المستقر عليه أن حرية ونزاهة العملية الانتخابية تقتضي القيام بوضع ضوابط تشريعية لتنظيم عملية الدعاية الانتخابية يراعى فيها منح كافة المرشحين فرص متساوية للتعبير عن آرائهم وأفكارهم واتجاهاتهم وبرامجهم وعلى نحو يكفل اتصالها بالرأي العام وهيئة الناخبين ، لذلك اهتمت دول العالم بإصدار التشريعات الخاصة بالحملات والدعاية الانتخابية(1) .
وتعتبر فرنسا من أكثر الدول دقة في التنظيم القانوني لأعمال الدعاية الانتخابية، فقد اصدر المشرع الفرنسي العديد من القوانين التي نظمت استعمال الوسائل الدعائية , سواء بالنسبة لانتخابات الرئاسة أو انتخابات الجمعية الوطنية ، فقد نظمت الوسائل الدعائية الخاصة بانتخابات الجمعية الوطنية , بقانون 20 مارس 1914 ، وقانون 17 أغسطس 1945 ، وقانون 25 أكتوبر 1946 ، وكذلك قانون 13 أكتوبر لسنة 1958 , والمواد (32 – 35) من قانون الانتخابات , وقانون 29 ديسمبر 1966(2).
أما في مصر فان المادة (11) من القانون رقم (38) لسنة 1972 تنص على أن " تلتزم الأحزاب السياسية وكل مرشح لعضوية مجلس الشعب في الدعاية الانتخابية بالمبادئ التي وافق عليها الشعب في الاستفتاء بتاريخ 20 من أبريل 1979 وكذلك بالمبادئ المنصوص عليها في المادة (1) من القانون رقم (33) لسنة 1978 بشأن حماية الجبهة الداخلية والسلام الاجتماعي(3) ، وكذلك بالوسائل والأساليب المنظمة للدعاية الانتخابية وبالحد الأقصى للمبالغ التي يجوز إنفاقها عليها وذلك كله طبقاً للقواعد التي يصدر بها قرار من وزير الداخلية " ، وتطبيقاً للنصوص السابقة صدر قرار وزير الداخلية رقم (279) لعام 1984 والقرار رقم (6427) لسنة 1990 بشأن تنظيم الدعاية الانتخابية ، أما فيما يتعلق باستخدام الوسائل الإذاعية المرئية والمسموعة في الدعاية الانتخابية , فقد صدر القانون رقم (13) لسنة 1979 الخاص باتحاد الإذاعة والتليفزيون , والذي نص على تنظيم هذا الاستخدام بموجب الفقرة (7) من المادة (2) من القانون(4).
أما في العراق فقد نص قانون الانتخاب رقم (16) لسنة 2005 ، وفي الفصل الخامس منه على أهم المبادئ المتعلقة بالحملات الانتخابية ، بالإضافة إلى ما نصت عليه قواعد التغطية الإعلامية الصادرة عن ( الهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام ) .
سنتناول في هذا الموضوع ثلاثة فروع ، نتناول في الأول منها التنظيم القانوني الخاص باللجان الرسمية الخاصة بالدعاية ، أما الفرع الثاني فقد خصص للبحث في مدة الحملة الانتخابية ، أما محظورات الدعاية الانتخابية فقد خصصنا له الفرع الثالث .
الفرع الأول
وجود لجان رسمية خاصة بالدعاية
تتولى عملية الإشراف والتنظيم والمراقبة للدعاية الانتخابية في العديد من الدول لجان رسمية تشكل لهذا الغرض بالذات ، وتختلف هذه اللجان في تشكيلاتها ومدى استقلاليتها عن الحكومة وذلك من دولة لأخرى .
ففي فرنسا تتولى عملية الرقابة والإشراف على الدعاية الانتخابية في عموم الدولة ، لجنة سميت ( اللجنة العليا للاتصالات السمعية والبصرية ) ، أسست بمقتضى قانون 30 ديسمبر سنة 1986 ، وذلك " للسهر على احترام التعبير المتعدد عن الأفكار والآراء في البرامج التي تصدر عن المؤسسات الوطنية للإعلام وخاصة في شأن برامج الإعلام السياسي "(5) ، وتعد هذه اللجنة بحسب نص المادة (4) من ذات القانون ( لجنة إدارية مستقلة ) ، وتتكون هذه اللجنة من عدد من الأعضاء ، بينهم ثلاثة بقوة القانون وهم ، نائب رئيس مجلس الدولة ( رئيساً ) ، الرئيس الأول لمحكمة النقض والرئيس الأول لمحكمة المحاسبات ، ويقوم هؤلاء بتعيين العضوين الرابع والخامس من بين أعضاء مجلس الدولة ومحكمة النقض ومحكمة المحاسبات ، وتختص اللجنة على وجه الخصوص بما يتعلق بالإرسال الإذاعي والتلفزيوني المخصص للدعاية الانتخابية(6) .
أما في مصر فقد صدر بخصوص تنظيم الدعاية عن طريق الإذاعة والتلفزيون ، القانون رقم (62) لسنة 1970 ثم القانون رقم (71) لسنة 1971 ثم القانون رقم (13) لسنة 1979 والذي نص في مادته الثانية على ان اتحاد الإذاعة والتلفزيون يهدف إلى تحقيق رسالة الإعلام الإذاعي المسموع والمرئي سياسة وتخطيطا وتنفيذا ، كما نص في الفقرة السابعة من المادة (2) من القانون بان الاتحاد يلتزم بتخصيص جانب من وقت الإرسال الإذاعي والتلفزيوني للأحزاب السياسية أبان الانتخابات لشرح برامجها للشعب(7)
أما في العراق فقد نصت المادة (2) من القسم السابع من الأمر رقم (92) ، على ان مجلس المفوضين يتمتع بصلاحية حصرية لحل المنازعات التي تنشأ عن الإعداد للانتخابات ، وعليه ـ أي المجلس ـ ان ينشر الإجراءات الضرورية لحل هذه المنازعات ، كما نص القانون رقم (16) لسنة 2005 ( والذي تضمن فصلا كاملا ـ هو الفصل الخامس ـ عن الحملة الانتخابية ) على ان للمفوضية العليا للانتخابات في العراق صلاحية إصدار الأنظمة والتعليمات اللازمة لتنفيذ القانون ، وبذلك تكون المفوضية هي الجهة الرئيسية التي تقوم بالإشراف على الحملات الانتخابية في البلد ، وفعلا أصدرت المفوضية نظامان بخصوص ذلك ، الأول رقم (9) لسنة 2004 ، والثاني رقم (8) لسنة 2005 ( نظام الحملات الانتخابية ) .
كما ان من الجدير بالذكر ان هناك هيئة أخرى معنية بالتنظيم والإشراف على الحملات الإعلامية الانتخابية في العراق ، هي ( الهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام )(8) ، والتي أشار إليها النظام رقم (9) لسنة 2004 في الفقرات ( ثالثا ، رابعا ) من المادة (1) منه على أنها المسؤولة عن إصدار قواعد ونظم التغطية الإعلامية لفترة الانتخابات ، كما ان النظام أعلاه أقر قيام المفوضية بإحالة أية مخالفات تخص الحملات الإعلامية الانتخابية إلى ( الهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام ) أو إلى القضاء وحسب جسامة المخالفة(9) ، إلا انه يلاحظ ان المفوضية وفي النظام الخاص بالحملات الانتخابية لانتخابات مجلس النواب اللاحقة لم تشر من قريب أو بعيد إلى الهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام ، ونعتقد ان مرد ذلك ضعف الدور الذي قامت به هذه الهيئة في مراقبة الحملات الانتخابية في الانتخابات التشريعية الأولى(10) .
الفرع الثاني
مدة الحملة الانتخابية(11)
من الصعب القول ان حملة انتخابية ما قد بدأت أو قد انتهت ، صحيح ان هناك مواعيد محددة من الناحية الرسمية لفتح أبواب الحملة الانتخابية ، لكن الأحزاب السياسية كثير ما تكون قد بدأت نشاطها قبل هذه المدة ، وتعمد معظم دول العالم لتحديد مدة للحملات الانتخابية ، وذلك بقصد تحقيق عدة أهداف منها :
1: تحقيق نوع من التكافؤ بين الأحزاب الصغيرة والأحزاب الكبيرة ، فلو استطالت الحملة الانتخابية لمدة طويلة فانه سيكون فقط بمقدور الأحزاب الكبيرة والتي لها إمكانيات مالية عالية الاستمرار بالحملة لتلك الفترة ، بينما لا تستطيع الأحزاب الصغيرة مجاراتها في ذلك .
2 : تحديد المدة يقلل من العبء الذي تتحمله الدولة ـ في الدول التي تنص قوانينها على ذلك ـ في تعويض الأحزاب عما أنفقته أثناء الفترة الانتخابية(12).
ففي فرنسا ، وفيما يتعلق بانتخابات الجمعية الوطنية قررت المادة (164) من قانون الانتخاب أن تبدأ تلك المدة بعشرين يوماً قبل الاقتراع ، وأوجبت المادة (26) من اللائحة التنفيذية من قانون الانتخاب أن تنتهي مدة الدعاية في يوم الخميس السابق على انتخاب الدور الأول أو منتصف ليلة الجمعة الذي يسبق انتخابات الدور الثاني .
أما في مصر ، فقد أجاز المشرع المصري للمرشحين القيام بعملية الدعاية لمدة خمس وأربعين يوماً على الأقل وذلك اعتبارا من تاريخ تعيين ميعاد الانتخابات ، دون أن يضع حد أقصى لها(13) ، ويلاحظ أن المشرع لم يحظر القيام بالدعاية يوم الانتخاب وهو أمر محل نظر(14) .
أما في العراق فقد حدد قانون الانتخاب رقم (16) لسنة 2005 مدة الحملة الانتخابية بالقول " تكون الحملة الانتخابية حرة وفق أحكام هذا القانون ، ويجوز لأي مرشح القيام بها من تاريخ ابتداء مدة الترشيح وتستمر لليوم السابق مباشرة لليوم المحدد للانتخاب "(15) .
والملاحظ هنا ان القانون لم يحدد المدة بعدد محدد من الأيام ، لكن من تفحص مواد القانون والذي أورد في المادة (5) منه " يحدد موعد الانتخاب بمرسوم جمهوري ، ويعلن عنه بوسائل الإعلام كافة قبل الموعد المحدد لإجرائه بمدة (60) يوم " ، ونص المادة (7) من القانون " يخضع المرشحون لمصادقة مفوضية الانتخابات العراقية المستقلة " ، نرى ان تحديد مدة الحملة الانتخابية قد أنيط إلى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والتي تحدد موعد بدء قبول طلبات الترشيح والتي تعتبر أيضا الموعد الذي تبدأ به الحملة الانتخابية ولحد اليوم السابق للانتخابات على ان لا تزيد هذه المدة بأي حال من الأحوال عن (60) يوما وذلك إعمالا لنص المادة (5) المشار إليها سابقا ، ونرى ان من الأفضل ان يقوم المشرع بتحديد مدة الحملة الانتخابية بفترة واضحة ومحددة لما لذلك من أهمية في ان تتمكن الكيانات السياسية المشاركة من التخطيط الصحيح والدقيق لحملاتها الانتخابية وللسيطرة على النفقات الانتخابية .
فترة الصمت الإعلامي :
هي الفترة التي تسبق يوم الانتخابات والتي يُمنع خلالها نشر أي أخبار أو معلومات مرتبطة بالمرشحين أو باللوائح في وسائل الإعلام ، وتختلف هذه الفترة من بلد لآخر(16) .
ففي فرنسا ، وبالنسبة للانتخابات التشريعية ، فان المادة (164) من قانون الانتخاب الفرنسي تقضي بان الحملة الانتخابية تبدأ قبل الاقتراع بعشرين يوما ، وتنتهي طبقا للمادة (26) من اللائحة التنفيذية لقانون الانتخاب في يوم الخميس السابق على الدور الأول ، أو منتصف ليل الجمعة الذي يسبق الدور الثاني ، أما في إيطاليا والسويد والدانمارك فتنخفض إلى يوم واحد قبل الانتخابات ، كما هي الحال في لبنان ، وفقاً لقانون الانتخابات الصادر في العام 2000(17) .
أما في العراق فقد نص قانون الانتخاب على ان الحملة الانتخابية تستمر لغاية اليوم السابق مباشرة لليوم المحدد لإجراء الانتخاب(18) ، وهذا يعني ان فترة الصمت الإعلامي هي مدة يوم واحد فقط قبل يوم الانتخاب ، مع سكوت القانون على موعد انتهاء فترة الصمت هذه ، لكننا نلاحظ ان قواعد التغطية الإعلامية التي أصدرتها ( الهيئة الوطنية العراقية للاتصالات والإعلام ) حددت مدة الصمت الإعلامي بفترة تبدأ بمدة (48) ساعة قبل فتح مراكز الاقتراع ، وتنتهي بإغلاق آخر مركز من مراكز التصويت فيها ، وواضح ان هناك تناقضا في المدة المحددة في قانون الانتخاب عنها في قواعد التغطية الإعلامية ، وهذا تناقض تشريعي ينبغي رفعه ، ويمكن رفع الازدواج على أساس ان قانون الانتخاب هو لاحق على قواعد التغطية الإعلامية وبالتالي فانه هو الواجب التطبيق ، مع الإشارة إلى ان التطبيق العملي في الانتخابات العراقية التي جرت سنة 2005 التزم بالمدة التي حددها قانون الانتخاب .
______________
1- أسامة صفا ، الإعلام الجديد وعملية التغيير الاجتماعي والسياسي في العالم العربي ، المركز اللبناني للدراسات ، بيروت ، 2006 ، ص 11 .
