دار المسنين هي الحل
لقد كان القرآن الكريم السبّاق والرائد في معالجة الحالات الإجتماعية ومشاكلها المعقدة والصعبة ، ومن هذه المعالجات التي لم يستطع العقل البشري ان يتوصل إليها في احكامه الوضعية ومعالجاته للواقع الإجتماعي للمجتمع الإنساني هي معالجة مشكلة تقدم الوالدين في السن وكيفية التعامل معهما في هذه المرحلة الحرجة حيث ورد في القرآن الكريم من سورة الأسراء: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) (الاسراء:23/ 24)
قبل ان نتأمل في هذه الآية المباركة لننظر ماذا اعدت القوانين الارضية الوضعية لهذه المشكلة الاجتماعية والتي هي من صميم الحياة الإجتماعية حين ابتعدت عن قوانين السماء وقالت انا قادرة على ان اسس القوانين وأضع الحلول؟ لم تستطع القوانين الوضعية ان تلزم الأبناء باحتضان آبائهم ورعايتهم الرعاية الملائمة والمشرفة لهم، ومقابلة احسان الوالدين بالإحسان ، بل العكس لقد زادت الطين بلة كما يقال في المثل المشهور لقد اعدت دارا للمسنين والعجزة ليعيش فيها هؤلاء الآباء والأمهات عندما يتنكر لهم ابناءهم، ويجدون انفسهم وهم في هذه الحالة من كبر السن لا معين لهم، بل يعيشون في عزلة وكأنهم اقترفوا جريمة يحاسبهم عليها المجتمع فحكموا عليهم بالإقامة الجبرية. ولم تستطع القوانين الوضعية ان تلزم الأبناء ان يعاملوا آباءهم المعاملة الحسنة الطيبة وان يتكلموا مع الوالدين بالكلام الطيب الباعث على التقدير، ولم تضع جزاءً ولا عقاباً لمن يخالف هذا التشريع، فقط عالجت هذه المشكلة بأن بنت لهم دار المسنين والعجزة.
ينتقل الآباء والأمهات الى دار العجزة والمسنين بعد ان ضاقت بهم السبل وهو يرون العيش مع أبناءهم يهدر كرامتهم وعزتهم يذهبون للعيش في دار العجزة والمسنين وهم يتذكرون الأيام والليالي والسنين التانوا غير قادرين على الحياة الا في ظل رعايتهم وعنايتهم، ويوم جاء الدور على الأبناء تنكر الأبناء لآبائهم فإذا ظنوا أن قوانين الأرض لا تجازيهم على أفعالهم المشينة فان قوانين السماء لن تتركهم وما يعملون، بل اعدت عقاباً يتناسب مع افعالهم الرذيلة فقد ورد في الحديث أن العاق للوالدين لا يشم ريح الجنة وان ريحها يشم على مسير خمسمائة عام كناية عن عدم دخول الجنة .
فقوانين الارض بعيدة كل البعد عن صلاح الإنسان وكماله وإذا عالجت مشاكله فهي لا تكون شاملة ودقيقة بحيث تعالج جميع جوانب المشكلة، ومن أين لها ان تعالج جميع جوانب المشكلة وهي لا تؤمن الا بالمادة والحس والتجربة والإنسان يتركب من الجسد والروح والتجربة والحس غير كفيلة بحل جميع مشاكل الإنسان لان كثيراً من مشاكل الإنسان خارجة عن ميدان الحس والتجربة.
الآيتان الشريفتان عالجتا هذه المرحلة الحرجة من حياة الإنسان وهي مرحلة الكبر، وألزمت الأبناء باحترام وبر الوالدين اكثر من كل مرحلة من مراحل حياة الوالدين .
وتخصص حالة الكبير بالذكر لكونها أشق الحالات التي تمر على الوالدين فيحسان فيها بالحاجة الى اعانة الأولاد لهما وقيامهم بواجبات حياتهما التي يعجزان عن القيام بها وذلك من آمال الوالدين التي يأملانها من الأولاد حين يقومان بحضانتهم وتربيتهم في حال الصغر وفي وقت لا قدرة لهم على شيء من لوازم الحياة وواجباتها.
فالآية تدل على وجوب إكرامهما ورعاية الأدب التام في معاشرتهما ومحاورتهما في جميع الأوقات وخاصة في وقت يشتد حاجتهما الى ذلك وهو وقت بلوغ الكبر من احدهما أو كليهما عند الولد .
والآية تمنع من ان يقال لهما (اف) واف كلمة تفيد الضجر وعن الصادق (ع) قال : لو علم الله لفظة اوجز في ترك عقوق الوالدين من اف لأتى بها. وفي رواية اخرى عنه (ع) قال: ادنى العقوق اف ولو علم شيئاً ايسر منه واهون منه لنهى عنه، فالمعنى لا تؤذي الوالدين بقليل ولا كثير.
كما اشارة الآية الى عدم نهرهما أي ولا تزجرهما بالصياح ورفع الأصوات والاغلاظ في القول.
ثم اشارة الآية ( وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) أي وخاطبهما بقول رقيق لطيف حسن جميل بعيد عن اللغو والقبيح يكون فيه كرامة لهما.
ثم قالت الآية، (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) ، أي وبالغ في التواضع لهما قولاً وفعلاً براً بهما وشفقة عليهما والمراد بالذل اللين والتواضع فكأنه سبحانه قال ضم أبويك الى نفسك كما كانا يفعلان بك وانت صغير وقال الصادق (ع) : معناه لا تملأ عينيك من النظر اليهما الا برأفة ورحمة ولا ترفع صوتك فوق اصواتهما ولا يدك فوق ايديهما ولا تتقدم قدامهما .
ثم ذكرت الآية ( وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) الله سبحانه يوصي الأبناء بالدعاء للوالدين بالمغفرة والرحمة في حياتهما وبعد وفاتهما جزاء لتربيتهما هذا اذا كانا مؤمنين وبهذا المقطع يستدل المفسرون على دعاء الولد لوالده الميت مسموع والا لم يكن للأمر به معنى .







عبد الخالق الفلاح
منذ 1 يوم
من الذاكرة الرمضانية الكربلائية.. الجزء الاول
جيل التسعينات الشعري وصراع الأشكال
الحسين بين الأمس واليوم
EN