0

بمختلف الألوان
يُحرِّكُ القلوبَ نحوَ معشوقِها شوقُ اللِّقاءِ، فيدنُو مِن أبصارِهِم كأنْ لا بينَ بينَهُما! وتُصبحُ الدقائقُ خانقةً عندَما تهيجُ صبَابةُ التائقِ في طريقِ الوِصالِ، فيُسَعِّرُ البعدُ نارَ الوَجدِ شوقاً وحنيناً وأنيناً.. أنّى أُحدِثُكَ عَنِ العَاشقين ... رِحلةٌ لا يُدرِكُ سِرّها إلّا مَن شَهِدَ... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
الآثار الوضعية للذنوب... سوء الخلق يوحش القريب وينفِّر البعيد (69)

منذ اسبوعين
في 2026/09/11م
عدد المشاهدات :276

حسن الهاشمي
إنَّ سوء الخُلُق من أشدِّ ما يفسد حياة الإنسان الاجتماعية؛ لأنَّ الإنسان قد يملك العلم والمال والمكانة، ولكن إذا فقد حُسن التعامل، تحوّلت هذه المزايا إلى حواجز تُبعد الناس عنه، فالكلمة الجارحة، والنظرة القاسية، وسرعة الغضب، والتعالي على الآخرين، كلّها تصنع حول صاحبها جدارًا من الوحشة والنفور، عن الإمام عليّ (عليه السلام): (سوء الخلق يوحش القريب وينفِّر البعيد) عيون الحكم والمواعظ، للواسطيّ ص283.
لماذا "سوء الخلق يوحش القريب" يبعد الناس عن صاحبه؛ لأنَّ الأقربين أكثر الناس احتكاكًا بالإنسان ومعرفةً بطباعه، فإذا اعتادوا منه القسوة وسوء المعاملة، أثقل ذلك نفوسهم، وأفقد العلاقة دفؤها ومودتها، وقد يكون الإنسان قريبًا في النسب، لكنه بعيد في القلب بسبب سوء أخلاقه.
وهو كذلك "ينفّر البعيد"؛ لأنَّ من لا تجمعه بالإنسان رابطة سابقة لا يجد ما يحمله على تحمّل فظاظته وقسوته، فيبتعد عنه سريعًا، ويبحث عن صحبةٍ يجد فيها الاحترام والطمأنينة وحسن المعاملة.
ولهذا كانت الأخلاق الحسنة من أعظم أسباب الألفة والاجتماع، بينما سوء الخلق سببٌ للفرقة والوحدة، وقد أكّد القرآن الكريم هذا المعنى في قوله تعالى مخاطبًا النبي الأكرم: (وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) آل عمران: 159. فالفظاظة لا تفرّق بين قريب وبعيد، وإنما تُسقط من القلوب رصيد المحبة والثقة.
إنَّ حسن الخلق ليس مجرّد ابتسامة أو كلمات لطيفة، بل هو قدرة على كظم الغيظ، واحترام الآخرين، والصبر على طباعهم، واختيار الكلمة التي تجمع ولا تفرّق، ومن أراد أن يحفظ أهله وأصدقاءه من الوحشة، ويكسب قلوب الناس من حوله، فليجعل أخلاقه جسرًا يصل به إلى القلوب، لا جدارًا يحول بينها وبينه، فما أجمل أن يكون الإنسان مألوفًا عند القريب، محبوبًا عند البعيد، يأمنه الناس في حضوره، ويفقدون شيئًا من الأنس في غيابه؛ وذلك ثمرة من ثمار حسن الخلق.
كما لا يخفى أثر سوء الخلق في تفتيت اللحمة الاجتماعية، فإنَّ سوء الخُلُق لا يقتصر أثره على صاحبه، بل يمتدّ إلى محيطه ليصيب العلاقات الاجتماعية بالضعف والتفكك؛ فقول الإمام: "سوء الخُلُق يوحش القريب وينفّر البعيد" يكشف عن حقيقة اجتماعية عميقة، وهي أن الأخلاق ليست شأنًا فرديًا محضًا، وإنما هي أحد أهم العوامل التي تحفظ تماسك المجتمع ووحدته.
فحين تسود الفظاظة، والعصبية، وسرعة الغضب، والتجريح، وسوء الظن، وعدم احترام الآخرين، تبدأ الألفة بالتراجع شيئًا فشيئًا، فالقريب الذي كان يجد في صلته بأخيه أو قريبه سكنًا وأمانًا، يتحول إلى شخص متحفظ يتجنب الاحتكاك، والصديق يبتعد خشية الخصومة، والجار ينكمش عن جاره، حتى تصبح العلاقات قائمة على الحذر بدل الثقة، وعلى المجاملة بدل المحبة.
والخطورة أن سوء الخلق يعمل بطريقة تراكمية؛ فالكلمة القاسية قد تُحدث جرحًا، والجرح يولّد غضبًا، والغضب يورث القطيعة، والقطيعة تفتح باب سوء الظن، ثم تتسع دائرة الخلاف لتشمل الأسرة أو العشيرة أو جماعة العمل أو المجتمع بأسره، وهكذا تتحول أخلاق الأفراد إلى واقع اجتماعي يهدد اللُّحمة والوحدة والتعاون، فالانفضاض نتيجة طبيعية للفظاظة؛ إذ لا يمكن بناء مجتمع متماسك بقلوب قاسية وألسنة جارحة.
ومن هنا فإن حسن الخلق يمثل حصانة اجتماعية؛ لأنه يفتح أبواب التواصل، ويطفئ نار الخصومة، ويمنح الإنسان قدرة على احتواء الاختلاف قبل أن يتحول إلى نزاع، أما سوء الخلق فيفعل العكس تمامًا: يوحش القريب، وينفّر البعيد، ويقطع جسور التواصل، ويحوّل الاختلاف الطبيعي إلى خصومة، والخصومة إلى قطيعة، والقطيعة إلى تفكك اجتماعي.
ولذلك فإن إصلاح المجتمع لا يكون بالأنظمة والقوانين وحدها، وإنما يبدأ أيضًا من إصلاح أخلاق أفراده؛ فكل إنسان يستطيع أن يكون لبنةً في بناء اللُّحمة الاجتماعية أو معولًا في هدمها، وكلمة طيبة قد تجمع قلبين، كما أن كلمة جارحة قد تزرع بينهما خصومة تمتد لسنوات، فإذا كان سوء الخلق يوحش القريب وينفّر البعيد، فإن حسن الخلق يؤنس القريب ويقرّب البعيد، ومن هنا تبدأ صناعة المجتمع المتماسك.
إنَّ سوء الخُلُق لا يحرم الإنسان من محبة الناس فحسب، بل قد يحجبه عن أبواب الخير والرحمة، فيصبح بعيدًا عن الناس، بعيدًا عن الله، قريبًا من النار، فحين يعتاد الإنسان الغلظة والفظاظة، ويطلق لسانه بالسباب والتجريح، ويقابل الآخرين بالغضب والكبرياء، تنفر منه القلوب، ويبتعد عنه الأقربون قبل الأبعدين.
والأخطر من ذلك أن سوء الخلق قد يتحول من سلوكٍ مع الناس إلى حاجزٍ في علاقة الإنسان بربه؛ لأن العبادة التي لا تُثمر تهذيبًا للنفس وحسنًا في التعامل تبقى ناقصة الأثر في بناء الشخصية المؤمنة، وقد قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) لقمان: 18.
ولذلك جاء التحذير الشديد من سوء الخلق في تراث أهل البيت عليهم السلام؛ لأنه لا يفسد علاقة الإنسان بالآخرين فقط، بل يجرّه إلى خصال أخرى مذمومة: الغضب، والقطيعة، والظلم، والعداوة، والكبر، فيتسع بذلك البعد عن طريق الله.
إنَّ حسن الخلق هو أقرب الطرق إلى القلوب، وأجمل مظاهر الإيمان في الحياة الاجتماعية؛ أما سوء الخلق فيجعل صاحبه يعيش وحيدًا بين الناس، مطرودًا من مجالس الألفة، فاقدًا لبركة المحبة، ولذلك كان إصلاح الخُلُق إصلاحًا للإنسان نفسه، وإصلاحًا لعلاقته بالله، وإصلاحًا لعلاقته بالمجتمع.
فمن أساء خلقه أوحش القريب، ونفّر البعيد، وأغلق على نفسه أبواب المحبة؛ ومن أحسن خلقه قرّب البعيد، وألّف القلوب، وسار في طريق مرضاة الله.

اعضاء معجبون بهذا

حيدر السلامي في ذكراه الأولى (عام على الرحيل... وذاكرة لا تغيب)
بقلم الكاتب : زيد علي كريم الكفلي
زيد علي كريم /الكفل تمر علينا هذه الأيام الذكرى الأولى على فقدان كنز عراقي غادرنا حيدر السلامي يوم 2 سبتمبر 2025 بعد معاناة طويلة مع المرض تاركا خلفه سيرة حافلة بالأبداع والعطاء. كان رحيله موجعا لأصدقائه ومحبيه وكل من عرفه، استعادوا في ذكراه الأولى ملامح شخصيته وقد كتب الأديب حيدر عاشور في رثائه: «عام مر... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....


منذ 5 ايام
2026/09/22
عندما نسمع كلمة القسطرة قد نعتقد أن الأمر يقتصر على فتح شريان مغلق، لكن الحقيقة أن...
منذ 1 اسبوع
2026/09/20
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وسبعة عشر: الهندسة غير الإقليدية: من سطح...
منذ 1 اسبوع
2026/09/20
مع حلول الثالث من الشهر الجاري (آب 2026)، يتجدد قلق الشارع العراقي وشريحة الموظفين...