لا يخلو الواقع من الاختلاف ، بل هو سنة قائمة منذ أن أوجد الله الوجود ، من المجرة وحتى الذرة ، لكن الانسان حين تدخل في هذا الموضوع أخذ يجعله سبباً للتنابز والتنافر والتباعد ، فلا تجد اليوم اختلافاً الا واصبح خلافاً ، فالفرق واضح بين الاختلاف والخلاف.
الاختلاف حالة طبيعية يبدأ من الذوق والاحساس والتعبير الى القضايا الفكرية والثقافية وربما في الاشياء المصيرية ايضاً ، حتى اننا نجد بعض الناس يختلفون في الصوت والكلام والتعبير واللون والصورة والمنظر والحركة لكنهم يتعايشون فيما بينهم دون مشاكل من هذه الناحية الا في التمايز العنصري كما حصل في امريكا وفرنسا بين اللون الابيض والاسود ، او كما يحصل في عند العرب والكرد والعجم.
أن هذه الاختلافات طبيعية وربما صناعية ، وعلى كلا التقديرين لا ضرر فيهما بما هما اختلاف.
أن بعض الناس يمتلكون قدرة عالية على صناعة الخلاف من الاختلاف ، وربما لديهم قدرة خيالية في صنع التمايز الوهمي والمشاكل ، كما يحصل في التميز بين الريفي والمتحضر والابيض والاسود وهكذا.
أظن ان هذا الاختلاف مقصود ومطلوب في آن واحد ، فلا تشابه في هذه الحياة ، ان الله عز وجل خلقها على تنوع واختلاف ، لكن الناس تفهم ان الاختلاف خلاف.
ان الانسان العاقل يعرف معنى الاختلاف في الوجود ويميزه عن الخلاف ولا يجعله طريقاً للصراع ، بيدَ أن الضعيف يجده طريقاً سهلاً للوصول الى التعنصر والتحزب والتمايز.
ان الكثير منا يظن أن التميز هو من يجعله أفضل من الاخرين ، فتميزه بالولادة له أفضلية على غيره ، واختلاف الطبيب عن المدرس يظن الناس أنه اختلاف تميز يحصل بسببه الطبيب على المكانة بين الناس وتلك نظرية اجتماعية قاتلة تسلطت ولا يمكن أن نتخلص منها بسهولة ، ويغفلون عن حقيقة هامة هي ان مجرد التعنون بعنوان لا يعني الحيازة عليه ومن ثم الوصول للأفضلية.
لقد أشار القرآن أن التمايز الحقيقي ينطلق من مبدأ تكاملي هو الوصول الى التعقل والحكمة والخلق والايمان أختصرها في حقيقة التقوى، فحصر أن الافضلية ليست بالاختلاف والتعنون بعناوين مغروسة في أذهان الناس ، انما التميز والافضلية لا يقع الا في حقيقة وجودية وليست صفة طبيعية او ملكة اعتيادية ، لان مبدأ التقوى ينبع من صلة عميقة بين الانسان وفهمه للحياة ، واعتقد ان التمايز الحقيقي ينطلق من هذه الحقيقة ، ولذا نجد القرآن ضرب التمايز باللون والغنى والفقر وغيرها وشدد على التقوى.
اذن يمكننا أن ننطلق من الحقيقة القرآنية في التمايز بين الناس ، وان الاختلاف نقطة تواصل لا نقطة افتراق ، فالعاقل من يتميز عن غيره بصفة مشتركة لا بصفة مفارقة ، فالطبيب صفة مفترقة والمهندس والشاعر والكاتب والمتكلم والخطيب والاستاذ كذلك ، بيدَ أن الصفة المتشابهة هي الخلق الرفيع ، لان الخلق صفة مشتركة مطلوبة من الجميع دون بقية الصفات المهنية او الحياتية.







عبد الخالق الفلاح
منذ 1 يوم
قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
لمحات من خطة طريق بناء الدولة كما بينها الامام علي (ع)
المكونات العراقية وإشكالية المصطلح
EN