دور ترشيد الانفاق العام في تحقيق الاستدامة المالية
المؤلف:
رواء كاطع مسعد عبد الرضا
المصدر:
الإشكالات التشريعية للحساب الختامي وأثرها في تحقيق الاستدامة المالية
الجزء والصفحة:
ص 235-240
2026-06-08
60
إن سياسة ترشيد الانفاق العام تبنتها معظم دول العالم، وتسعى هذه السياسة المالية الى محاربة تبذير المال العام وترشيده والعمل على توزيع الموارد المالية المتاحة على أوجه الانفاق المختلفة بصورة متساوية ينتفع بها الافراد جمعيهم، مع تحقيق أكبر فائدة ممكنة من تلك الموارد المالية (1) وعُرف مفهوم ترشيد الانفاق العام : بأن تحقق الدولة أهدافها المحددة من صرف النفقات العامة على أحسن وجه ممكن، والابتعاد عن إساءة استعمالها أو تبذيرها أو استخدامها في غير أغراض المنفعة العامة (2) ، وكما يقصد به أيضاً هو أن يتم توجيه الانفاق العام الحكومي توجيهاً سليماً يُنئى به عن الهدر والتبذير في المال العام وصرف النفقة لغرض المنفعة العامة (3) وتحقيق النفع العام يعد العنصر الثالث من عناصر النفقة العامة (4) إذ يقع عائق على الدولة أو أحد اشخاص القانون العام اشباع الحاجات العامة والمبرر الرئيس لصرف النفقة وتحقيق النفع العام هو (مبدأ مساواة الافراد في تحمل الأعباء العامة ) ولاسيما تحملهم العبء الضريبي مما يُحتم تساويهم في الانتفاع بالنفقات العامة (5) وان تصلُ النفقات العامة عند صرفها الى مستوى معين وهو ما يعرف بـ (مبدأ الحجم الأمثل للنفقات العامة )ويتأثر بعدة قيود والتي ينبغي ان تلتزم وحدات الانفاق الحكومي بها وعدم مخالفتها، والقيود هي:
أولاً. قيد المنفعة القصوى للنفقة العامة: إن هذا القيد يوجه وحدات الانفاق الحكومي نفقاتها على اشباع الحاجات العامة وفق مبدأ الأهمية النسبية، أي تحديد أولويات الانفاق العام (6) على وفق هذا المبدأ إعطاء الأولوية للنفقات الاستثمارية من أجل زيادة حجم الاستثمارات وتكوين رأس المال، إذ يترتب على إنفاقها زيادة في النمو الاقتصادي وترتبط بمدة زمنية محددة وهي مرحلة تشييد المرافق العامة، فتنفيذ المشاريع الاستثمارية يتيح تحقيق خطط التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومع تطور النشاط الاقتصادي للدولة تصبح النفقات الاستثمارية نفقات منتجة(7) على خلاف النفقات الجارية (التشغيلية) هي نفقات ضرورية لتشغيل المرافق العامة ولا يترتب على إنفاقها زيادة في النمو الاقتصادي، وسُميت بالجارية لانه يتم صرفها بصورة متكررة ودورية من سنة مالية لأخرى وتشمل( الرواتب والأجور، المستلزمات الخدمية المستلزمات السعلية)(8)، إذ تضمن المنهاج الوزاري على إعادة هيكلة الموازنة العامة وإدارة المال العام لتقليل ضغط الانفاق الاستهلاكي لصالح مناصرة المشاريع والبرامج الخاصة بالتنمية المستدامة....(9).
أما إنفاق الدولة على التعليم والصحة والثقافة العامة والتضامن الاجتماعي والتي تسمى (بالنفقات الاجتماعية ) تؤدي الى زيادة القدرة الإنتاجية للافراد، وزيادة دخولهم، وتحسين مستوى المعيشي لهم، مما يؤدي الى تخصيص نسبة من دخولهم للادخار وتوجيهها نحو الاستثمار، ومن ثم زيادة الطاقة الإنتاجية للمجتمع ككل(10).
ثانياً. قيد الاقتصاد والتدبير في الانفاق الحكومي: يقصد به أن تلتزم وحدات الانفاق الحكومي عند قيامهم بعملية الانفاق تجنب مظاهر الاسراف والتبذير على النحو يكفل عدم صرف الأموال العامة على نفقات غير مجدية (11) ، كما يقصد به الاستخدام الأمثل والعقلاني للنفقة العامة ولا يقصد به الامتناع عن (الانفاق إنما يقصد به استخدام أقل نفقة ممكنة لتحقيق أعلى منفعة ممكنة، وحسن تدبير في النفقة العامة، ومحاربة الاسراف والتبذير لمبالغ مالية وإنفاقها في وجوه مجدیه (12) وينبغي التفريق بين التقتير والترشيد ( فالتقتير) : يقصد به الشح في الانفاق العام وهو أمر غير محمود ومذموم، أما الترشيد يقصد به تحقيق أكبر منفعة اجتماعية بأقل تكاليف، وهذا الأمر يتطلب وجود حساب ختامي تمتد رقابته الى كُل بند من بنود النفقات العامة(13). أما الأثر القانوني المترتب في عملية الاسراف والتبذير في المال العام فتؤدي الى اضعاف ثقة الافراد في الإدارة المالية العامة للدولة، ويبرر للمكلفين التهرب من دفع الضريبة(14).
ثالثاً. قيد الموافقة المسبقة من مجلس النواب العراقي على النفقة العامة: يقصد به ان تلتزم وحدات الانفاق الحكومي بأن لا تصرف أي مبلغ من النفقة العامة أو أن يحصل الارتباط بصرفها الا بعد موافقة مجلس النواب العراقي على قانون الموازنة ضمن حدود إختصاصه المكاني والزماني، ويعد هذا القيد الفارق الجوهري بين الانفاق العام والخاص، وخاصة أن مبالغ الانفاق العام هي مبالغ ضخمة ومخصصة لإشباع الحاجات العامة للافراد (15)، أما في حالة تأخر إقرار الموازنة العامة فيقوم وزير المالية بأصدار إعمام بالصرف بنسبة (1/12) فما دون من اجمالي المصروفات الفعلية للنفقات الجارية للسنة المالية السابقة بعد إستبعاد المصروفات غير المتكررة (16)، فمن عيوب الموازنة الشهرية يكون الصرف من اجمالي المصروفات الفعلية للسنة السابقة، وهذا يُخالف قاعدة تخصيص الاعتمادات والتي يُراد بها لا يجوز صرف النفقات اجمالياً بل ينبغي أن يُخصص مبلغ معين لكل وجه من أوجه الانفاق ويجعل السلطة التنفيذية مقيدة في الانفاق من دون تجاوزها (17) ، ومن ثم فإن الأثر المالي المترتب على الصرف بطريقة الموازنة الشهرية يؤدي الى زيادة في حجم الانفاق العام، فمن التطبيقات العملية في ذلك أصدرت في السنة المالية 2022 قانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية إذ نصت في الاسباب الموجبة له على".. تعظيم استفادة العراقيين من موارد الدولة ودفع عجلة التنمية واستئناف العمل بالمشروعات المتوقفة والمتلكئة بسبب عدم التمويل والسير بالمشروعات الجديدة ذات الاهمية (18)، فأن عدم إقرار الموازنة العامة قد أثر في تحقيق الأمن الغذائي نتيجة وقوع حرب بين روسيا واكرانيا، إذ إن صرف اقیام سلع مفردات البطاقة التموينية التي تشتريها الادارة المالية لإشباع الحاجات العامة تعد صورة من صور النفقات العامة، إذ قدمت اللجنة المالية البرلمانية مشروع قانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي وتم التصويت عليه من لدن مجلس النواب العراقي ونشره في الجريدة الرسمية الذي تضمن في الاسباب الموجبة بغية تحقيق الأمن الغذائي وتخفيف حدة الفقر وتحقيق الاستقرار المالي في ظل تطورات العالمية الطارئة والاستمرار بتقديم الخدمات للمواطنين والارتقاء بالمستوى المعيشي لهم بعد انتهاء نفاذ الموازنة... (19) ، ولدينا بشأن هذا القانون الملاحظ الآتية :-
1. عدم دستورية القانون، استناداً لقرار المحكمة الاتحادية العليا الذي تضمن ان مجلس النواب العراقي لا يحق له تقديم مقترح قانون ذو جنبة مالية، إذ تم وضع شروط لممارسة صلاحيته في تقديم مقترحات القوانين من دون الرجوع الى السلطة التنفيذية وهذه الشروط (عدم المساس بالالتزامات المالية للسلطة التنفيذية ان لا يتعارض المقترح مع منهاج الوزاري، ان لا يمس المقترح استقلال السلطة القضائية) (20) ، ومن ثم فإن قيام مجلس النواب العراقي بأصداره كقانون غير دستوري يعد مثلبة تشريعية في وحدة النظام القانوني للدولة واستقراره.
2. إن القانون جاء بعنوان الامن الغذائي لمواجهة الأوضاع الطارئة، الا أن مجموع ما خصص لوزارة التجارة لتحسين وشراء مفردات البطاقة التموينية وشراء محصول الحنطة المحلية بلغ (خمسة تريليون دينار ) (21) أي لا يتعدى 30% .
3. أشار القانون الى الصرف استثناء من أحكام المادة (13/ اولا) من قانون الادارة المالية الاتحادية المعدل (22) ويتضح لنا أن الأثر المالي للموازنة الشهرية عند غياب الموازنة العامة أصبحت غير قادرة على تلبية النفقات العامة وقت الأوضاع الطارئة، ولاسيما فيما يتعلق بتحقيق الامن الغذائي.
4. إن قانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية لا يعد قانوناً بديلاً عن الموازنة العامة ولا يعد معالجة تشريعية ناجعة في حالة غياب الموازنة كونه لا يعالج ألابواب والبنود جميعها التي تتضمنها الموازنة العامة.
رابعاً. قيد العدالة في توزيع الانفاق الحكومي: يقصد به أن لا يقتصر النفع العام على طبقة أو فئة معينة إنما يشمل المناطق والافراد كافة، وانه يقوم على أساس فكرتين: (الأولى) ان وحدات الانفاق الحكومي وجدت لمصلحة المجتمع ككل وليس لفئة أو فرد معين. أما (الثانية) فإن الانفاق العام يتحمله الافراد كافة استناداً لمبدأ مساواة الافراد في تحمل الأعباء العامة وتطبيقاً لمفهوم التضامن الاجتماعي (23)، ويكون للمحاكم الدستورية الحق في فحص مدى دستورية عدالة النفقة العامة والحكم بعدم دستورية إعتماد معين ومن ثم تمتنع الإدارة المالية تنفيذه (24) والاساس الدستوري لولاية المحكمة الاتحادية العليا بالنظر بعدالة الانفاق الحكومي نجده في الدستور العراقي أشار اليه بصورة ضمنية عندما تطرق الى ( العدالة في توزيع الواردات المالية) بالنص على ضمان الشفافية والعدالة عند تخصيص الأموال لحكومات الأقاليم او المحافظات غير المنتظمة في إقليم وفقاً للنسب المقررة (25)، وأيضاً نص على ... ان توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع انحاء البلاد ...(26) ، وقد صدر قانون التعداد السكاني في سنة 2008(27) الا أنه كان معطلاً ولم يتم تنفيذه الا في سنة 2024 ، وترى الباحثة ان تأخر إجراء التعداد السكاني طوال تلك المدة مخالف لمبدأ التوزيع العادل للموازنة العامة على سكان، كما له دور سلبي في تأخر عملية التنمية والاستثمار والتخطيط الاقتصادي للأجيال الحالية والقادمة، مما يجعل السياسة المالية في العراق في تلك المدة لا تتميز بالرشادة في الانفاق. نستنتج مما تقدم، أن تحول دور الدولة من دولة حارسة الى متدخلة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية الى دولة منتجة تمتلك عناصر الإنتاج، فأدى ذلك الى الزيادة في الانفاق العام، وفي المقابل يعد ترشيد الانفاق الحكومي آلية من آليات تحقيق الاستدامة المالية العامة والتي تظهر بعد ذلك في الحساب الختامي عن مدى الالتزام وحدات الانفاق الحكومي بقيود ترشيد الانفاق العام عند ختام السنة المالية.
_________
1- ينظر: : د. محمد شاكر عصفور أصول الموازنة العامة، ط3، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة، عمان، 2011، ص 365.
2- ينظر: د منصور میلاد یونس، مبادئ المالية العامة بلا ذكر دار ومكان النشر 2004 ، ص53.