2- د. عفيفي كامل عفيفي ، الانتخابات البرلمانية وضماناتها الدستورية والقانونية ، مصدر سبق ذكره ، ص 977 .
3- ألغي القانون رقم (33) لسنة 1978 بالقانون رقم (221) لسنة 1994 ، وبالتالي تلغى الإحالة إليه وكذلك العقوبات المنصوص عليها في المادة (13) منه .
4- د. عفيفي كامل عفيفي ، الأنظمة النيابية الرئيسية ، منشأة المعارف ، الإسكندرية ، 2002 ، ص 503 .
5- المادة (13) من القانون .
6- فاروق عبد الحميد محمود ، حق الانتخاب وضماناته ـ دراسة مقارنة ـ ، رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية الحقوق في جامعة عين شمس ، 1998 ، ص 181 .
7- نصت المادة (24) من القانون على ان يكون للاتحاد مجلس للأمناء ومجلس للأعضاء المنتدبين وجمعية عمومية .
8- والمُشكلة بموجب الأمر المرقم (65) في 20/3/ 2004 ، الصادر عن سلطة الائتلاف المؤقتة .
9- المادة (4-1) من النظام رقم (9) لسنة 2004 ، والصادر عن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات .
10- لذلك قامت الكيانات السياسية برفع شكاواها المتعلقة بالحملات الانتخابية إلى الهيئة الانتخابية الانتقالية القضائية ، مثال ذلك ، قرار الهيئة الانتخابية الانتقالية القضائية المرقم 9/ استئناف/2006 في 8/2/2006 والذي نص على " ... قدُم المستأنف تجمع الانتفاضة العراقية اعتراضا بشان قيام قناتي الفرات الفضائية وتلفزيون الغدير ببث الدعايات الانتخابية الغير مشروعة والمتمثلة بانسحاب مرشحي القائمة (671) لصالح الائتلاف العراقي الموحد وطلب المستأنف إنصافه معنويا وماديا ، ... ، ولقد رد المستأنف عليه ( المفوضية العليا المستقلة للانتخابات ) الاعتراض لسلامة العملية الانتخابية ولان المجلس سبق له وان اتخذ قرارا بتحريك دعوى جزائية ضد القناتين المشار إليهما ، ... ، وبعد التدقيق والمداولة وجدت الهيئة ان القرار المستأنف صحيح وموافق للقانون " .
11- للمزيد : ينظر : د. محمد فرغلي محمد علي ، نظم وإجراءات انتخاب أعضاء المجالس المحلية في ضوء القضاء والفقه ، دار النهضة العربية ، القاهرة ، 1998 ، ص 663 . د . مصطفى عفيفي ، نظامنا الانتخابي في الميزان ، مكتبة سعيد رأفت ، جامعة عين شمس ، 1984 ، ص 384 .
12- د. حسن البدراوي ، الأحزاب السياسية والحريات العامة ، دار المطبوعات الجامعية ، الإسكندرية ، 2000 ، ص 364 .
13- تنص المادة (22) من قانون مباشرة الحقوق السياسية رقم (73) لسنة 1956 والمستبدلة بالقانون رقم (220) لسنة 1994 على أن " يعين ميعاد الانتخابات العامة بقرار من رئيس الجمهورية ، والتكميلية بقرار من وزير الداخلية ، ويكون إصدار القرار قبل الميعاد المحدد لإجراء الانتخابات بخمسة وأربعين يوماً على الأقل " .
14- د.عفيفي كامل عفيفي ، الانتخابات البرلمانية وضماناتها الدستورية والقانونية ، مصدر سابق ، ص 980 .
15- المادة (20) من قانون الانتخابات رقم (16) لسنة 2005 .
16- د. إيليا إيليا ، المال السياسي ، بحث منشور ضمن كتاب " الانتخابات النيابية في لبنان 2005 في خضم التحولات المحلية والإقليمية " ، المركز اللبناني للدراسات ، بيروت ، 2007 ، ص 310 .
17- رسل جيه . دالتون ، دور المواطن السياسي في الديمقراطيات الغربية ، ترجمة د. احمد يعقوب المجدوبة ، دار البشير ، الأردن ، 1996 ، ص 59 .
18- المادة (20) من قانون الانتخاب العراقي رقم (16) لسنة 2005 والتي تنص على " تكون الحملة الانتخابية حرة وفق أحكام هذا القانون ، ويجوز لأي مرشح القيام بها من تاريخ ابتداء مدة الترشيح وتستمر لليوم السابق مباشرة لليوم المحدد لأجراء الانتخاب " .
الاكثر قراءة في القانون الدستوري و النظم السياسية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة