0

بمختلف الألوان
الضبابية، تراكم الاحداث الاقتصادية وغيرها، تدفع الناس الى دوامة القلق من المستقبل، اذ يعبر الكثير من الناس عن مستقبلهم بالوهمي او الكارثي وبعبارات يائسة أخرى، انهم يرون المستقبل من منظار الاحداث والمشاكل، وحين تسأل اي واحد من الشباب مثلاً سيقول: المستقبل بالنسبة لي شيء مجهول وخارج نطاق التفكير، ما... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
المرجعية العليا والدور التاريخي (الخوئي والسيستاني)

منذ 3 شهور
في 2026/07/12م
عدد المشاهدات :445
حينما تصاب الدولة بالصدمة أو تنهار مؤسساتها فجأة، تجد المرجعية الدينية في النجف الأشرف نفسها مدفوعة بمسؤوليتها الأبوية والأخلاقية للتدخل، لا رغبة في السلطة، بل لملء الفراغ وحماية الأرواح. هذا تماماً ما تجسد في محطتين تاريخيتين فارقتين، صاغتا تاريخ العراق الحديث... ان المتأمل في عمق الفكر السياسي والاجتماعي الشيعي يدرك أن المرجعية الدينية طالما تبنت منهجاً ينأى بنفسه عن التكالب على السلطة التنفيذية أو منافسة الحكام على كراسيهم، لكن هذا الانكفاء يزول تماماً ويتحول إلى تقدم شجاع نحو الصفوف الأمامية في لحظة واحدة: لحظة غياب الدولة وانكشاف ظهر الشعب.
في تلك الساعات الحرجة التي يفقد فيها القانون سطوته، وتذوب فيها الأجهزة الأمنية كالملح، وتصبح دماء الأبرياء وممتلكاتهم مستباحة تحت وطأة الفوضى أو الإرهاب، لا تعود المرجعية مجرد دار للفتيا والعبادات، بل تتحول إلى حبل النجاة الوحيد الذي يمسك بالبلاد قبل الهوية والانهيار التام.
ويتجلى هذا الإيثار والإنقاذ التاريخي في صورتين لا يمحوهما الزمن من ذاكرة العراق؛ الاول للمرجع الاعلى السيد الخوئي عام 1991, والثاني للمرجع الاعلى السيد السيستاني عام 2014.


· التدخل الأبوي للإمام الخوئي عام 1991
في آذار من عام 1991، وعقب هزيمة الجيش العراقي في حرب الخليج الثانية، اندلعت الثورة الشعبانية كبركان تفجر بعد عقود من الكبت، وعمّت الفوضى العارمة معظم مدن العراق، ولا سيما في الجنوب والفرات الأوسط والنجف الأشرف. اختفت السلطة المحلية تاركةً وراءها فراغاً مرعباً، لتجد المدن وسكانها أنفسهم وجهاً لوجه أمام خطر داهم تمثل في أعمال السلب والنهب (التي افتعلها البعثيون للإساءة للثورة) وحرق المؤسسات الحكومية.
وفي تلك اللحظة الحرجة والعصيبة من تاريخ العراق، لم يكن الإمام أبو القاسم الخوئي غائباً عن آلام شعبه ورعيته ولا معزولاً في محرابه، بل انتفض مدفوعاً بمسؤوليته الأخلاقية الكبرى رغم كبر سنه الذي شارف على التسعين ومرضه الشديد الذي كان ينهك جسده. وبدافع الغيرة والحرص الشديد على حقن دماء الناس، وصون أعراضهم، وحماية أموالهم من الضياع، أصدر بيانه التاريخي المدوي الذي قطع به دابر الانفلات، حين أمر بتشكيل لجنة عليا لإدارة شؤون البلاد وتسيير أمور العباد في المناطق الثائرة على النظام.
لقد تشكل هذا المجلس الإنقاذي من تسعة علماء بارزين من خيرة رجالات الحوزة العلمية، كان من بينهم نجله وموضع ثقته السيد محمد تقي الخوئي، حيث منحهم الإمام الصلاحيات الكاملة والمطلقة للتحرك الميداني السريع بهدف حفظ الأمن، وحقن الدماء المعصومة، ورعاية شؤون المواطنين اليومية، فضلاً عن إعادة تنظيم الحياة العامة وتوزيع المؤن والخدمات الأساسية على العوائل المحاصرة بالخوف والجوع.
ولم تكن هذه الخطوة سعياً وراء مغانم سياسية، بل كانت في جوهرها تجسيداً حياً لقيادة رشيدة وحكيمة لثورة شعبية عارمة كادت الفوضى والانفعالات العفوية أن تبتلع أهدافها النبيلة؛ حيث سعى السيد الخوئي بعمق استراتيجي إلى إضفاء غطاء شرعي ومنهج منضبط على الحراك الشعبي، ضامناً منع الانفلات السلوكي وموجهاً البوصلة نحو حماية الممتلكات العامة والخاصة من التدمير والعبث.
ورغم أن النظام الحاكم آنذاك عاد وبسط سيطرته على المدينة بالحديد والنار والبطش المفرط، واعتقل السيد الخوئي ونكل بالنجف الأشرف مستهدفاً رموزها، إلا أن ذلك المجلس وتلك التجربة الفريدة ظلا شاهدين حيين، وعلامة فارقة في التاريخ، تُثبت بيقين لا يقبل الشك قدرة المرجعية الدينية على قيادة المجتمع، ولم شتاته، وحمايته من التلاشي في أحلك الظروف السياسية وأشدها قساوة.


· كيف أحيت فتوى السيستاني جسد العراق المحتضر عام 2014؟
بعد مرور 23 عاماً على تلك الأحداث، وتحديداً في حزيران من عام 2014، دارت عجلة التاريخ ليتكرر مشهد انهيار الدولة في العراق، ولكن بصورة أكثر رعباً ودموية هذه المرة؛ حيث اجتاحت تنظيمات "داعش" الإرهابية مدينة الموصل وصلاح الدين وأجزاء واسعة من الأنبار وديالى في غضون أيام معدودة، وباتت قواتهم على مشارف العاصمة بغداد. وقد حدث هذا التمدد السريع وسط انهيار دراماتيكي وصادم للمنظومة العسكرية والأمنية الرسمية، التي تركت مواقعها في لحظة ذهول تاريخية، مما أدى إلى شيوع حالة عارمة من الرعب والإحباط بين صفوف المواطنين، وخيمت على العراقيين هواجس مظلمة بحرب أهلية طاحنة, وإبادات جماعية شاملة, تهدد كيان الدولة العراقية بالزوال والتمزق النهائي.
وفي تلك الساعات المصيرية التي كادت فيها البلاد أن تضيع، ومن جوار ضريح الإمام علي (ع) في النجف الأشرف، ومن ذات المنطلق الأبوي الراعى والمحب لكل العراقيين بمختلف أطيافهم، تدخّل الإمام علي السيستاني ليعيد ضبط بوصلة الأمة، فأطلق عبر منبر جمعة كربلاء فتواه التاريخية الشهيرة "بالدفاع الكفائي".
كانت كلمات الفتوى تهز الضمائر الحية وتخاطب الغيرة الوطنية، حين أعلن بوضوح وجلاء أن من يقتل في الدفاع عن بلده وأهله ومقدساته فهو شهيد، موجهاً نداءً هادراً إلى كل من يستطيع حمل السلاح من المواطنين للتطوع والالتحاق الفوري بصفوف القوات الأمنية لحماية الوطن.
ولم تكن هذه الفتوى مجرد نص ديني تقليدي يُتلى في المساجد، بل كانت بمثابة "هزة كهربائية" عنيفة ومباركة سرت في جسد الأمة المحتضر فأحيته من جديد؛ إذ تبدد الخوف وحل محله حماس منقطع النظير، فاندفعت جموع العراقيين بجميع أعمارهم، من الشباب اليافع إلى الشيوخ الطاعنين في السن، نحو معسكرات التدريب ومراكز التطوع تلبيةً لنداء المرجعية.
ولم تقتصر هذه الاستجابة المليونية العفوية على سد الفراغ الأمني والعسكري الحرج وتغطية العجز الناجم عن انهيار بعض القطعات العسكرية فحسب، بل إنها أحدثت تحولاً استراتيجياً ونفسياً هائلاً في جبهات القتال، حيث قلبت موازين القوى رأساً على عقب، محولةً حال الأمة من الانكسار والارتداد إلى الهجوم والمبادرة. وبفضل هذا الموقف، اجتمع شتات الوطن المنقسم تحت راية واحدة صلبة، لتنطلق إثر ذلك معارك التحرير الكبرى التي خاضها العراقيون ببسالة، وتوجت بالنصر المؤزر وتطهير كامل تراب الأرض من دنس الإرهاب، معيدةً للدولة العراقية هيبتها الضائعة، وللشعب ثقته المهتزة بنفسه وبمرجعيته الدينية التي أثبتت للأيام أنها كانت وما زالت صمام الأمان الحقيقي والملجأ الحصين وقت المحن والخطوب.


· ختاما: المرجعية الصالحة وراية النجاة
تُثبت القراءة المتأنية لمنعطفي عام 1991 وعام 2014 أن مرجعية النجف الأشرف لم تكن يوماً سلطة سياسية تبحث عن مكاسب أو جغرافيا نفوذ، بل هي قوة أخلاقية وروحية كبرى تتجاوز أبعاد الزمن والمكان.
إن التطابق الجوهري بين تدبير الإمام الخوئي لأزمة الثورة الشعبانية بـ "لجنة تسيير الأعمال"، وبين إطلاق الإمام السيستاني لفتوى "الدفاع الكفائي"، يعكس ثبات العقيدة الاستراتيجية للحوزة العلمية؛ عقيدة قوامها أن الأمة متى ما انكشف ظهرها وغابت دولتها، وجدت في النجف عيناً ساهرة تلُم الشتات وتحقن الدماء وتمنع التلاشي.
لقد رحل الإمام الخوئي بعد أن غرس في جسد الحوزة روح الصمود والمأسسة، وجاء الإمام السيستاني ليقود سفينة البلاد وسط أمواج الطائفية والإرهاب المتلاطمة، ليكتبا معاً فصلاً مشرقاً من فصول الحماية الأبوية للعراق.
إن هذا الإرث التاريخي الممتد لا يؤكد فحسب على حكمة شخوص المراجع، بل يرسخ حقيقة راسخة في وجدان العراقيين: أن الدولة مهما اعتراها من وهن أو أصابها من صدمات، ستبقى المرجعية الدينية العليا هي صمام الأمان الحقيقي، والملجأ الحصين الذي تنكسر عند عتباته المؤامرات، وتولد من عمق فتاواه ومواقفه ملامح النصر والحياة.

اعضاء معجبون بهذا

حيدر السلامي في ذكراه الأولى (عام على الرحيل... وذاكرة لا تغيب)
بقلم الكاتب : زيد علي كريم الكفلي
زيد علي كريم /الكفل تمر علينا هذه الأيام الذكرى الأولى على فقدان كنز عراقي غادرنا حيدر السلامي يوم 2 سبتمبر 2025 بعد معاناة طويلة مع المرض تاركا خلفه سيرة حافلة بالأبداع والعطاء. كان رحيله موجعا لأصدقائه ومحبيه وكل من عرفه، استعادوا في ذكراه الأولى ملامح شخصيته وقد كتب الأديب حيدر عاشور في رثائه: «عام مر... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....


منذ 5 ايام
2026/09/22
عندما نسمع كلمة القسطرة قد نعتقد أن الأمر يقتصر على فتح شريان مغلق، لكن الحقيقة أن...
منذ 1 اسبوع
2026/09/20
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وسبعة عشر: الهندسة غير الإقليدية: من سطح...
منذ 1 اسبوع
2026/09/20
مع حلول الثالث من الشهر الجاري (آب 2026)، يتجدد قلق الشارع العراقي وشريحة الموظفين...