3- ينظر: د. سمير صلاح الدين حمدي المالية العامة، ط1، منشورات زين الحقوقية، بيروت، 2015، ص 81
4- النفقة العامة هي مبلغ من النقود يقوم بصرفه احد اشخاص القانون العام بقصد تحقيق نفع عام، فعناصر النفقة العامة تتمثل بما يلي: (العنصر الأول) بانها مبلغ من النقود (العنصرالثاني) يتم صرفها شخص معنوي عام (العنصر الثالث) النفقة العامة يقصد بها النفع العام للمزيد من التفاصيل يراجع د. عمار فوزي كاظم المياحي ود. ليلى فوزي احمد جعفر، المالية العامة والتشريع الضريبي، ط1، المركز العربي للنشر، مصر، 2020 ، ص 70-75
5- ينظر : د. عوض فاضل إسماعيل، نظرية الانفاق الحكومي دراسة في جوانبه القانونية والمالية والاقتصادية) بغداد، 2002، ص 20-21، وينظر : د. احمد خلف حسين الدخيل المالية العامة من منظور قانوني، ط1، مطبعة جامعة تكريت، 2013 ، ص 15.
6- ينظر : د. الد شحاذة الخطيب ود. احمد زهير شامية أمس المالية العامة، ط3، بلا دار ومكان النشر ، 2007 ص 61.
7-ينظر : د. محمد سعيد ،فرهود علم المالية العامة ( مع دراسات تطبيقية من المملكة العربية السعودية)، بلا ذكر طبعة ودار للنشر، الرياض، 1402هـ / 1043هـ ، ص 68.
8- ينظر : د. عبد المطلب عبد الحميد اقتصاديات المالية العامة بلا طبعة بلا ذكر دار وزمان ومكان النشر ، ص192.
9- المادة (1) من المحور ثاني عشر : القطاع المالي والمصرفي من المنهاج الوزاري المقدم من رئيس مجلس الوزراء - المكلف، تشرين الأول ،2022، منشور على الموقع الرسمي الالكتروني للامانة العامة لمجلس الوزراء https://www.cabinet.iq/ar، تاریخ زيارة الموقع 2025/2/7.
10- ينظر: د. خديجة الاعسر، اقتصاديات المالية العامة، بدون طبعة ودار للنشر، القاهرة، 2016، ص 97- 98
11- :ينظر : د. مجدي شهاب أصول الاقتصاد العام المالية العامة، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية ،2004 ص228.
12- ينظر : د. عوض فاضل إسماعيل، نظرية الانفاق الحكومي دراسة في جوانبه القانونية والمالية والاقتصادية) بغداد، 2002 ص 39 ، وينظر : د. عمار فوزي كاظم المياحي ود. ليلى فوزي احمد جعفر، المالية العامة والتشريع الضريبي، ط1، المركز العربي للنشر، مصر، 2020، ص77-78.
13- ينظر : د. خالد شحاذة الخطيب ود. احمد زهير شامية أمس المالية العامة، ط3، بلا دار ومكان النشر ، 2007 ، ص 63.
14- ينظر : د. عمار فوزي كاظم المياحي ود ليلى فوزي احمد جعفر، المصدر السابق، ص77-78.
15- ينظر: د. عوض فاضل إسماعيل، مصدر سابق، ص 43 ، وينظر : د. خالد شحادة الخطيب ود. احمد زهير شامية، المصدر السابق، ص 63-64.
16- المادة (13/اولا) من قانون الادارة المالية الاتحادية رقم (6) لسنة 2019 المعدل.
17- ينظر: د. رائد ناجي احمد علم المالية العامة والتشريع المالي في العراق، ط3 ، مكتبة السنهوري، بيروت، 2018 ص 141.
18- ينظر: الاسباب الموجبة لقانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية رقم (2) لسنة 2022.
19 - المصدر نفسه.
20- قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم (21) اتحادية / 2015) وموحدتها (29/ اتحادية / 2015) في 2015/4/14، سبق ذكره.
21- ينظر جدول (أ) من قانون الدعم الطارئ للأمن الغذائي والتنمية رقم (2) لسنة 2022
22- المادة (4) من القانون نفسه.
23- ينظر : د. رائد ناجي احمد ، مصدر سابق، ص23.
24- ينظر : د. عوض فاضل إسماعيل، مصدر سابق، ص 21.
25- المادة (106 ثالثاً) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005.
26- المادة (112/اولاً) من الدستور نفسه.
27- قانون التعداد العام للسكان والمساكن رقم (40) لسـ السنة 2008، منشور في جريدة الوقائع العراقية بالعدد (4095) في 2008/11/3.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة