الأُسْتَاذُ أبو إسْحَاقَ الإسْفِرَايينيُّ عَنْ جَوَازِ رِوَايَتِهِ منهُ (85) فأجَازَ ذلكَ. وأجَازَهُ الحافِظُ أبو بَكْرٍ الخطِيبُ (86) أيضاً وبَيَّنَ شَرْطَهُ، فَذَكَرَ أنَّهُ يُشْتَرَطُ أنْ تَكُونَ نُسْخَتُهُ نُقِلَتْ مِنَ الأصْلِ وأنْ يُبَيِّنَ عندَ الروايةِ أنَّهُ لَمْ يُعَارِضْ. وحَكَى عَنْ شَيخِهِ أبي بَكرٍ البَرْقَانِيِّ أنَّهُ سَأَلَ أبا بكرٍ الإسْمَاعِيلِيَّ: ((هَلْ للرَّجُلِ أنْ يُحَدِّثَ بِمَا كَتَبَ عَنِ الشَّيْخِ ولَمْ يُعَارِضْ بأصْلِهِ؟))، فقالَ: ((نَعَمْ، ولَكِنْ لاَ بُدَّ أنْ يُبَيِّنَ أنَّهُ لَمْ يُعَارِضَ)) (87). قالَ: وهذا هوَ مَذْهَبُ أبي بَكْرٍ البَرْقَانِيِّ، فإنَّهُ رَوَى لَنا أحَادِيْثَ كَثِيْرَةً قَالَ فيها: ((أخْبَرَنا فُلاَنٌ، ولَمْ أُعَارِضْ بالأصْلِ)) (88).

قُلْتُ: ولاَ بُدَّ مِنْ شَرْطٍ ثَالِثٍ (89)، وهوَ أنْ يَكُونَ ناقِلُ النُّسْخَةِ مِنَ الأصْلِ غَيْرَ سَقِيْمِ النَّقْلِ، بلْ صَحِيْحَ النَّقْلِ قَلِيْلَ السَّقْطِ، واللهُ أعلمُ.

ثُمَّ إنَّهُ يَنْبَغِي أنْ يُرَاعِيَ في كِتَابِ شَيْخِهِ بالنِّسْبَةِ إلى مَنْ فَوْقَهُ مثلَ ما ذَكَرْنا أنَّهُ يُرَاعِيهِ مِنْ كِتَابِهِ، ولاَ يَكُونَنَّ (90) كَطَائِفَةٍ مِنَ الطَّلَبَةِ إذا رَأَوْا سَماعَ شَيْخٍ لِكِتابٍ قَرَؤُوْهُ عليهِ مِنْ أيِّ نُسْخَةٍ اتَّفَقَتْ، واللهُ أعلمُ.

الحادِي عَشَرَ: المخْتَارُ في كَيْفِيَّةِ تَخْرِيجِ السَّاقِطِ في الحواشِي ويُسَمَّى اللَّحَقَ (91) - بفتحِ الحاءِ - وهوَ أنْ يُخَطَّ مِنْ مَوْضِعِ سُقُوطِهِ مِنَ السَّطْرِ: خَطّاً صَاعِداً إلى فَوْقُ، ثُمَّ يَعْطِفَهُ بينَ السَّطْرَيْنِ عَطْفَةً يَسِيْرَةً إلى جِهَةِ الحاشِيَةِ التي يَكْتُبُ فيها اللَّحَقَ، ويَبْدَأَ في الحاشِيَةِ بِكَتْبِهِ (92) اللَّحَقَ مُقَابِلاً للخَطِّ المنعَطِفِ، وليَكُنْ ذلكَ في حاشِيَةِ ذَاتِ اليمينِ. وإنْ كَانتْ تَلِي وسَطَ الورقةِ إنِ اتَّسَعَتْ لهُ ولْيَكْتُبْهُ (93) صَاعِداً إلى أعْلَى الوَرَقَةِ، لاَ نازِلاً بهِ إلى أسْفَلَ.

قُلْتُ: وإذا كانَ اللَّحَقُ سطْرَيْنِ أوْ سُطوراً، فلاَ يَبْتَدِئْ بسطورِهِ مِنْ أسْفَلَ إلى أعلى بلْ يَبْتَدِئُ بِها مِنْ أعْلَى إلى أسْفَلَ، بحيثُ يكونُ مُنْتَهاها إلى جِهَةِ باطِنِ الورَقَةِ إذا كانَ التخريجُ في جِهَةِ اليمينِ، وإذا كانَ في جِهَةِ الشِّمالِ وَقَعَ مُنْتَهاها إلى جِهَةِ طَرَفِ الورقَةِ، ثُمَّ يكتُبُ عندَ انتِهَاءِ اللَّحَقِ ((صَحَّ)). ومِنْهُمْ مَنْ يَكْتُبُ مَعَ ((صَحَّ)) ((رَجَعَ))، ومِنْهُمْ مَنْ يَكْتُبُ في آخِرِ اللَّحَقِ الكلمَةَ المتَّصِلَةَ بهِ دَاخِلَ الكِتابِ في موضِعِ التَّخْرِيجِ لِيُؤْذِنَ (94) باتِّصَالِ الكَلاَمِ، وهذا اخْتِيارُ بعضِ أهْلِ الصَّنْعَةِ مِنْ أهْلِ المغربِ، واخْتِيارُ القاضِي أبي محمَّدِ بنِ خَلاَّدٍ - صاحِبِ كِتابِ "الفَاصِلِ بينَ الراوي والواعي" - مِنْ أهلِ المشْرِقِ مَعَ طَائِفَةٍ، وليسَ ذلِكَ بمَرْضِيٍّ إذْ رُبَّ كَلِمَةٍ تَجِيءُ في الكَلامِ مُكَرَّرَةً حَقيقَةً، فهذا التَّكْرِيْرُ يُوقِعُ بَعْضَ الناسِ في تَوَهُّمِ مِثْلِ ذَلِكَ في بعضِهِ، واخْتَارَ القاضِي ابنُ خَلاَّدٍ أيضاً في كِتابِهِ (95) أنْ يَمُدَّ عَطْفَةَ خَطِّ التَّخْرِيجِ مِنْ موضِعِهِ حَتَّى يُلْحِقَهُ بأوَّلِ اللَّحَقِ في الحاشِيَةِ (96). وهذا أيضاً غيرُ مَرْضِيٍّ، فإنَّهُ وإنْ كَانَ فيهِ زيادَةُ بيانٍ، فَهُوَ تَسْخِيمٌ للكِتابِ وتَسْوِيدٌ لهُ لاَ سِيَّما عندَ كَثْرَةِ الإلْحَاقاتِ، واللهُ أعلمُ (97).

وإنَّما اخْتَرْنا كِتْبَةَ اللَّحَقِ صاعِداً إلى أعْلَى الورَقَةِ لِئَلاَّ (98) يَخْرُجَ بَعْدَهُ نَقْصٌ آخَرُ فَلا يَجِدُ ما يُقَابِلُهُ مِنَ الحاشِيَةِ فارِغاً لهُ لَوْ كَانَ كَتَبَ الأوَّلَ نازِلاً إلى أسْفَلَ، وإذا كتَبَ الأوَّلَ صَاعِداً فما يَجِدُ بعدَ ذلكَ مِنْ نَقْصٍ يَجِدُ ما يُقَابِلُهُ مِنَ الحاشِيةِ فارِغاً لهُ. وقُلْنا أيْضاً: يُخَرِّجُهُ في جهَةِ اليمينِ؛ لأنَّهُ لوْ خَرَّجَهُ إلى جِهَةِ الشِّمالِ، فَرُبَّمَا ظَهَرَ بَعْدَهُ في السَّطْرِ نَفْسِهِ نَقْصٌ آخَرُ، فإنْ خَرَّجَهُ قُدَّامَهُ إلى جِهَةِ الشِّمالِ أيْضاً وَقَعَ بينَ التَّخْرِيجَيْنِ إشْكَالٌ، وإنْ خَرَّجَ الثانيَ إلى جِهَةِ اليمينِ التَقَتْ عَطْفَةُ تَخْرِيجِ جِهَةِ الشِّمَالِ وعَطْفَةُ تَخْرِيجِ جِهَةِ اليمينِ أوْ تَقَابَلَتا، فَأَشْبَهَ ذَلِكَ الضَّرْبَ عَلَى مَا بَيْنَهُما، بِخِلاَفِ مَا إذا خرَّجَ الأوَّلَ إلى جِهَةِ اليمينِ فإنَّهُ حِيْنَئذٍ يُخَرِّجُ الثَّانيَ إلى جِهَةِ الشِّمَالِ فَلاَ يَلْتَقِيانِ، ولاَ يَلْزَمُ إشْكَالٌ، اللَّهُمَّ إلاَّ أنْ يَتَأَخَّرَ النَّقْصُ إلى آخِرِ السَّطْرِ، فَلاَ وَجْهَ حِيْنَئذٍ إلاَّ تَخْرِيجُهُ إلى جِهَةِ الشِّمَالِ؛ لِقُرْبِهِ مِنْها ولانْتِفَاءِ العِلَّةِ المذْكُورَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّا (99) لاَ نَخْشَى ظُهُورَ نَقْصٍ بَعْدَهُ. وإذا كَانَ النَّقْصُ في أوَّلِ السَّطْرِ تَأَكَّدَ تَخْرِيجُهُ إلى جِهَةِ اليمينِ لِمَا ذَكَرْناهُ مِنَ القُرْبِ مَعَ مَا سَبَقَ.

وأمَّا مَا يُخَرَّجُ في الحواشِي مِنْ شَرْحٍ أوْ تَنْبِيهٍ عَلَى غَلَطٍ أو اخْتِلاَفِ رِوَايةٍ أوْ نُسْخَةٍ أوْ نَحْوِ ذلكَ مِمَّا لَيْسَ في (100) الأصْلِ، فَقَدْ ذَهَبَ القاضِي الحافِظُ عِياضٌ (101) إلى أنَّهُ لاَ يُخَرَّجُ لِذَلِكَ خَطُّ تَخْريجٍ لِئَلاَّ (102) يَدْخُلَ اللَّبْسُ ويُحْسَبَ مِنَ الأصْلِ، وأنَّهُ لاَ يُخَرَّجُ إلاَّ لِمَا هُوَ مِنْ نَفْسِ الأصْلِ، لَكِنْ رُبَّمَا جُعِلَ عَلَى الحرفِ المقْصُودِ بذلِكَ التَّخْريجِ عَلاَمةٌ كالضَّبَّةِ أوْ التَّصْحِيْحِ إيْذَاناً بهِ.

قُلْتُ: التَّخْريجُ أوْلَى وأدَلُّ، وفي نفسِ هذا الْمُخَرَّجِ مَا يَمْنَعُ الإلْبَاسَ. ثُمَّ هذا التَّخْريجُ يُخَالِفُ التَّخْريجَ لِمَا هُوَ مِنْ نفسِ الأصْلِ في أنَّ خَطَّ ذلكَ التَّخْريجِ يَقَعُ بينَ الكلمتينِ اللَّتَيْنِ بَيْنَهُما سقَطَ السَّاقِطُ، وخطَّ هذا التَّخريجِ يَقَعُ على نَفسِ الكلمةِ التي مِنْ أجْلِها خُرِّجَ الْمُخَرَّجُ في الحاشِيَةِ، واللهُ أعلمُ.

الثَّاني عَشَرَ: مِنْ شَأْنِ الْحُذَّاقِ الْمُتْقِنينَ: العِنَايَةُ بالتَّصحيحِ والتَّضْبِيبِ والتَّمْرِيضِ.

أمَّا التَّصحيحُ: فَهوَ كِتابَةُ ((صَحَّ)) على الكَلاَمِ أوْ عِندَهُ، ولاَ يُفْعَلُ ذلكَ إلاَّ فيما صَحَّ روايةً ومعنًى، غيرَ أنَّهُ عُرْضَةٌ للشَكِّ أوْ الخِلاَفِ، فَيُكْتَبُ عليهِ ((صَحَّ))؛ لِيُعْرَفَ أنَّهُ لَمْ يُغْفَلْ عنهُ، وأنَّهُ قَدْ ضُبِطَ وصَحَّ على ذلكَ الوجْهِ.

وأمَّا التَّضْبِيبُ ويُسْمَّى أيضاً التَّمْرِيضَ (103): فَيُجْعَلُ على ما صَحَّ وُرُودُهُ كذلكَ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، غيرَ أنَّهُ فَاسِدٌ لَفْظاً، أوْ مَعْنًى، أوْ ضَعِيفٌ، أوْ ناقِصٌ، مثلُ أنْ يَكُونَ غيرَ جائِزٍ مِنْ حيثُ العربيَّةُ، أوْ يَكُونَ شَاذّاً عِنْدَ أهلِهَا يَأْبَاهُ أكْثَرُهُمْ، أوْ مُصَحَّفاً، أوْ يَنْقُصَ مِنْ جُمْلَةِ الكَلاَمِ كَلِمَةً أوْ أكْثَرَ، وما أشْبَهَ ذَلكَ، فَيُمَدُّ على ما هذا سَبِيْلُهُ خَطٌّ: أوَّلُهُ مِثْلُ الصَّادِ ولاَ يُلْزَقُ بالكَلمَةِ الْمُعَلَّمِ عليها كَيْلاَ يُظَنَّ ضَرْباً، وكأنَّهُ صَادُ التَّصْحِيحِ بِمَدَّتِها دونَ حائِها كُتِبَتْ كَذلكَ لِيُفَرَّقَ بينَ ما صحَّ مُطلقاً مِنْ جِهَةِ الروايَةِ وغيرِها، وبينَ ما صحَّ مِنْ جِهَةِ الروايَةِ دونَ غيرِها، فَلَمْ يُكَمَّلْ عليهِ التَّصْحيحُ، وكُتِبَ حَرْفٌ ناقِصٌ على حرفٍ ناقِصٍ؛ إشْعَاراً بِنَقْصِهِ ومَرَضِهِ مَعَ صِحَّةِ نَقْلِهِ ورِوايَتِهِ، وتَنْبيهاً بذلكَ لِمَنْ ينظرُ في كِتَابِهِ، على أنَّهُ قدْ وقَفَ عليهِ ونَقَلَهُ على ما هوَ عليهِ، ولَعَلَّ غيرَهُ قَدْ(104) يُخَرِّجُ لهُ وَجْهاً صحيحاً، أوْ يَظْهَرُ لهُ بعدَ ذلكَ في صِحَّتِهِ ما لَمْ يَظْهَرْ له الآنَ. ولوْ غَيَّرَ ذلكَ وأصْلَحَهُ على ما عندَهُ، لَكَانَ مُتَعَرِّضاً لِمَا وَقَعَ فيهِ غيرُ واحِدٍ مِنَ المتَجَاسِرينَ الذينَ غَيَّرُوا، وظَهَرَ الصَّوابُ فيما أنْكَرُوهُ والفَسَادُ فيما أصْلَحُوهُ!

وأمَّا تَسْمِيَةُ ذلكَ ضَبَّةً (105)، فَقَدْ بَلَغَنا عَنْ أبي القاسِمِ إبراهيمَ بنِ مُحَمَّدٍ اللُّغَوِيِّ المعْرُوفِ بابنِ الإفْلِيْلِيِّ (106): أنَّ ذلكَ لِكَونِ الحرفِ مُقْفَلاً بها لاَ يَتَّجِهُ لِقِرَاءةٍ، كَما أنَّ الضَّبَّةَ مُقْفَلٌ بها (107)، واللهُ أعلمُ.

قُلْتُ: ولأنَّها لَمَّا كانتْ على كَلامٍ فيهِ خَلَلٌ أشْبَهَتِ الضَّبَّةَ التي تُجْعَلُ على كَسْرٍ أوْ خَلَلٍ، فَاسْتُعِيرَ (108) لَهَا اسْمُها، ومِثْلُ ذلكَ غيرُ مُسْتَنْكَرٍ في بابِ الاسْتِعَاراتِ(109).

ومِنْ مَوَاضِعِ التَّضْبِيبِ أنْ يَقَعَ في الإسْنادِ إرْسَالٌ أو انْقِطَاعٌ، فَمِنْ عادَتِهِمْ تَضْبِيبُ مَوْضِعِ الإرْسَالِ والانْقِطَاعِ وذلكَ مِنْ قَبِيلِ ما سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنَ التَّضْبِيبِ عَلَى الكَلاَمِ النَّاقِصِ. ويُوجَدُ في بعضِ أصُولِ الحديثِ القَدِيْمَةِ في الإسْنَادِ الذي يَجْتَمِعُ فيهِ جَمَاعَةٌ مَعْطُوفَةٌ أسْمَاؤُهُمْ بَعْضُهَا على بعضٍ عَلامةٌ تُشْبِهُ الضَّبَّةَ فيما بينَ أسْمَائِهِمْ، فَيَتَوَهَّمُ مَنْ لاَ خِبْرَةَ لهُ أنَّها ضَبَّةٌ وليسَتْ بضَبَّةٍ، وكأنَّها عَلامةُ وَصْلٍ فيما بينَها (110)، أُثْبِتَتْ تَأْكِيداً للعطْفِ، خَوفاً مِنْ أنْ تُجْعَلَ ((عَنْ)) مَكانَ الواوِ، والعِلْمُ عِندَ اللهِ تَعَالَى. ثُمَّ إنَّ بَعضَهُمْ رُبَّمَا اخْتَصَرَ عَلامةَ التَّصْحِيحِ فَجَاءتْ صُورَتُها تُشْبِهُ صُورَةَ التَّضْبِيبِ، والفِطْنَةُ مِنْ خَيْرِ ما أُوتِيهُ الإنسَانُ، واللهُ أعلمُ.

الثَّالِثَ عَشَرَ: إذا وقَعَ في الكِتابِ ما ليسَ مِنهُ فإنَّهُ يُنْفَى عنهُ بالضَّرْبِ أو الحكِّ أو الْمَحْوِ، أوْ غيرِ ذلكَ. والضَّرْبُ خَيرٌ مِنَ الْحَكِّ والْمَحْوِ. رُوِّيْنا عَنِ القَاضِي أبي محمَّدِ بنِ خَلاَّدٍ قالَ: قالَ أصْحَابُنا: ((الْحَكُّ تُهْمَةٌ)) (111). وأخْبَرَنِي مَنْ أُخْبِرَ عَنِ القَاضِي عِيَاضٍ قالَ: سَمِعْتُ شَيْخَنا أبا بَحْرٍ سُفيانَ بنَ العَاصِ (112) الأسدِيَّ يَحْكِي عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((كَانَ الشُّيُوخُ يَكْرَهُونَ حُضُورَ السِّكِّيْنِ مَجْلِسَ السَّمَاعِ، حَتَّى لاَ يُبْشَرَ (113) شَيءٌ؛ لأنَّ مَا يُبْشَرُ مِنهُ رُبَّمَا يَصِحُّ في روايةٍ أُخْرَى. وقَدْ يُسْمَعُ الكِتابُ مَرَّةً أُخْرَى عَلَى شَيْخٍ آخَرَ يَكُونُ مَا بُشِرَ وَحُكَّ مِنْ رِوايةِ هَذَا صَحيحاً في روايةِ الآخَرِ فَيَحْتاجُ إلى إلْحَاقِهِ بَعدَ أنْ بُشِرَ (114)، وهوَ إذا خُطَّ عليهِ مِنْ روايةِ الأوَّلِ، وصَحَّ عِنْدَ الآخرِ، اكْتُفِيَ بِعَلامَةِ الآخَرِ عليهِ بِصِحَّتِهِ))(115).

ثُمَّ إنَّهُم اخْتَلَفُوا في كَيْفيَّةِ الضَّرْبِ، فَرُوِّيْنا عَنْ أبي مُحَمَّدِ بنِ خَلاَّدٍ قَالَ: ((أَجْودُ الضَّرْبِ أنْ لاَ يُطْمِسَ المضْرُوبَ عليهِ، بَلْ يَخُطَّ مِنْ فَوقِهِ خَطّاً جَيّداً بَيِّناً، يَدُلُّ على إبْطَالِهِ، ويُقْرَأُ مِنْ تَحْتِهِ ما خُطَّ عليهِ)) (116). ورُوِّيْنا عَنِ القاضِي عِيَاضٍ ما مَعْناهُ: أنَّ اخْتِياراتِ الضَّابِطِينَ اخْتَلَفَتْ في الضَّرْبِ، فأكْثَرُهُمْ على مَدِّ الخطِّ على المضروبِ عليهِ مُخْتَلِطاً بالكلماتِ المضروبِ عليها. ويُسَمَّى ذلكَ: ((الشَّقَّ)) (117) أيضاً(118).

ومِنْهُمْ مَنْ لاَ يَخْلِطُهُ ويثْبِتُهُ فَوقَهُ لَكِنَّهُ يَعْطِفُ طَرَفَي الخَطِّ على أوَّلِ المضروبِ عليهِ وآخِرِهِ. ومنْهُمْ مَنْ يَسْتَقْبِحُ هذا ويَرَاهُ تَسْويداً وتَطْلِيساً، بَلْ يُحَوِّقُ (119) على أوَّلِ الكَلاَمِ المضروبِ عليهِ بنِصْفِ دائِرَةٍ، وكذلكَ في آخِرِهِ، وإذا كَثُرَ الكَلاَمُ المضروبُ عليهِ فَقَدْ يَفْعَلُ ذلكَ في أوَّلِ كُلِّ سَطْرٍ مِنْهُ وآخِرِهِ، وقَدْ يَكْتَفِي بالتَّحْوِيقِ على أوَّلِ الكَلاَمِ وآخِرِهِ أجْمَعَ. ومِنَ الأشْيَاخِ مَنْ يَسْتَقْبِحُ الضَّرْبَ والتَّحْوِيقَ ويَكْتَفِي بدائِرَةٍ صَغِيرةٍ أوَّلَ الزِّيادةِ وآخِرَهَا ويُسَمِّيْها صِفْراً كَما يُسَمِّيْها أهْلُ الحِسَابِ. ورُبَّما كَتَبَ بعضُهُمْ عليهِ ((لا)) في أوَّلِهِ و((إلى)) في آخِرِهِ (120)، ومِثلُ هذا يَحْسُنُ فيما صَحَّ في رِوَايةٍ(121)، وسَقَطَ في روايةٍ أُخْرَى، واللهُ أعلمُ.

وأمَّا الضَّرْبُ على الحرفِ المكَرَّرِ فَقَدْ تَقَدَّمَ بالكَلاَمِ فيهِ القاضِي أبو مُحَمَّدِ بنِ خَلاَّدٍ الرَّامَهُرْمُزِيُّ عَلَى تَقدُّمِهِ، فَرُوِّيْنا عَنْهُ قالَ: قالَ بَعضُ أصْحَابِنا: ((أُولاهُما بأنْ يُبْطِلَ الثَّانِي؛ لأنَّ الأوَّلَ كُتِبَ عَلَى صَوابٍ والثَّانِي كُتِبَ عَلَى الخطَأِ، والخطَأُ أوْلَى بالإبطَالِ. وقَالَ آخَرُونَ: إنَّما الكِتابُ عَلاَمةٌ لِمَا يُقْرَأُ فَأَوْلَى الحرفَيْنَ بالإبْقَاءِ أدَلُّهُما عليهِ وأجْوَدُهُما صُورَةً)) (122). وجَاءَ القَاضِي عِياضٌ (123) آخِراً فَفَصَّلَ تَفْصِيلاً حَسَناً، فرَأَى أنَّ تَكَرُّرَ الحرفِ إنْ كانَ في أوَّلِ سَطْرٍ فلْيُضْرَبْ عَلَى الثَّاني صِيانَةً لأوَّلِ السَّطْرِ عَنِ التَّسْوِيْدِ والتَّشْويهِ وإنْ كانَ في آخِرِ سَطْرٍ فلْيُضْرَبْ عَلَى أوَّلِهِما صِيانَةً لآخِرِ السَّطْرِ، فإنَّ سَلامةَ أوَائِلِ السُّطُورِ وأوَاخِرِها(124) عَنْ ذلكَ أوْلَى. فإنِ اتَّفَقَ أحَدُهُما في آخِرِ سَطْرٍ والآخَرُ في أوَّلِ سَطْرٍ آخَرَ فلْيُضْرَبْ عَلَى الذي في آخِرِ السَّطْرِ، فإنَّ أوَّلَ السَّطْرِ أوْلَى بالمرَاعاةِ. فإنْ كَانَ التَّكَرُّرُ في المضافِ أو المضافِ إليهِ، أو في الصِّفَةِ، أو في الموصوفِ، أو نحوِ ذلكَ لَمْ نُرَاعِ (125) حِيْنَئذٍ أوَّلَ السَّطْرِ وآخِرَهُ، بَلْ نُراعِي (126) الاتِّصَالَ بَيْنَ المضَافِ والمضَافِ إليهِ ونَحْوِهِما في الخطِّ فَلاَ نَفْصِلُ بالضَّرْبِ بَيْنَهُمَا، ونَضرِبُ عَلَى الحرفِ المُتَطَرِّفِ مِنَ المُتَكَرِّرِ دونَ المُتوسِّطِ.

وأمَّا الْمَحْوُ فيقاربُ الكشْطَ في حُكْمِهِ الذي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وتَتَنَوَّعُ طُرُقُهُ. ومِنْ أغْرَبِها - مَعَ أنَّهُ أسْلَمُها - ما رُوِيَ عَنْ سحْنُونَ (127) بنِ سَعِيدٍ التَّنُوخِيِّ الإمامِ المالِكِيِّ أنَّهُ كَانَ رُبَّما كَتَبَ الشَّيءَ ثُمَّ لَعِقَهُ (128). وإلى هذا يُومِئُ ما رُوِّيْنا عَنْ إبراهِيمَ النَّخَعِيِّ(129) أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ((مِنَ الْمُرُوءةِ أنْ يُرَى في ثوبِ الرجلِ وشَفَتَيْهِ (130) مِدادٌ))، واللهُ أعلمُ.

الرَّابِعَ عَشَرَ: لِيَكُنْ فيما تَختَلِفُ فيهِ الرواياتُ قَائِماً بِضَبْطِ ما تَخْتَلِفُ فيهِ في كِتابِهِ جَيِّدَ التَّمْييزِ بَيْنها كَيْلاَ تَخْتَلِطَ وتَشْتَبِهَ فَيُفْسِدَ عليهِ أمرُها. وسَبيلُهُ أنْ يجعَلَ أوَّلاً مَتْنَ كِتَابِهِ عَلَى روايةٍ خاصَّةٍ، ثُمَّ ما كانتْ مِنْ زِيادةٍ لروايةٍ أُخْرَى ألْحَقَها، أوْ مِنْ نَقْصٍ أعْلَمَ عليهِ، أوْ مِنْ خِلافٍ كَتَبَهُ إمَّا في الحاشِيةِ وإمَّا (131) في غَيْرِها، مُعَيِّناً في كُلِّ ذلِكَ مَنْ رَواهُ، ذاكِراً اسْمَهُ بِتَمامِهِ، فإنْ رَمَزَ إليهِ بحرْفٍ أوْ أكْثَرَ، فَعَلَيْهِ ما قَدَّمْنا ذِكْرَهُ مِنْ أنَّهُ يُبَيِّنُ المرادَ بذلكَ في أوَّلِ كِتَابِهِ أوْ آخِرِهِ كَيْلاَ يَطُولَ عَهْدُهُ بهِ فَيَنْسَى أوْ يَقَعَ كِتابُهُ إلى غَيْرِهِ فَيَقَعَ مِنْ رُمُوزِهِ في حَيْرَةٍ وَعَمى. وقَدْ يُدْفَعُ إلى الاقْتِصَارِ عَلَى الرُّمُوزِ عندَ كَثْرَةِ الرِّوَاياتِ المخْتَلِفَةِ، واكْتَفَى بعضُهُمْ في التَّمْيِيزِ بأنْ خَصَّ الرِّوَايةَ الملحَقَةَ(132) بالْحُمْرَةِ، فَعَلَ ذلكَ أبو ذَرٍّ (133) الْهَرَوِيُّ مِنَ المشَارِقَةِ، وأبو الحسَنِ القَابِسِيُّ (134) مِنَ المغَارِبَةِ، مَعَ كثيرٍ (135) مِن المشايخِ وأهلِ التقييدِ، فإذا كانَ في الروايةِ الملحقةِ زيادةٌ عَلَى التي في متنِ الكتابِ كَتَبها بالْحُمْرَةِ، وإنْ كانَ فيها نَقْصٌ والزِّيادَةُ في الروايةِ التي في متنِ الكِتابِ حوَّقَ عليها بالْحُمْرَةِ، ثُمَّ عَلَى فاعِلِ ذلكَ تَبْيينُ مَنْ لهُ الروايةُ الْمُعَلَّمَةُ بالْحُمْرَةِ في أوَّلِ الكِتابِ أوْ آخِرِهِ عَلَى ما سَبَقَ، واللهُ أعلمُ.

الخامِسَ عَشَرَ: غَلَبَ عَلَى كَتَبَةِ الحديثِ الاقْتِصَارُ عَلَى الرَّمْزِ في قَوْلِهِمْ: ((حَدَّثَنا)) و((أخْبَرَنا)) غيرَ أنَّهُ شَاعَ ذَلِكَ وظَهَرَ حَتَّى لاَ يَكادُ يَلْتَبِسُ. أمَّا ((حَدَّثَنا)) فَيُكْتَبُ منها شَطْرُها الأخيرُ، وهوَ الثَّاءُ والنونُ والأَلِفُ. ورُبَّما اقْتُصِرَ عَلَى الضَّميرِ مِنها وهوَ النُّونُ والألفُ (136). وأمَّا ((أخْبَرَنا)) فَيُكْتَبُ منها الضَّميرُ المذكُورُ مَعَ الألِفِ أوَّلاً. وليسَ بحسَنٍ ما يَفْعَلُهُ (137) طائِفَةٌ مِنْ كِتابَةِ ((أخْبَرَنا)) بألِفٍ مَعَ عَلامةِ ((حَدَّثَنا)) المذكورةِ أوَّلاً، وإنْ كانَ الحافِظُ البَيْهَقِيُّ مِمَّنْ فَعَلَهُ. وَقَدْ يُكْتَبُ في عَلامةِ ((أخْبَرَنا)): رَاءٌ بعدَ الألِفِ، وفي علامةِ ((حَدَّثَنا)): دَالٌ في أوَّلِها، ومِمَّنْ رأيْتُ في خَطِّهِ الدالَ في عَلامةِ ((حَدَّثَنا)) الحافِظُ أبو عبدِ اللهِ الحاكِمُ، وأبو عبدِ الرحمانِ السُّلَمِيُّ (138)، والحافِظُ أحمدُ البَيْهَقِيُّ، واللهُ أعلمُ.

وإذا كانَ لِلْحَديثِ إسْنَادانِ أوْ أكْثَرُ، فإنَّهُمْ يَكْتُبونَ عندَ الانْتِقَالِ مِنْ إسْنَادٍ إلى إسْنادٍ، ما صُورَتُهُ (139) ((ح)) وهي حاءٌ مفردةٌ مهملةٌ، ولَمْ يأتْنا عَنْ أحَدٍ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ بيانٌ لأمْرِها، غيرَ أنِّي (140) وَجَدْتُ بِخَطِّ الأسْتَاذِ الحافِظِ أبي عُثْمانَ الصَّابُونِيِّ، والحافِظِ أبي مُسْلِمٍ عُمَرَ بنِ عَلِيٍّ اللَّيْثِيِّ البُخَارِيِّ، والفَقِيْهِ المحدِّثِ أبي سعَدٍ (141) الخلِيليِّ في مكانِهَا بدلاً عنها ((صَحَّ)) صَرِيحةً، وهذا يُشْعِرُ بكوْنِها رَمْزاً إلى ((صَحَّ)). وحَسُنَ إثْبَاتُ ((صَحَّ)) هاهنا؛ لِئَلاَّ يُتَوَهَّمَ أنَّ حديثَ هذا الإسْنادِ سَقَطَ، ولِئَلاَّ يُرَكَّبَ الإسْنادُ الثاني عَلَى الإسْنادِ الأوَّلِ فَيُجْعَلا إسْناداً واحِداً.

وحَكَى لي بعضُ مَنْ جَمَعَتْنِي وإيَّاهُ الرِّحْلَةُ بِخُراسَانِ عَمَّنْ وَصَفَهُ بالفَضْلِ مِنَ الأصْبَهَانِيِّيْنَ أنَّها حَاءٌ مُهملَةٌ مِنَ التَّحويلِ، أي: مِنْ إسْنادٍ إلى إسْنادٍ آخَرَ. وذَاكَرْتُ فيها بعضَ أهلِ العِلْمِ مِنْ أهلِ المغربِ (142)، وحَكَيْتُ لهُ عَنْ بعضِ مَنْ لَقِيْتُ مِنْ أهلِ الحديثِ أنَّها حاءٌ مهملةٌ، إشَارةً إلى قَوْلِنا ((الحديثَ))، فقالَ لي: أهلُ المغربِ(143) وما عرَفْتُ بَيْنَهُم اخْتِلاَفاً يَجْعلونَها حاءً مهملةً، ويقولُ أحدُهُمْ إذا وصَلَ إليها ((الحديثَ)). وذَكَرَ لي أنَّهُ سَمِعَ بعضَ البَغْدَادِيِّيْنَ يَذْكُرُ أيضاً أنَّها حاءٌ مهملةٌ، وأنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إذا انتَهَى إليها في القراءةِ: ((حا)) ويَمُرُّ.

وسَالْتُ أنَا الحافِظَ الرَّحَّالَ أبا مُحَمَّدٍ عَبدَ القادِرِ بنَ عبدِ اللهِ الرُّهَاوِيَّ (144) عنها، فَذَكَرَ أنَّهَا حاءٌ مِنْ حَائِلٍ، أي: تَحُولُ بَيْنَ الإسْنادَيْنِ. قالَ: ولا يَلفِظُ بِشَيءٍ عندَ الانتِهَاءِ إليْها في القِرَاءةِ، وأنْكَرَ كَوْنَها مِنَ ((الحديثِ)) وغيرِ ذلكَ، ولَمْ يَعْرِفْ غَيرَ هذا عَنْ أحَدٍ مِنْ مَشَايِخِهِ، وفِيْهِم عَدَدٌ كانُوا حُفَّاظَ الحدِيثِ في وَقْتِهِ.

قالَ المؤَلِّفُ: وأخْتَارُ أنا (145) - واللهُ الموفِّقُ - أنْ يَقُولَ القارِئُ عندَ الانْتِهَاءَ إليها:((حا)) ويَمُرُّ، فإنَّهُ أحْوَطُ الوُجُوهِ وأعْدُلُهَا، والعِلْمُ عندَ اللهِ تَعَالَى.

السَّادِسَ عَشَرَ: ذَكَرَ الخطيبُ الحافِظُ أنَّهُ يَنْبَغِي للطَّالِبِ أنْ يَكْتُبَ بَعْدَ (146) البَسْمَلةِ اسْمَ الشَّيْخِ الذي سَمِعَ الكِتَابَ منهُ وكُنْيَتَهُ ونَسَبَهُ، ثُمَّ يَسُوقَ مَا سَمِعَهُ منهُ عَلَى لفظِهِ. قالَ: وإذا كَتَبَ الكِتابَ المسْمُوعَ فيَنْبَغِي أنْ يَكتُبَ فوقَ سَطْرِ التَّسْمِيةِ أسماءَ مَنْ سَمِعَ معهُ وتاريخَ وَقْتِ السَّمَاعِ وإنْ أحَبَّ كَتْبَ ذَلِكَ في حاشِيةِ أوَّلِ وَرَقَةٍ مِنَ الكِتابِ، فَكُلاًّ قَدْ فَعَلَهُ شُيُوخُنا (147)، واللهُ أعلمُ (148).

قُلْتُ: كِتْبَةُ التَّسْمِيعِ حيثُ (149) ذَكَرَهُ أحْوطُ لهُ وأحْرَى بأنْ لاَ يَخْفَى عَلَى مَنْ يَحتاجُ إليهِ، ولاَ بأسَ بكتبتِهِ آخِرَ الكِتابِ وفي ظَهْرِهِ، وحيثُ لاَ يَخْفى موضِعُهُ. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ التَّسْمِيعُ بخَطِّ شَخْصٍ موثُوقٍ بهِ غيرِ مَجْهولِ الخطِّ، ولاَ ضَيْرَ حِيْنَئذٍ في أنْ لاَ يَكْتُبَ الشَّيْخُ الْمُسْمِعُ خَطَّهُ بالتصحيحِ. وهَكَذا لاَ بأسَ عَلَى صاحِبِ الكِتابِ إذا كانَ مَوثُوقاً بهِ، أنْ يَقْتَصِرَ عَلَى إثْباتِ سَماعِهِ بخَطِّ نفسِهِ، فَطَالَمَا فَعَلَ الثِّقَاتُ ذلكَ.

وَقَدْ حَدَّثَنِي بِمَرْوَ الشَّيْخُ أبو الْمُظَفَّرِ بنُ الحافِظِ أبي سَعْدٍ (150) الْمَرْوَزِيُّ (151) عَنْ أبيهِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ مِنَ الأصبَهانِيَّةِ أنَّ عبدَ الرَّحْمَانِ بنَ أبي عبدِ اللهِ بنِ مَنْدَه قرَأَ ببغْدَادَ جُزْءاً عَلَى أبي أحمدَ الفَرَضِيِّ (152) وسَأَلَهُ خَطَّهُ لِيَكُونَ حُجَّةً لهُ. فقالَ لهُ أبو أحمدَ:((يا بُنَيَّ! عليكَ بالصِّدْقِ، فإنَّكَ إذا عُرِفْتَ بهِ لاَ يُكَذِّبُكَ أحَدٌ، وتُصَدَّقُ فيما تَقُولُ وتَنْقُلُ، وإذا كَانَ غيرَ ذلكَ فلوْ قِيْلَ لَكَ: ما هذا خَطُّ أبي أحمدَ الفَرَضِيِّ، ماذَا تَقُولُ لَهُمْ؟)). ثُمَّ إنَّ عَلَى كاتِبِ التَّسْمِعِ التَّحَرِّيَ والاحْتِياطَ، وبيانَ السَّامِعِ والمسْمُوعِ منهُ بلفْظٍ غيرِ مُحْتَملٍ (153) ومُجَانَبَةَ التَّسَاهُلِ فيمَنْ يُثْبِتُ اسْمَهُ، والحذَرَ مِنْ إسْقاطِ اسْمِ واحِدٍ(154) منهُم لغَرَضٍ فاسِدٍ. فإنْ كَانَ مُثْبِتُ السَّماعِ غيرَ حاضِرٍ في جميعِهِ، لكنْ أثْبَتَهُ مُعْتَمِداً عَلَى إخْبَارِ مَنْ يَثِقُ بخبَرِهِ مِنْ حاضِرِيهِ، فلاَ بأسَ بذَلِكَ إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى.

ثُمَّ إنَّ مَنْ ثَبَتَ سَماعُهُ في كِتابِهِ فَقَبيحٌ بهِ كِتْمانُهُ إيَّاهُ ومَنْعُهُ مِنْ نَقْلِ سَماعِهِ ومِنْ نَسْخِ الكِتابِ. وإذا أعارَهُ إيَّاهُ فلاَ يُبْطِئُ بهِ. رُوِّينا عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ قالَ: ((إيَّاكَ وغُلُولَ الكُتُبِ)). قيلَ لهُ: ((وما غُلُولُ الكُتُبِ؟))، قالَ: ((حَسْبُهَا عَلَى (155) أصْحَابِهَا))(156).

وَرُوِّيْنا عَنِ الفُضَيْلِ بنِ عِيَاضٍ أنَّهُ قالَ: ((ليسَ مِنْ فَعَالِ (157) أهْلِ الورَعِ ولاَ مِنْ فَعَالِ الْحُكَماءِ، أنْ يأخُذَ سَمَاعَ رَجُلٍ فَيَحْبِسَهُ عنهُ، ومَنْ فَعَلَ ذلكَ فقدْ ظَلمَ نفسَهُ))(158). وفي روايةٍ: ((ولاَ مِنْ فَعَالِ (159) العُلماءِ أنْ يأخُذَ سَماعَ رَجُلٍ وكتابَهُ فيَحْبِسَهُ عليهِ)) (160). فإنْ مَنعَهُ إيَّاهُ فَقَدْ (161) رُوِّيْنا أنَّ رَجُلاً ادَّعَى عَلَى رجُلٍ بالكُوفَةِ سَمَاعاً منعَهُ إيَّاهُ فَتَحَاكَما إلى قاضِيها حَفْصِ بنِ غِيَاثٍ، فقالَ لصَاحِبِ الكِتابِ: ((أخرِجْ إلينا كُتُبَكَ، فما كَانَ مِنْ سَماعِ هذا الرَّجُلِ بِخَطِّ يَدِكَ ألزَمناكَ، وما كانَ بِخَطِّهِ أعْفيناكَ منهُ))(162). قالَ ابنُ خَلاَّدٍ: ((سَأَلْتُ أبا عبدِ اللهِ الزُّبَيْرِيَّ عَنْ هذا، فقالَ لاَ يجيءُ في هذا البابِ حُكْمٌ أحْسنُ مِنْ هذا؛ لأنَّ خَطَّ صاحِبِ الكِتابِ دالٌّ عَلَى رِضَاهُ باسْتِماعِ صاحِبِهِ معهُ)) (163)، قالَ ابنُ خَلاَّدٍ: وقالَ غيرُهُ: ((ليسَ بشَيءٍ)) (164).

ورَوَى الخطيبُ الحافِظِ أبو بَكْرٍ عَنْ إسْماعيلَ بنِ إسْحاقَ القَاضِي (165) أنَّهُ تُحُوكم إليهِ في ذلكَ فأطْرَقَ مَلِيّاً ثُمَّ قالَ للْمُدَّعَى عليهِ: ((إنْ كانَ سَمَاعُهُ في كِتابِكَ بخَطِّكَ فَيَلْزَمُكَ أنْ تُعيرَهُ، وإنْ كانَ سَماعُهُ في كِتابِكَ بِخَطِّ غيرِكَ فأنتَ أعلمُ)).

قُلْتُ: حَفْصُ بنُ غِيَاثٍ مَعْدُودٌ في الطَّبَقَةِ الأُوْلَى مِنْ أصْحَابِ أبي حَنِيفَةَ، وأبو عبدِ اللهِ الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أئِمَّةِ أصْحابِ الشَّافِعِيِّ، وإسْماعِيلُ بنُ إسْحاقَ لِسَانُ أصْحَابِ مَالِكٍ وإمَامُهُمْ، وقَدْ تَعَاضَدَتْ (166) أقَوَالُهُمْ في ذَلِكَ، ويَرْجِعُ حاصِلُها إلى أنَّ سَماعَ غيرِهِ إذا ثَبَتَ في كِتَابِهِ برِضَاهُ فيلزَمُهُ إعَارَتُهُ إيَّاهُ. وقَدْ كانَ لاَ يَبِيْنُ (167) لي وَجْهُهُ(168)، ثُمَّ وَجَّهْتُهُ بأنَّ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ شَهادةٍ لهُ عِندَهُ، فعليهِ أدَاؤُها بما حَوَتْهُ (169) وإنْ كانَ فيهِ بَذْلُ مالِهِ، كَما يَلْزمُ مُتَحَمِّلَ الشَّهَادةِ أدَاؤُها، وإنْ كانَ فيهِ بَذْلُ نَفْسِهِ بالسَّعْيِ إلى مَجلِسِ الْحُكْمِ لأدائِهَا، والعِلْمُ عِندَ اللهِ تَبَارَكَ وتَعَالَى (170).

ثُمَّ إذا نَسَخَ الكِتابَ فلاَ يَنْقُلْ سَمَاعَهُ إلى نُسْخَتِهِ إلاَّ بعدَ المقابَلةِ (171) المرضيَّةِ. وهكذا لاَ يَنْبَغِي لأحَدٍ أنْ يَنْقُلَ سَماعاً إلى شيءٍ مِنَ النُّسَخِ أو يُثْبِتَهُ فيها عِندَ السَّمَاعِ ابْتَداءً إلاَّ بعدَ المقابَلَةِ المرْضِيَّةِ بالمسْمُوعِ كَيْلاَ يَغتَرَّ أحَدٌ بتِلْكَ النُّسْخَةِ غيرِ المقَابَلَةِ إلاَّ أنْ يُبَيِّنَ مَعَ النَّقْلِ وعِنْدَهُ كَونَ النُّسْخَةِ غيرَ مقابَلَةٍ، واللهُ أعلمُ.

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) في ذلك مناقشات ومباحثات طويلة تنظر في: تقييد العلم: 28 - 116، ونكت الزركشي 3/ 556، ومحاسن الاصطلاح: 296.

(2) قال الزركشي 3/ 556: ((هكذا قال ابن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ. وقد جاء عن عمر الجواز، قال الحاكم في مستدركه 1/ 106: ((قد صحّت الرواية عن عمر بن الخطاب أنّه قال: قيّدوا العلم بالكتابة)).

(3) عقَّب الزركشي على ذلك فقال في نكته 3/ 558: ((بل جاء عن أبي سعيد أنّه استأذن النبيّ ـ صلى الله عليه [وآله] وسلّم ـ في كتب الحديث فلم يأذن له، رواه الخطيب في كتاب تقييد العلم)). قلنا: انظر: تقييد العلم: 36، وقد رواه أيضاً الدارمي (457)، والترمذي (2665) فعزوه إليهما أفضل.

(4) صحيح مسلم 8/ 229 (3004).

وأخرجه أحمد 3/ 12 و 21 و 39 و 46 و 56، والدارمي (456)، والنسائي في الكبرى (8008)، وفي فضائل القرآن (33) جميعهم من طريق همام بن يحيى، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، به مرفوعاً.

(5) رواه عنه البخاري في صحيحه 1/ 38 (111)، والخطيب البغدادي في تقييد العلم: 88 - 91، وابن عبد البر في جامع بيان العلم 1/ 71.

(6) رواه عنه الخطيب البغدادي في تقييد العلم: 91، وابن عبد البر في جامع بيان العلم 1/ 82.

(7) رواه عنه الدارمي (497)، والرامهرمزي في المحدّث الفاصل: 366 و 368، والخطيب البغدادي في تقييد العلم: 94 - 97، وابن عبد البر في جامع بيان العلم 1/ 73، والقاضي عياض في الإلماع: 147.

(8) رواه عنه الإمام أحمد في مسنده 2/ 162، الدارمي (490)، (492)، وأبو داود (3646)، والحاكم في المستدرك 1/ 105 - 106، والخطيب البغدادي في تقييد العلم: 74، 82، وابن عبد البر في جامع بيان العلم 1/ 71، والقاضي في الإلماع: 146.

(9) في (ب): ((جماعة)).

(10) قال البقاعي: ((رأيت على حاشية كتاب ابن الصلاح بخطٍّ لا أعرفه ما صورته: وقع في "المشارق" المقروءة على الصنعاني والترمذي المقروءة على القاضي عياض وعليهما خطَّاهما بالتاء المثناة من فوق، والمحدثون من فضلاء مصر لا يروونه إلا بالهاء، وكذا سمعه الحافظ زين الدين العراقي)). النكت الوفية 274 / ب. قلنا: قال النووي في شرح صحيح مسلم 3/ 506: ((هو بهاء تكون هاء في الوقف والدرج، ولا يقال بالتاء...)).

وقال الحافظ ابن حجر في الفتح 1/ 206: ((هو بهاء منونة))، وقال في مكان آخر 12/ 208: ((وحكى السلفي أنّ بعضهم نطق بها بتاء في آخره وغلَّطه، وقال هو فارسي من فرسان الفرس الذين بعثهم كسرى إلى اليمن)) وانظر: الإصابة 4/ 100.

(11) في (م): ((خطبة)).

(12) جزء من حديث طويل، أخرجه أحمد 2/ 238، والبخاري 1/ 38 - 39 (112) و 3/ 164 - 165 (2434) و 9/ 6 (6880)، ومسلم 4/ 110 - 111 (1355)، وأبو داود (2017) و (3649) و (4505) والترمذي (2667)، وابن حبان (3715)، والدارقطني 3/ 96 - 98 والبيهقي 8/ 52، وفي دلائل النبوة 5/ 84، والخطيب في الفقيه والمتفقه 1/ 91 كلهم من طريق يحيى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.

(13) انظر: نكت الزركشي 3/ 558 - 565.

(14) قال البقاعي: ((أي: بسبب أنّه لم يكن اشتدّ ألف الناس له وكثر حُفَّاظه المعتنون به فلمّا ألفه الناس وعرفوا أساليبه وكمال بلاغته، وحُسن تناسب فواصله وغاياته صارت لهم ملكة يميّزون بها عن غيره فلم يُخْشَ اخْتِلاطه بعد ذلك)). النكت الوفية: 278 / أ.

(15) هذه النسبة إلى فراوة، وهي بليدة مما يلي خوارزم، وضبطها بعضهم: بضم الفاء، وبعضهم بفتحها. انظر: الأنساب 4/ 615، ووفيات الأعيان 4/ 291، وتبصير المنتبه 3/ 1100، ومعجم البلدان 4/ 245.

(16) أخرجه من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي الخطيب في تقييد العلم: 64، وابن عبد البر في بيان العلم 1/ 68. وأخرجه الدارمي (473) من طريق ابن المبارك، عن الأوزاعي. وانظر: محاسن الاصطلاح: 302.

(17) في (م): ((توسيع)).

(18) قال الزركشي في نكته 3/ 568: ((قد استنكر بعض أهل اللغة إدخال الألف واللام على (غير) ...)). قلنا: انظر بيان ذلك في تهذيب الأسماء واللغات 3/ 65، والتاج 13/ 285.

(19) إشارة إلى عجز بيت لأبي الفتح البستي، أوله:

نَسِيْتُ وَعْدَكَ، والنِّسْيانُ مُغْتَفَرٌ ... فَاغْفِرْ فَأَوَّلُ نَاسٍ أوَّلُ النّاسِ

الغيث المسجم في شرح لامية العجم للصفدي 2/ 208، وانظر: نكت الزَّرْكَشِيّ 3/ 565، وفتح المغيث 2/ 148.

(20) قال العراقي في التقييد: 205: ((اقتصر المصنّف على ذكر كتابة اللفظة المشكلة في الحاشية مفردة مضبوطة، ولم يتعرّض لتقطيع حروفها، وهو متداول بين أهل الضبط، وفائدته ظهور شكل الحرف بكتابته مفرداً، كالنون، والياء إذا وقعت في أول الكلمة، أو في وسطها. ونقله ابن دقيق العيد في الاقتراح (286) عن أهل الإتقان)).

(21) المحدِّث الفاصل: 608، والإلماع: 150، وانظر: نكت الزركشي 3/ 569.

(22) سقطت من (م).

(23) الإلماع: 150، وقال القاضي: ((وهذا هو الصواب)).

(24) في (ب): ((مقيّدة)).

(25) لأنّه لا يدخله القياس ولا قبله شيء يدلّ عليه. الجامع لأخلاق الراوي 1/ 269 - 270، والإلماع: 164، ونكت الزركشي 3/ 571، وشرح التبصرة 2/ 203.

(26) انظر: الاقتراح: 386، ونكت الزركشي 3/ 572.

(27) في (ب): ((بما)).

(28) انظر: أدب الإملاء والاستملاء: 167 - 168، ونكت الزركشي 3/ 572.

(29) أخرجه الخطيب في الجامع (537)، وابن السمعاني في أدب الإملاء: 167.

(30) قال الزركشي في نكته 3/ 572: ((بفتحتين - أي: الخلف - ما يخلف من بعد، يشير إلى أنّ داعيته الحرص على ما عنده من الكاغد؛ إذ لو كان يعلم أنّه مستخلف لوسع)). قلنا: انظر عن الخلف: لسان العرب 9/ 89، والتاج 23/ 245.

(31) أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (538).

(32) ذكر الخطيب هذا الكلام في الجامع 1/ 261 وساقه المصنّف بمعناه، ولم يصرّح به.

(33) بعد هذا في (ع): ((والله أعلم))، ولم ترد في شيء من النسخ ولا (م).

(34) الْمَشْق: السرعة في الكتابة. انظر: الصحاح 4/ 1555، ونكت الزركشي 3/ 572.

(35) قال البقاعي في نكته الوفية 281/أ: ((الذي يظهر في تفسيره أنّه خلط الحروف التي ينبغي تفرقتها، وذهاب أسنان ما ينبغي إقامة أسنانه، وطمس ما ينبغي إظهار بياضه ونحو ذلك)). وانظر: فتح المغيث 2/ 250.

(36) الهذرمة: السرعة في القراءة. انظر: الصحاح 5/ 2057.

(37) أخرجه الخطيب في الجامع (541).

(38) كذا في الأصول، ونقل هذا النصّ ابن طاهر الجزائري في توجيه النظر 2/ 780، وفيه: ((النُّقَطَ التي...)).

(39) قال الزركشي في النكت 3/ 574: ((خرج بقوله: ((فوق)) ما إذا كان النقط تحت المعجمات فلا يستحب ذلك كالحاء فإنّها لو نقطت من تحتها لالتبست بالجيم. ورأيت مَن يُورِد هذا على المصنّف، وهو خارج من هذا الموضع من كلامه. وأمّا الباء فلا تلتبس بالياء؛ لأنّها بواحدة)).

(40) جمع أثفية - بضم الهمزة وكسرها - : وَهِيَ الحجارة الَّتِي تنصب، ويجعل القدر عَلَيْهَا، وياء الجمع مشدّدة، وَقَدْ تخفّف، وتجمع عَلَى أثافٍ أيضاً. انظر: اللسان 9/ 3، ونكت الزركشي 3/ 575، والتاج 23/ 5.

(41) في (م): ((مضطجعة)).

(42) قال العراقي في التقييد: 207: ((اقتصر المصنّف في هذه العلامة على جعل خط صغير فوق الحرف المهمل، وترك فيه زيادة ذكرها القاضي عياض في الإلماع (157)، حكى عن بعض أهل المشرق أنّه يُعَلِّم فوق الحرف المهمل بخط صغير يشبه النبرة، فحذف المصنّف منه ذكر النبرة، والمصنّف إنّما أخذ ضبط الحروف المهملة بهذه العلامات من الإلماع للقاضي عياض، وإذا كان كذلك فحذفه لقوله: يشبه النبرة يخرج هذه العلامة عن صفتها، فإنّ النبرة هي الهمزة كما قال الجوهري - الصحاح 2/ 822 - وصاحب المحكم ومقتضى كلام المصنّف أنّها كالنصبة لا كالهمزة)).

(43) في (ع) و (م) والشذا والتقييد: ((يتجنّب)).

(44) الجامع لأخلاق الراوي 1/ 272 قبيل (570).

(45) المحدّث الفاصل: 606 (882)، والجامع لأخلاق الراوي 1/ 272 (571).

(46) الجامع لأخلاق الراوي 1/ 273.

(47) المصدر السابق.

(48) انظر: الجامع لأخلاق الراوي 1/ 268، ونكت الزركشي 3/ 575، والتقييد: 208.

(49) ينظر: الجامع لأخلاق الراوي 1/ 268.

(50) ((السطر)) لم ترد في (ب).

(51) الجامع لأخلاق الراوي 1/ 268.

(52) في (ع) والشذا والتقييد: ((كتبة))، وانظر: التاج 4/ 100.

(53) انظر: نكت الزركشي 3/ 576 - 579، والمحاسن: 307.

(54) انظر بعضها في: الجامع لأخلاق الراوي 1/ 271 (565) و (566) و(567)، وانظر: التعليق على شرح التبصرة 2/ 216.

(55) قال النووي: ((وكذا التَّرَضِّي والتَّرَحُّم على الصحابة والعلماء وسائر الأخيار)) انظر: التقريب: 125.

(56) قال الزركشي 3/ 579: ((ويدلّ على ذلك أنّه كان لا يرى تبديل لفظ النبي بالرسول في الرواية، وإن لم يختلف المعنى)).

(57) قال البلقيني في المحاسن: 308: ((لا يقال: لعلّ سببه أنّ كان يكتب عجلاً لأمرٍ اعتاده، فيترك ذلك للعجلة لا للتقَيّد بالرواية وشبهها؛ لأنّا نقول: ترك مثل هذا الثواب بسبب الاستعجال، لا ينبغي أن ينسب للعلماء الجبال)).

(58) الجامع لأخلاق الراوي 1/ 271.

(59) في (أ): ((النبي)).

(60) الجامع (568).

(61) في (أ): ((ليجتنّب))، وفي (جـ): ((يتجنّب)).

(62) المقصود به: الخطيب البغدادي. انظر: شرح التبصرة والتذكرة 2/ 216.

(63) ترجمته في السِّيَر 21/ 494.

(64) ترجمته في السِّيَر 20/ 227.

(65) ترجمته في السِّيَر 19/ 375.

(66) هو الحافظ أبو القاسم حمزة بن محمد بن علي بن العباس الكناني المصري، توفي سنة (357 هـ). انظر: تاريخ دمشق 15/ 239، والسِّيَر 16/ 179.

(67) انظر: تعليقنا على شرح التبصرة 2/ 216.

(68) قبل هذا في جميع النسخ و (ع) والتقييد والشذا جاءت التعليقة الآتية: ((وقع في الأصل، في شيخ المقرئ ظريف ((عبد الله))، وإنّما هو: ((عبيد الله)) بالتصغير، ومحمد بن إسحاق أبوه، هو أبو عبد الله ابن منده، فقوله: الحافظ إذن مجرور)).

قلنا: ولا يشكّ باحث ناقد فطن أنّ هذه التعليقة ليست من ابن الصلاح، بل هي من أحد النسّاخ لنسخ ابن الصلاح، ولعلّه كان من المبكرين، ثم درجت من بعد هذه الزيادة في علوم الحديث لابن الصلاح. وقد أحسنت بنت الشاطئ إذ جعلتها في الحاشية، وأشارت إلى أنّها في حاشية نسخة من نسخها المعتمدة، وصاحب هذه الحاشية مخطئ في استدراكه على ابن الصلاح واستدراكه مبني على خطأ، وهو أنّ المترجمين لابن منده لم يشيروا إلى أنّ له ولداً اسمه عبد الله بل ذكروا من أولاده عُبيد الله، ولعلّ المترجمين قصّروا في ذلك أو اكتفوا بما لابن منده من كنية، وهي أبو عبد الله. وانظر في ترجمة ابن منده: تاريخ الإسلام: 320 وفيات سنة (395)، والسِّيَر 17/ 28، وتذكرة الحفاظ 3/ 1031، وطبقات الحفاظ: 408، وانظر: السِّيَر أيضاً 16/ 180.

(69) قال الزركشي 3/ 582: ((ويقال: قابل بالكتاب قبالاً ومقابلة، أي: جعله قبالته، وجعل فيه كلماً في الآخر، ومنه: منازل القوم تتقابل، أي: يقابل بعضها بعضاً، وهو بمعنى المعارضة، يقال: عارضت بالكتاب الكتاب، أي: جعلت ما في آخرها مثل ما في الآخر، مأخوذ من عارضته بالثوب إذا أعطيته وأخذت غيره)).

(70) انظر: نكت الزركشي 3/ 580.

(71) أخرجه الرامهرمزي في المحدّث الفاصل: 544، والخطيب في الجامع (576)، والكفاية: ... (350ت، 237هـ) والقاضي عياض في الإلماع: 160، وابن السمعاني في أدب الإملاء: 79.

قال البقاعي: ((يحتمل - وهو أظهر - أن يكون (لم) حرف جزم فيكون المعنى أنّ ما كتبه عَدَمٌ؛ لعدم نفعه، ويحتمل أن تكون استفهاميّة، وهو قريب من الأوّل)). النكت الوفية: 287/ ب.

(72) قال العراقي في التقييد: 210: ((إنّما هو معروف عن الأوزاعي، وعن يحيى بن أبي كثير))، وبنحوه في نكت الزركشي 3/ 582. وإلى الأوزاعي أسنده ابن عبد البر في الجامع 1/ 77 - 78. وأسنده الرامهرمزي في المحدّث الفاصل: 544، وابن عبد البر في الجامع 1/ 77، والخطيب في الكفاية: (350 ت، 237 هـ)، وفي الجامع (577)، وابن السمعاني في أدب الإملاء 78 - 79 إلى يحيى بن أبي كثير.

(73) أسنده الخطيب في الكفاية: (351 ت، 237 - 238 هـ)، وانظر: المحاسن: 310.

(74) انظر: المحاسن: 310.

(75) هو الحافظ أبو الفضل محمد بن أحمد بن محمد، الجارودي الهروي، توفي سنة (413 هـ‍). السير 17/ 384.

(76) وهذا يختلف من حال شخص إلى آخر، فمن كان من عادته ألّا يسهو عند نظره في الأصل والفرع فهذا يقابل بنفسه، ومن كان من عادته أن يسهو عند نظره فمقابلته مع الغير أولى. الاقتراح: 296 - 297، نكت الزركشي 3/ 583.

(77) انظر: نكت الزركشي 3/ 584.

(78) الكفاية: (351 ت، 238 هـ).

(79) في (ب): ((مذاهبهم)).

(80) سقطت من (ب).

(81) كأنّه ثَنَّى اليد؛ إشارة إلى الاعتناء بالمقابلة، أفاده البقاعي في نكته: 289 / ب.

(82) قال البقاعي: ((أي: قد يكون الإنسان ثقةً، أي: عدلاً ضابطاً لما يرويه، وهو ضعيف في الكتابة أو لا يعلمها أصلاً فلا يدفع ذلك مع كونه موثوقاً بضبطه في المقابلة، أي: قد جرّب أمره فيها فوجد شديداً)). النكت الوفية: 289 / ب.

(83) انظر: الاقتراح: 297 - 298، ونكت الزركشي 3/ 585.

(84) نقله القاضي عياض في الإلماع: 159.

(85) في (أ): ((عنه)).

(86) الكفاية: (352 ت، 239 هـ).

(87) الكفاية: (353 ت، 239 هـ).

(88) المصدر السابق.

(89) انظر: نكت الزركشي 3/ 586.

(90) في (م): ((ولا يكون منه))، وفي الشذا: ((ولا يكون)).

(91) قال العراقي في شرح التبصرة والتذكرة 2/ 223: ((أهل الحديث والكتَّابة يسمّون ما سقط من أصل الكتاب، فألحق بالحاشية أو بين السطور: اللَّحَق - بفتح اللام والحاء المهملة معاً -.

وأمَّا اشتقاقه فيحتمل أنّه من الإلحاق، قال الجوهري: اللَّحَق – بالتحريك - شيء يلحق بالأول، قال: واللَّحَق أيضاً من التمر الذي يأتي بعد الأول. وقال صاحب المحكم: اللَّحَق: كل شيء لَحِقَ شيئاً أو أُلحِقَ به من الحيوان والنبات وحمل النخل، ويحتمل أنّه من الزيادة يدلّ عليه كلام صاحب المحكم فإنّه قال: اللَّحَق: الشيء الزائد - ثم قال وقد وقع في شعر نسب إلى أحمد بن حنبل - بإسكان الحاء - ثُمَّ قال بعد إيراده: وكأنّه خفَّف حركة الحاء؛ لضرورة الشعر)).

قلنا: أشار صاحب اللسان 10/ 327 إلى أنّ: اللَّحَق إنْ خفِّف كان جائزاً، فيقال: لَحْقٌ، ومثله في التاج 26/ 352. وانظر: الصحاح 4/ 1549، ونكت الزركشي 3/ 586، والنكت الوفية 291/أ.

(92) في (أ) و (ع) و (م) والشذا والتقييد: ((بكتبة)).

(93) في (ع): ((فليكتبه))، وما أثبتناه من النسخ و(م).

(94) في (جـ): ((ليؤذنه)).

(95) المحدّث الفاصل: 606.

(96) في (م): ((بالحاشية)).

(97) جملة: ((والله أعلم)) لم ترد في (ب).

(98) في (ب): ((كي لا)).

(99) كلمة: ((إنّا)) ساقطة من (ب).

(100) في (م): ((من)).

(101) الإلماع: 164.

(102) في (ب): ((كي لا)).

(103) قال ابن دقيق العيد في الاقتراح: 300: ((والتمريض حيث تكون اللفظة صحيحة في الرواية دون المعنى، فيكتب عليها صورة صاد صغيرة ممدودة نصف صح؛ إيذاناً بأنّ الصحّة لَمْ تكمل فيه)).

(104) سقطت من (ب).

(105) الضَّبَّة في الأصل: حديدة عريضة يُضَبَّبُ بها الباب والخشب، وتكون من صفر أو حديد أو نحو ذلك يشعب بها الإناء. انظر: التاج 3/ 233، ومتن اللغة 3/ 526.

(106) في (ع) والتقييد: ((الإقليلي)) بالقاف، والصواب ما أثبت، قال ابن خلكان في وفياته 1/ 51: ((بكسر الهمزة وسكون الفاء وكسر اللام وسكون الياء المثنّاة من تحتها وبعدها لام ثانية، هذه النسبة إلى الإفليل، وهي قرية في الشام كان أصله منها. ومثله في حاشية نسخة (ب)، ونكت الزركشي 3/ 587، وضبطها ياقوت في معجم البلدان 1/ 232: أَفْلِيْلاء - بفتح الهمزة - وكذا في مراصد الاطلاع 1/ 102. وقد توفّي الإفليلي سنة (441 هـ). وانظر: وفيات الأعيان 1/ 51، وشذرات الذهب 3/ 266.

(107) الإلماع: 169.

(108) في (ع): ((استعير)) من غير فاء، وما أثبتناه من النسخ و(م).

(109) اعترض الحافظ العراقي على ذلك. فانظر: التقييد: 214، وشرح التبصرة 2/ 229، والمحاسن: 316، وتوجيه النظر 2/ 784.

(110) في (ب) و(جـ): ((بينهما)).

(111) المحدّث الفاصل: 606، وأخرجه الخطيب في الجامع (587).

(112) في (م) والشذا الفياح وعدد من المصادر: ((العاصي))، وما أثبتناه من النسخ الخطية و(ع) والتقييد، ومثله في سير أعلام النبلاء 19/ 515، وفتح المغيث 2/ 179، وشذرات الذهب 4/ 61، وغيرها. قال العيني في عمدة القاري 2/ 89 تعليقاً على اسم ((عمرو بن العاصي))، قال: ((قوله: ((العاصي)) الجمهور على كتابته بالياء، وهو الفصيح عند أهل العربية، ويقع في كثير من الكتب بحذفها، وقد قرئ في السبع نحوه كالكبير المتعال والداع)). وانظر: النكت الوفية 295 / أ.

(113) قال البقاعي في نكته الوفية 295 / ب: ((البَشْر: القَشْر، وهو أخذ وجه البشرة، وهو حقيقة الكشط)). انظر: اللسان 4/ 60.

(114) بعد هذا في (ع): ((وحك))، ولم ترد في شيء من النسخ ولا في (م)، ولا الشذا ولا التقييد.

(115) الإلماع: 170 - 171.

(116) المحدث الفاصل: 606.

(117) قال العراقي في نكته: 216: ((الشَّقُّ - بفتح الشين المعجمة وتشديد القاف - وهذا الاصطلاح لا يعرفه أهل المشرق، ولم يذكره الخطيب في الجامع ولا في الكفاية، وهو اصطلاح لأهل المغرب، وذكره القاضي عياض في الإلماع، ومنه أخذه المصنّف، وكأنّه مأخوذ من الشق، وهو الصدع أو من شقّ العصا، وهو التفريق، فكأنّه فرّق بين الكلمة الزائدة وبين ما قبلها وبعدها من الصحيح الثابت بالضرب عليها، والله أعلم.

ويوجد في بعض نسخ علوم الحديث النشق - بزيادة نون مفتوحة في أوله وسكون الشين - فإن لم يكن تصحيفاً وتغييراً من النسّاخ فكأنّه مأخوذ من نشق الظبي في حبالته إذا علق فيها فكأنّه إبطال لحركة الكلمة وإهمالها يجعلها في صورة وثاق يمنعها من التصرّف، والله أعلم)). وانظر: النكت الوفية 295 / ب.

(118) الإلماع: 171.

(119) يقال: حَوَّق عليه، أي: حَلَّق وأحاطَ بحلقة أو دائرة. النكت الوفية: 298/أ، وانظر: متن اللغة 2/ 202.

(120) الإلماع: 171، قال البقاعي: ((كذا فعل اليونيني في نسخته من البخاري فإنّه يكتب عَلَى أوّل بعض الجمل: ((لا))، وعلى آخرها: ((إلى))، ويكتب عليها فيها بين ذلك رمز بعض الرواة فيفهم أنّ هذا الكلام ساقط في رواية صاحب الرمز ثابت في رواية من سواه)). النكت الوفية: 296 / أ، وانظر: مقدّمة صحيح البخاري 1/ 10.

(121) ما أثبتناه من جميع النسخ و(م)، وفي (ع): ((فيما في صحَّ رواية)) خطأ مركّب.

(122) المحدّث الفاصل: 607، ونقله عنه الخطيب في الجامع 1/ 276 - 277، وانظر: الإلماع: 172.

(123) الإلماع: 172.

(124) في (م): ((أو آخرها)).

(125) في (أ) و (ب): ((يراع)).

(126) في (أ) و (ب): ((يراعي)).

(127) بفتح السين المهملة وضمها وسكون الحاء المهملة وضم النون، وبعد الواو نون ثانية. انظر: وفيات الأعيان 3/ 182.

(128) الإلماع: 173.

(129) انظر: وفيات الأعيان 3/ 182، نسبته إلى النَّخَع -بفتح النون والخاء المعجمة وبعدها عين مهملة - وهي قبيلة كبيرة من مَذْحج باليمن. انظر: وفيات الأعيان 1/ 25.

(130) انظر: نكت الزركشي 3/ 589.

(131) في (جـ): ((أو)).

(132) في (أ): ((المختلفة)).

(133) هو الإمام الحافظ أبو ذر عبد الله بن أحمد بن مُحَمَّد بن عبد الله الأنصاري الهروي المالكي، ت (434هـ‍). تذكرة الحفاظ 3/ 1103 (997).

(134) هو الإمام الحافظ الفقيه أبو الحسن علي بن مُحَمَّد بن خلف المعافري، ت (403 هـ). تذكرة الحفاظ 3/ 1079 (982).

(135) الإلماع: 189 - 190.

(136) قال البلقيني في المحاسن: 320: ((فيه إبهام إلا عَلَى طريقة من لا يفرق بينهما))، ومراده في ذلك: أنّ اختصار ((حدثنا)) بـ ((نا)) فِيهِ التباس بـ((أخبرنا))؛ لذلك لا بُدَّ من التفرقة بينهما في حالة الاختصار.

(137) في (م) والشذا: ((تفعله)).

(138) هو أبو عبد الرحمن مُحَمَّد بن الحسين بن مُحَمَّد السلمي الصوفي النيسابوري، توفي سنة (421 هـ). تاريخ بغداد 2/ 248، وتذكرة الحفاظ 3/ 1046.

(139) انظر: نكت الزركشي 3/ 595.

(140) في (م): ((إنَّني)).

(141) في (ب): ((سعيد))، والمثبت من باقي النسخ و(م) والشذا والتقييد، وقد نقل الحافظ العراقي هذا النصّ في شرح التبصرة والتذكرة 2/ 249، وفيه: ((سعيد))، ولعلّه مُحَمَّد بن أحمد بن مُحَمَّد، أبو سعد الخليلي التوقاني المتوفى (548 هـ). مترجم له في طبقات الشافعية الكبرى 6/ 85.

(142) في الشذا: ((الغرب)).

(143) في الشذا: ((الغرب)).

(144) ولد بـ((الرُّها)) - بضم أوله - في سنة (536 هـ)، وتوفّي بحرّان سنة (612 هـ). انظر: سير أعلام النبلاء 22/ 71، ومعجم البلدان 3/ 106.

(145) لم ترد في (أ).

(146) في (ب): ((عند)).

(147) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1/ 268، وأدب الإملاء والاستملاء: 171.

(148) جملة: ((والله أعلم)) من (ب) و(م).

(149) في (ع) والتقييد: ((جنب)). وانظر: النكت الوفية: 300 / ب.

(150) في (ب): ((سعيد)).

(151) بفتح الميم وسكون الراء وفتح الواو وبعدها زاي معجمة، نسبة إلى مَرْو. انظر: الأنساب 5/ 149، ومراصد الاطلاع 3/ 1262.

(152) يقال للعالم بالفرائض: الفارض والفريض والفَرَضي. تاج العروس 18/ 482، وترجمته في تاريخ بغداد 10/ 380، والسير 17/ 212.

(153) في (ب): ((مجهول)).

(154) في (م): ((أحد)).

(155) في (ع): ((عن))، وما أثبتناه من النسخ و(م).

(156) أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (483)، والسمعاني في أدب الإملاء والاستملاء: 176.

(157) في (أ): ((أفعال)).

(158) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (485). وانظر: النكت الوفية: 302 / أ.

(159) في (أ): ((أفعال)).

(160) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (486). وانظر: النكت الوفية: 302 / أ.

(161) انظر: نكت الزركشي 3/ 595 - 596.

(162) الجامع لأخلاق الراوي 1/ 241 (481).

(163) المحدّث الفاصل: 589 رقم (838).

(164) المصدر السابق.

(165) انظر: نكت الزركشي 3/ 596 - 598.

(166) في (م): ((تعارضت)).

(167) في (أ): ((لا يتبيّن)).

(168) قال الزركشي في نكته 3/ 598 - 599: ((وقد وجّهه غيره بأنّ مثل ذَلِكَ من المصالح العامّة المحتاج إليها مع وجود علاقة بينهما تقتضي إلزامه بإسعافه في مقصده، أصله إعارة الجدار لوضع جذوع الجار بالعارية مع دوام الجذوع في الغالب، فلأن يلزم صاحب الكتاب مع عدم دوام العارية أولى)).

(169) أي: مع ما حوته من بذل مال ونفس. النكت الوفية: 302 / أ.

(170) وللبلقيني توجيه آخر، انظره في: محاسن الاصطلاح: 325.

(171) قال الزركشي 3/ 599: ((وإذا قابله علم علاقة ذَلِكَ، وإن كان في السماع يكتب: بلغ في المجلس الأول أو الثاني هكذا)).

EN

تصفح الموقع بالشكل العمودي