حجية الحكم الصادر بعدم دستورية المصادقة على الحساب الختامي
المؤلف:
رواء كاطع مسعد عبد الرضا
المصدر:
الإشكالات التشريعية للحساب الختامي وأثرها في تحقيق الاستدامة المالية
الجزء والصفحة:
ص 206-208
2026-06-08
122
إن الدستور العراقي نص على ان قرارات المحكمة الاتحادية العليا باتة وملزمة للسلطات كافة (1)، يلاحظ من النص انه تم توصيف قرارات المحكمة الاتحادية العليا بوصفين بانها (باتة) و (ملزمة) فيقصد بالبتات :أي: لا يجوز الطعن به مرة أخرى أمام المحكمة الاتحادية العليا، كما لا يجوز الطعن به أمام أي محكمة أخرى (2) ، ومن ثم فأن التقاضي يكون بدرجة واحدة أمام المحكمة الاتحادية العليا مما يؤدي الى تصفية النزاع حول مدى دستورية النص المطعون فيه أمامها بصفة نهائية، إذ لا يسمح بأثارة عدم دستوريته من جديد مستقبلاً(3)، أي: إن قرارات المحكمة الاتحادية العليا تتمتع بقوة الأمر المقضي به (قوة الشيء المحكوم به ).
أما الالزام فيقصد به نفاذ قرار المحكمة الاتحادية العليا بحق السلطات العامة(4)، أي: السلطات العامة في الدولة فقط وليس للكافة سواء أكان الغير شخصاً طبيعياً أو معنوياً، فمن المفترض أن ألزامية هذه الاحكام لا تقتصر على سلطات الدولة فقط، إنما تشمل الكل أفراداً أو مؤسسات سواء أكانوا خصوماً في الدعوى الدستورية، أم لا(5).
وبالرجوع الى النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا (الملغى) نص على قرارات المحكمة باتة وملزمة للسلطات والاشخاص كافة...(6) وتجد الباحثة أن هذا النص قد عالج القصور التشريعي الا أنه غير دستوري، إذ لا يجوز للمشرع العادي أن يزيد حكماً جديداً في النظام الداخلي لا وجود له في الدستور، لانه يضع نفسه محل المشرع الدستوري، بينما النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا الجديد رقم (1) لسنة 2025 جاء خالياً من هذا النص، لذا تهيب الباحثة بالمشرع الدستوري العراقي بضرورة تعديل نص المادة (94) من الدستور بجعل أحكام المحكمة الاتحادية العليا ملزمة للسلطات العامة، والكافة.
واستناداً الى ماتقدم أجمع فقه القانون الدستوري العراقي على أن قرارات المحكمة الاتحادية العليا تمتع بالحجية المطلقة (7) ، الا أنهم أختلفوا حول الاحكام الصادرة برفض الدعوى الدستورية من الناحية الشكلية الى رأين :-
الرأي الأول. إن الحكم رفض الدعوى الدستورية من الناحية الشكلية يتمتع بالحجية النسبية فيما فصلت به، كون المحكمة لم تقرر أو تبحث في دستورية النص التشريعي المطعون أمامها(8)، فمتى ما أصدرت المحكمة الاتحادية العليا برفض الدعوى لعدم توافر الصفة، أو المصلحة في الدعوى فيقتصر حكم الرفض على أطراف الدعوى فقط، ومتى ما توافرت شروط الدعوى فيهم إذ لا يمنع ذلك من إثارة هذه المسألة مرة أخرى (9) . أما الحكم برفض الدعوى الدستورية موضوعاً، فأن الحكم الدستوري يتمتع بالحجية المطلقة، أي لا يجوز إعادة الطعن فيه مرة أخرى (10)، كون المحكمة نظرت في دستورية النص التشريعي المطعون أمامها.
الرأي الثاني. إن الحكم رفض الدعوى الدستورية من الناحية الشكلية، والموضوعية يتمتع بالحجية المطلقة، وذلك لأن النص الدستوري جاء بصورة مطلقة، والمطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد نص يقيده (11).
بيد أن المحكمة الاتحادية العليا أتجهت مع الرأي الأول، فمن التطبيقات القضائية في ذلك قرارها رقم (13/ اتحادية /2023 ) في 2023/3/14 بناءً على الطعن المقدم من لدن سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ضد رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء بشأن الاجراءات المتخذة من لدنهم بشأن الحسابات الختامية للدولة، إذ طلب في الطعن المقدم من لدنه الزام مجلس النواب بعدم تشريع قانون الموازنة الاتحادية ما لم يتم تقديم الحسابات الختامية للدولة للسنة السابقة، وردت المحكمة الدعوى الدستورية من الناحية الشكلية اذ جاء في قرارها "... خصومة المدعي اضافة لوظيفته غير متوجهة في الدعوى واذا كانت الخصومة غير متوجهة في الدعوى تحكم المحكمة من تلقاء نفسها بردها من دون الدخول في اساسها..."، وعلى أثر ذلك أعيد رفع الدعوى الدستورية لكن بصفته فرد وليس بصفته سكرتير الحزب الشيوعي وعن الموضوع نفسه، واصدرت المحكمة قرارها رقم ( 190 / اتحادية / 2023) في 2023/11/12 والذي قضت فيه .... ان المحكمة لا تجد أي سند دستوري او قانوني للحكم بالزام مجلس النواب بعدم تشريع قانون الموازنة العامة ما لم يتم تقديم الحسابات الختامية للسنة السابقة معها..... نستنتج مما تقدم أن قرارات المحكمة الاتحادية العليا تؤدي الى تصفية النزاع بعدم الدستورية بصفة نهائية، كما أن قراراتها تتمتع بالحجية المطلقة ما عدا قراراتها الصادرة برفض الدعوى من الناحية الشكلية، فأنها تتمتع بالحجية النسبية، وبإمكان أصحاب الدعوى رفعها من جديد متى ما تحققت شروطها، كما أن قراراتها ملزمة للسلطات جميعها سواء إتحادية أم اقليمية أم محلية وملزمة للكافة سواء أكان شخص طبيعي أم معنوي خصم في الدعوى الدستورية أم لا.
____________
1- المادة (94) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005.
2- ينظر : د. علي هادي عطية الهلالي الوجيز في القضاء الدستوري ( وتطبيقاته في قرارات المحكمة الاتحادية العليا والمحكمة الدستورية العليا)، ط1 ، دار المسلة للطباعة والنشر والتوزيع، بغداد، 2023 ، ص 128، وينظر : د. مها بهجت يونس الحكم بعدم دستورية نص تشريعي ودوره في تعزيز دولة القانون، ط1، منشورات بيت الحكمة ، بغداد، 2009، ص133.
3- ينظر: د. مها بهجت يونس المحكمة الاتحادية العليا واختصاصاتها بالرقابة على دستورية القوانين منشورات بيت الحكمة بغداد، 2008 ، ص 36.
4- ينظر : د. علي هادي عطية الهلالي الوجيز في القضاء الدستوري ( وتطبيقاته في قرارات المحكمة الاتحادية العليا والمحكمة الدستورية العليا)، ط1 ، دار المسلة للطباعة والنشر والتوزيع، بغداد، 2023، ص 128.
5- ينظر: د.مها بهجت يونس المحكمة الاتحادية العليا واختصاصها بالرقابة على دستورية القوانين، المصدر السابق، ص 37-38
6- المادة (36) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم (1) لسنة 2022 (الملغى).
7- ان الطعن أمام القضاء الدستوري ينظر بدرجة واحدة لان الحكم التي تصدره المحكمة الاتحادية العليا يعد باتاً وملزماً، في حين ان صدور الحكم من القضاء الاداري يمنح الفرصة لاستئنافه أمام المحكمة الادارية العليا ومن ثم يتم التقاضي على درجتين كما ان القضاء الدستوري لا يملك إختصاص الحكم بالتعويض عن الاضرار الناشئة عن تطبيق القانون أو النظام أو القرار أو الاجراء الاتحادي غير الدستوري، في حين الطعن بالقرار غير الدستوري أمام القضاء الاداري فأن بإمكان المتضرر أن يطالب بالتعويض عن الأضرار المتولدة عنه، ينظر: د. غازي فيصل مهدي، مصدر سابق، ص 70-76
8- ينظر : د. علي هادي عطية الهلالي الوجيز في القضاء الدستوري، مصدر سابق، ص33.
9- ينظر : د. صبري محمد السنوسي محمد، آثار الحكم بعدم الدستورية (دراسة مقارنة)، دار النهضة العربية، القاهرة، 2000، ص82.
10- ينظر: د.مها بهجت يونس المحكمة الاتحادية العليا واختصاصها بالرقابة على دستورية القوانين، مصدر سابق، ص38-39.
11- ينظر: د. مصدق عادل طالب القضاء الدستوري في العراق، دار السنهوري، بيروت، 2015، ص53.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون المالي
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة