قال تعالى: { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} [يوسف: 24]
یُقَالُ: هَمَّهُ؛ أَي: قَصَدَهُ، الهَمُّ بِالشَّيءِ: قَصدُهُ وَالعَزمُ عَلَیهِ [1] وَقَولُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا} وَالمُرَادُ بِهَمِّهِ: مَیلُ الطَّبعِ، وَمُنَازَعَةُ الشَّهوَةِ، لَا القَصد الإِختِیَارِي، وَذَلِكَ مِمَّا لَا یَدخُلُ تَحتَ التَّکلِفِ [2] وَلَو کَانَ هَمُّهُ کَهَمِّهَا لمَا مَدَحَهُ اللهُ تعَالَى بِأَنَّهُ مِن عِبَادِنَا المُخلَصِینَ، وَیَجُوزُ أَن یُرَادَ بِقَولِهِ: {وَهَمَّ بِهَا} شَارَفَ أَن یَهِمَّ بِهَا، کَمَا یَقُولُ الرَّجُلُ: قَتَلتُهُ لَو لَم أَخِف اللَّـهِ[3].
وَمِن حَقِّ القَارِئ أَن یَقِفَ عَلَى: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ} وَیَبتَدِئ: {وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ} [4].
وَأَمَّا البُرهَانُ الَّذِي رَآهُ؛ فَقَد اختُلِفَ فِیهِ عَلَى وُجُوهٍ؛ أَحَدُهَا: أَنَّهُ حُجَّةُ اللَّـهِ سُبحَانَهُ وَتعَالَى في تَحرِیمِ الزِّنَا، وَالعِلمُ بِالعِقَابِ الَّذِي یَستَحِقُّهُ الزَّانِي.
وَثَانِیهَا: أَنَّهُ مَا آتَاهُ اللهُ مِن آدَابِ الأَنبِیَاءِ، وَأَخلَاقُ الأَصفِیَاءِ في العَفَافِ، وَصِیَانَةُ النَّفسِ عَن الأَدنَاسِ.
وَثَالِثُهَا: أَنَّهُ النُّبُوَّة المَانِعَةُ مِن إِرتِکَابِ الفَوَاحِشِ وَالحِکمَةِ الصَّارِفَةِ عَن القَبَائحِ.
وَرَابِعُهَا: أَنَّهُ کَانَ في البَیتِ صَنَمٌ، فَأَلقَت المَرأَةُ عَلَیهِ ثَوبَاً، فَقَالَ: إِن کُنتِ تَستَحِينَ مِنَ الصَّنَمِ، فَأَنَا أَحَقُّ أَن أَستَحِي مِنَ اللَّـهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ.
وَخَامِسُهَا: أَنَّهُ اللُّطفُ الَّذِي لَطَفَ اللهُ تعَالَى بِهِ في تِلكَ الحَالِ أَو قَبلِهَا، فَاختَارَ عِندَهُ الإِمتِنَاعَ عَن المَعَاصِي، وَهوَ مَا یَقتَضِي کَونُهُ مَعصُومَاً؛ لأَنَّ العِصمَةَ هِي اللُّطفُ الَّذِي يُختَارُ عِندَهُ التَّنَزُّه عَن القَبَائحِ، وَالإِمتِنَاعُ مِن فِعلِهَا، وَیَجُوزُ أَن یَکُونَ الرُّؤیَة هَهُنَا بِمَعنَى: العِلم، کَمَا یَجُوزُ أَن یَکُونَ بِمَعنَى الإِدرَاكَ [5].
[1] مجمع البيان في تفسير القرآن، الطبرسي: 5/383.
[2] زبدة التفاسير، الكاشاني: 3/355.
[3] تفسير البيضاوي: 3/282.
[4] الكشاف عن حقائق التنزيل، الزمخشري: 2/311.
[5] جوامع الجامع، الطبرسي: 2/213.